هذا التكوين مهم في قطاع التربية…
أصبح من الضروري اليوم إدراج تكوين في مجال الشبكات عموما وشبكات التواصل الاجتماعي خصوصا ضمن منظومتنا التربوية. يشهد العالم انعكاسات خطيرة على مستوى نمط التفكير والحالة العقلية والنفسية للأطفال والبالغين على حد سواء ناتجة عن الاستخدام المفرط وغير المدروس للحواسيب والهواتف الذكية لأجل الاتصال والتواصل. لا يعرف غالبية المستخدمين عن هذه الشبكات والمنصات سوى النزر القليل، وكثيرا ما يوافقون من غير قراءة على شروط الاستخدام واللوائح القانونية التي يفرضها المتحكمون في الشبكات عليهم. ويصعب للغالبية حتى عند اتخاذ قرار القراءة قبل الموافقة فَهْم تلك العبارات القانونية والمدروسة بعناية التي عادة ما تتضمنها الوثائق المطلوب المصادقة عليها. ولا شك أن الجميع اليوم يعيش هذه المشكلة سواء أدرك أبعادها أم لم يُدرك، نادرا ما يتم طرح السؤال المتعلق بماذا تستفيد هذه الشبكة أو تلك من تمكين متابعيها من استخدامها مجانا، وقليلا ما يُدرك المستخدمون الخلفيات التي تتعلق بمثل هذه الاستخدام وبخاصة المالية منها. يظن الكثير أن “فيسبوك” “ميتا” مثلا لا يربح أموالا من كل حساب مفتوح مادام الشخص ذاته لم يدفع مباشرة أي مبلغ من أمواله الخاصة. وما ينطبق على هذه المنصة ينطبق على غيرها من المنصات والمواقع الالكترونية الأخرى. يوجد عمل كبير تقوم به الشركات المتحكمة في هذا المجال لتحقيق أهدافها المالية أو السياسية أو غيرها وهو عمل مستمر لا يتوقف للحظة.
لذلك أصبح مطلب إدراج تكوين في مجال الشبكات للوقاية والاستباق ضروري في جميع أطوار التعليم وبخاصة في مراحله الأولى قبل فوات الأوان. لا يمكن ترك أجيال كاملة لُقمة سائغة أمام الشبكات العاملة على التحكم في العقول والنفسيات، يعبثون بها كما شاءوا. شعرنا أم لم نشعر، أردنا أم لم نرد.
وقد أصبحت هذه المشكلة قضية رأي عام في الغرب وفي بلد منشأ شبكات التواصل الاجتماعي ذاته. أفردت “نيوزويك الأمريكية” في عددها لهذا الأسبوع لهذا الموضوع ملفا رئيسا بعنوان “أشعر أني غير مرئي”، أبرزت فيه كيف جعلت انترنت والهواتف الذكية الأطفال يصابون بالاكتئاب والحزن حتى أن 1 إلى 6 منهم فَكَّر في الانتحار، وكيف أن الوحدة والانفراد بالهواتف الذكية جعلتهم يصرحون أنهم أصبحوا كالأشباح يمرون أمام الناس دون أن يراهم أحد لانشغال الكل بذلك العالم الافتراضي المسحور… ولا شك أن الدراسات الغربية في هذا الشأن بالآلاف لمحاولة التكيف مع هذا الوضع الجديد والخطير. فماذا عنا نحن؟
يبدو أننا في حاجة إلى طرح سؤال كبير بداية على منظومتنا التربوية؟ ما الذي عليها أن تُدرجَه من تكوين في هذا المجال للوقاية والاستباق، بدءا بتكوين المكونين في كيفية التعامل مع هذه الشبكات ووصولا إلى توعية الأسر بأساليب التعامل مع هذا الواقع الجديد. وقبل هذا وذاك نحن في حاجة إلى دراسات معمقة واحترافية تُبيِّن لنا الحالة العقلية لأفراد المجتمع نتيجة الاحتكاك المتزايد مع الهواتف الذكية، وتُبرز لنا أثر الفيسبوك مثلا على أمن وسلامة الأطفال والشباب والأسرة، وتطرح سؤالا كبيرا بشأن جدوى تشجيع مجانية فيسبوك لدى مؤسسات الهواتف النقالة، ولماذا فيسبوك بالذات؟ وجدوى خدمات الألعاب الأخرى التي يتم الترويج لها بشكل غير مسبوق… وغيرها من المسائل ذات الصلة. ولدينا من الخبراء مَن بإمكانهم القيام بذلك بكل احترافية، فقط ينبغي مناقشة الموضوع على مستوى الهيئات المختصة والهيئة التشريعية لما له علاقة بأمننا القومي ومستقبل تماسك المجتمع بمختلف مكوناته.
وفي كل الحالات، نبقى كمجتمع مازال متمسكا بتقاليده الأسرية وقيمه الروحية في درجة أقل خطورة من تلك المجتمعات التي أطلقت العنان لكافة الغرائز والسلوك انطلاقا من فهم متطرف للحرية، ولعل هذا ما يجعل الأمل قائما اليوم لتبني إستراتيجية مضادة في هذا المجال تمنعنا من القول: لقد فات الأوان…