الجزائر

هاهنا قاعدون !

الشروق أونلاين
  • 337
  • 0

ارتباط الجزائريين بمناصبهم، لا يخصّ الوظائف السامية، من رئيس دولة أو وزير أو حتى مجرد “شقيق” لمسؤول، فهناك بوابون لا يريدون ترك مناصبهم، وبمجرد أن يخرجوا إلى عالم التقاعد وكأنه قُذف بهم إلى جهنم أو فقدوا مفاتيح الجنة، على عكس ما نشاهده في كل بلاد العالم عندما ترى رئيسا يتنفس الصعداء وهو خارج من قصر الرئاسة، حيث كان مسجونا في خدمة شعبه، إلى الحرية الشخصية ليخدم نفسه، والسبب في ذلك أن المسؤولية عندنا كانت دائما منذ فجر الاستقلال، تشريفا بالكامل ليس لمن يحصل عليها فقط، وإنما لعائلته وأصدقائه ولأهل “الدوّار”، ولا قطرة من التكليف فيها، ولسنا في حاجة إلى الجزم بأنه في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لم يمر وزير ولا رجل مال ولا برلماني من دون أن يلحس هو وعشيرته القصعة بكل ما فيها، وسعوا بكل مسموح وممنوع، ليبقوا إلى الأبد، بالرغم من أنهم جنوا القناطير المقنطرة من الذهب والألماس.

في بلاد بنت اقتصادها بالكامل على ريع النفط، لم تنتج لنا، لا سلطة ولا شعبا يؤمن بأن الإنسان وحده قادر على خلق الثروة، فكان الوزير عندما يحمل الحقيبة يتصوّر نفسه داخلا إلى جنة الفردوس حيث الخلود مصيره المحتوم، وحتى البرلماني ورئيس البلدية برغم تحديد مدة وجودهم على مقاعد السلطة يرفضون الرحيل. وكما فعلها الرئيس بوتفليقة عندما غيّر الدستور على مقاسه ليخلد في الحكم إلى غاية الوقت بدل الضائع من عمره، هناك برلمانيون وأميار ووزراء رفضوا الابتعاد عن مكان القرار، لأنه لا يمكنهم التنفس خارج هذا المحيط، ومعروف في علم النفس أن الإنسان الذي يعيش في الحرير، لا يمكنه أن يعيش في مكان آخر، فجميع أفراد العصابة الكبيرة التي حكمت البلاد منذ الاستقلال، يمتلكون من زمن طويل، الكثير من الممتلكات في القارات الخمس للعالم، ولكنهم يدركون أن الحياة في الغرب عطاء، وجميعهم تعوّدوا وأدمنوا الأخذ فقط.

اعتراف قدّمه الوزير السابق أبو جرة سلطاني في عز الحراك الشعبي، عندما استغرب بعد خروجه من الوزارة عدم مساءلته أو على الأقل مطالبته بتقرير مالي وأدبي، عن الفترة التي قضاها حاملا لحقيبة وزارية مليئة بالملايير من الدينارات والدولارات، وهو دليل على أن غياب المراقبة والمحاسبة هو التي أسقطنا في هذه الأزمة الأخلاقية العنيفة، وجعل كل من تتهيأ أمامه فرصة الحكم أو حتى المنصب البسيط، يحوّلها إلى مملكة لا عمل فيها، غير تجفيف المكان من كل أخضر ويابس.

كل رؤساء فرنسا الذين مازالوا على قيد الحياة ومنهم ساركوزي وهولاند متابعون الآن قضائيا على ما ارتكبوه من أخطاء على قلتها، بينما يعيث في أرض بلادنا رجال مال وسياسة، فسادا ولا أحد يحاسبهم.

وعندما ترى رئيس دولة أو حتى وزيرا أو واليا يُقدّم إلى العدالة في قضايا نهب المال العام حينها فقط، قد تتحول المسؤولية عندنا إلى تكليف قبل أن تكون تشريفا.

مقالات ذات صلة