الرأي

نُوفمبر العَرب وَ..عربُ نُوفمبر

بقلم: رشيد بلـــــقرع
  • 405
  • 0

كُنتُ على الدّوام أتساءل عن سرّ هذا الالتزام الجزائري بنُصرة قضية العرب والمسلمين، وعن كوامن تلاحم ذاك الجزائري (رسميّا كان أو غير رسميّ) مع فلسطين.. كلّ فلسطين، وأحاول بعقل الشاب العربيّ الباحث أن أستَطلع خيوطاً من التاريخ وسُطوراً من الفكرة الدّينيّة  )كما يسمّيها المفكّر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله(، أو أستنطق المادّة علّها تُفصح عن خلفيّة براغماتيّة تجعل هذا الجزائري يُجهزُ على “الفكرة الوطنيّة”و يقفُ عضُداً و سنداً وداعماً ومعتزّا بالانتصار لقضية فلسطين، ولأنّي لا أحبّذ أجوبة جاهزة وتحليلاً متداولا قد يغلب عليه التفكير الرغبوي المُتوشّح بعاطفة جيّاشة لا نُنكر أنّها خصيصةٌ إنسانيّة..

لَطَالما تَغنّى العربُ والعالم بثورة نوفمبر التي صُنّفَت ضمن الثورات الأربع الكبرى في العالم، فما يمنَعُهم اليوم وهم بأرضٍ عربيّة تَحُفُّهم روحٌ نوفمبريّة وتُسنِدُهم عزّةٌ شُهدائيّةٌ باسلةٌ تُعفيهم من الوقوف طويلا أمام ميزان قوة صَنعَت منه الواقعيّة الأميركيّة كُبرى مدارس العلاقات الدوليّة.. رَبّـــــاً تَــتَــرَبّــــــبُ به على وطننا العربيّ وتُسَيّـــــجُ به عقلنا العربيّ؟!

وقد استأنستُ بالنّقل، وعَصرتُ عصبونات العقل، لِأَجِدَني أمام مظلّة الشخصيّة العربيّة الاسلاميّة التي تغوص في دهاليز التاريخ الحضاري للجزائر  وَسِكَكِ التاريخ الاجتماعي للشعوب؛ أين استلهَمَ هذا الجزائريُّ الذي قَهَر قوّة أطلسيّة إبّان التكالب الاستعماري على الأوطان العربيّة (الاستعمار أعمق من الإستدمار؛ بل هو صيغةٌ مهّذّبة للحروب الصّليبيّة) منظاراً عَقَديّاً وعزّةً عربيّة و استَلّ أيضاً روحاً من روح نوفمبر  الأمجد في بيانه الأرشَد؛ رشادةَ من صنعوا معانيه في شجاعة أدبيّة وثوريّة أعلَنَت لعالَم الخمسينيّات أنّها ثورةٌ، وَ شُجاعة أيضاً، لِجزائرٍ في إطارها العربيّ والإسلاميّ.. وكما خَطَّ مُفْدِيها بأنها جزائرُ شرِبَت العقيدة حتّى الثّمالة وَ أسْلَمَت نفسها لِرَبّ الجلالة!

في لقاءاتٍ إعلاميّة حول القمّة العربيّة بجزائر الشهداء، حاولتُ تشريح تلك الرّمزيّة التي أرادت نُخبة الجزائر العربيّة تصديرها للعقل العربيّ وللعالم المُعَولم من خلال المزاوجة بين قمّة العرب وَ ذكرى الفاتح من نوفمبر؛ إذ تبيّن لي أنّ الإدراك السّياسيّ الجزائري للبُعد العربيّ لثورة أول نوفمبر والاحتضان الجزائري للشّمل العربيّ يكون قد نَسَجَ رسائلَ قد تقعُ تحت عَتَبة التنبيه، مُؤَدّاها أن يكون نوفمبر  الأمجد منارةً يستلهم منها العربُ المجتمعون بالجزائر بعض شجاعة نوفمبر  فكراً وآداءً، و بيانُهُ المرجِع؛ نقطة البداية لعمل عربيّ مشترك حقيقيّ يُضاهي ساعة الصّفر التي انطلقت معها أوّل رصاصة جَدَعَت أنفَ وكبرياءَ الكولونياليّة العجوز.. نعم، إنّه لَطَالما تَغنّى العربُ والعالم بثورة نوفمبر التي صُنّفَت ضمن الثورات الأربع الكبرى في العالم، فما يمنَعُهم اليوم وهم بأرضٍ عربيّة تَحُفُّهم روحٌ نوفمبريّة وتُسنِدُهم عزّةٌ شُهدائيّةٌ باسلةٌ تُعفيهم من الوقوف طويلا أمام ميزان قوة صَنعَت منه الواقعيّة الأميركيّة كُبرى مدارس العلاقات الدوليّة.. رَبّـــــاً تَــتَــرَبّــــــبُ به على وطننا العربيّ وتُسَيّـــــجُ به عقلنا العربيّ؟!

قمّة العرب في جزائر نوفمبر لا يُمكن إلّا أن تكون قمّةَ همّة، وأنّ الـ14 فصيلاً فلسطينيّاً الذين دخلوا في ميثاقٍ على أرض الشهداء.. غليظ، وارتضوا أن يستظلوا بمظلة الوحدة والوفاق بَدَلَ الشّقاق قد مهّدوا المسالك أمام قادة العرب ليكون لهؤلاء القادة هذه المرّة وازعٌ من العقيدة وشرفٌ من العُروبة و تعضيدٌ من أرضٍ جزائريّة عربيّة صلبة لا يتخطّفُهم فيها مِن تحت أرجلهم إلّا ما ارتضَوهُ من نوازع أنفسهم التي ألِفَت نُوتَةَ الانهزام عقلاً وآداءً وصدّرتها لأوطانها منذ استحال إدراكُ قادة العرب السياسيّ دون حُقَنٍ وأمصالٍ حضاريّة، يُغيّبُ الوازعَ الذي يسكُن صَدرَ صامويل هينغينتون وَ ينتصر له، ويثمُلُ هذا الإدراك في إِسَارِ  دين الرأسماليّة الجديد.. العولمة، المتوشّحة بإعادة إنتاج الكولونيالية، وفي غفلة عن التنبيهات المستقبليّة للأستاذ المهدي المنجرة رحمه الله حول ما يُنسَجُ في مراكز الفكر من حروب حضاريّة.

قمّة العرب، إن لم تستلهم بعض إبَــــــاءِ نوفمبر وشجاعة بيان نوفمبر و نخوة أجناد نوفمبر وتخرج إلى النّاس من عرب وعجم بما يرفع عزائم الشعوب العربيّة ويلامس حياتها اليوميّة وآمالها في الانعتاق والتنمية والتكامل، فستغدو كلّ قممنا مَطاميرَ نتجرّع فيها كعرب مآسينا وسيضحي وطننا العربيّ على الدّوام بأقطاره الـ22 كالطوائفَ الـ22 من طليطلة إلى بطليوس إلى مَلَقَة إلى.. بَربشتر في الأندلس الخضراء..

نوفمبر الأمجد لن يخذل العرب.. قاموسُه قدّيسٌ لا يعرفُ الخيانة.. فهل نشهد في قادم الأيام عَرَبَ نوفمبر  في… نوفمبر العَرَب؟!.

مقالات ذات صلة