هذا ما جناه علينا “التفون” و”الحنطة” و”أوباما”
المخدرات ذلك السم القاتل الذي يعطيك تأشيرة إلى الموت المسبق بهدوء وصمت، تفقدك وعيك بكل ما يحيط بك، وتمنحك نشوة مؤقتة، جرأة وقدرة على تقبل واقعك المرير وظروفك الصعبة بصدر رحب، إنها جواز سفر لعالم افتراضي بعيد كل البعد عن واقعنا المعيش، لكن مفعولها يزول بسرعة، ولا يتبقى في النهاية سوى الحسرة والندم وصدمة العودة إلى الحياة الطبيعية، فكم من مدمن مخدرات توفي بجرعة إضافية، وكم من مروج قضى زهرة شبابه، وأفنى عمره في دهاليز السجون ينتظر الفرج..
تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد المدمنين في الجزائر يتراوح مابين 250 و300 ألف، جلهم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم مابين 15 و30 عاما، لكن المختصين أكدوا أنهم يفوقونه بكثير، ويصل عددهم إلى حوالي مليون شخص.. وعلى الرغم من اختلاف القصص والحكايات التي دفعتهم لولوج عالم “الزطلة”، أي مخدرات الفقراء، لأن الهيروين والكوكايين والسيبيتاكس والكراك حكرٌ على المترفين والأغنياء.. إلا أنهم جميعا نادمون ومتحسرون على دخول عالم لم يكونوا يعرفون عنه شيئا، سوى أن الداخل إليه لن يخرج منه كما كان سابقا، وصورٌ رسّختها مشاهد لأفلام حول واقع المدمنين، وسنوات من عمرهم قضوها في غيبوبة، خسارات كبيرة ومشاكل أكبر تصاحب المدمن، نظرات قاسية وكلمات جارحة يسددها مجتمع لا يرحم صوبهم ،دون أدنى شفقة: “أنت زطايلي” إذن لا عمل لك.. لا سكن.. لا زواج.
دموع والدتي انتشلتني من عالم الإدمان
“لن أنسى في حياتي دموع والدتي يوم المحاكمة ولحظة فقدانها الوعي.. خلتُها توفيت حينها أعلنت التوبة”، هكذا فضل “ق، خ” ابن بوروبة، والذي طلب منا مناداته بـ”رابح” مثلما يطلق عليه الجميع فلعل الحظ السعيد يحالفه ويفوز في هذه الحياة المريرة. “رابح” يبلغ من العمر 24 سنة، الرابع بين سبعة أطفال، جميعهم تركوا مقاعد الدراسة في سن مبكرة، نظرا للوضعية الصعبة والفقر المدقع الذي يحيون فيه. يقول “رابح”: دخلت عالم الإدمان منذ 3 سنوات بسبب المشاكل وضيق السكن.. تصوري.. نحن عائلة من 9 أفراد نقيم في غرفة واحدة، ننام جميعا معا، كل ليلة أغادر المنزل مباشرة وأرفض المبيت فيه، أخرج فألفّ وأتجول في الشوارع، وأبقى برفقة صديق لي يملك طاولة لبيع السجائر أو هكذا تبدو، في النهار سجائر وفي الليل “زطلة”.. تناولت “نبشة” اعتقدت أنها ستنسيني همي، لكن بعد زوال مفعولها أجد نفسي مجدداً في الفقر والضيق نفسه، كنت أحاول تدبر المال بأية طريقة وزدت على فقري هما ثانيا. مؤخرا بعد أن ألقي عليَّ القبض بتهمة الحيازة بغرض استهلاك المخدرات ودخلت المؤسسة العقابية، شاهدت دموع والدتي المريضة يوم المحاكمة وشقيقاتي.. يومها عزمت على الابتعاد عنها، فهي لم ولن تغيِّر من الواقع شيئا.. توقفت عن تعاطيها دون أدنى علاج، مررت بفترات عصيبة فحتى في السجن موجودة، لكنني كلما هممت بتعاطيها أتذكر والدتي المريضة وعائلتي فأعدل عن رأيي.
امرأة أعادتني إلى رشدي
مأساة واحدة تتكرر وتصريحات متشابهة لمن كانوا بالأمس من مدمني المخدرات، واليوم أصبحوا من مدمني “النيكوتين” والشمة، وبين الأمس واليوم لم يتغير شيء في واقعهم الذي هربوا منه طواعية وعادوا إليه فجأة. “ج، ص” 23 سنة، الأصغر بين إخوته الـ 5، جميعهم تزوجوا واستقلوا بحياتهم، رفض في البداية الحديث إلينا، ولكن بعد إلحاح شديد بدأ يحكي قصته التي أدهشتنا يقول: توفيت والدتي قبل 6 سنوات بعد صراع مع المرض، كنت أبلغ من العمر 17 سنة، بعد مرور فترة عزم والدي على الزواج من امرأة أخرى، وبالفعل أحضر عروسا شابة في العشرينات من العمر، كانت توقع بيننا، وتختلق المشاكل، فضربني بسببها عدة مرات وطردني.. تنقلت بعدها بين بيوت إخوتي فلم أجد الراحة، قضيت سنوات في الشارع مع أصدقائي المدمنين، فبدأت أدخن “الحنطة” أي المخدرات بلغتهم، بدأت بـ”النبشة”؛ كمية صغيرة منها بـ100 دج ثم “الجوانة”، كنت أدخنها باستمرار في كل الأوقات، حتى إن يدي لا تتوقف عن حرق وتفتيت “الحنطة” ثم أضعها في “الماصّة” بمهارة، بمرور الوقت أصبحت مختصا في “تطليع القارو”. عندما جاءت شقيقتي من فرنسا لم أستطع التعرف عليها؛ كنت تحت تأثير المخدرات، حتى والدي توفي ولم أشاهده أو أطلب الصفح منه، وقعت أحداثٌ كثيرة كنت معزولا خلالها عن عائلتي، ووفاة والدي ودفنه دون علمي جعلاني أقرر مقاطعة “الزطلة” والتوقف عن الإدمان، كانت تنتابني هستيريا فأغضب وأحطم، حتى جسدي مزقته كلما احتجتُ إليها، لكني تخطيت كل ذلك، واستعدت عافيتي وأصبحت أواظب على الصلاة في المسجد، لقد كانت فتاة.. أصبحت اليوم زوجتي سبباً في هدايتي، لذا يجب على المرء التحلي بالإيمان ليتجاوز اللحظات الصعبة، وسيرسل الله دوما من يسانده.
رفض تزويجي بابنته فتخليتُ عن السموم
أما “د، ك” 28 سنة، تاجر فوضوي، فتوقف عن إدمان المخدرات منذ فترة وجيزة بعد أن سُجن ببسبها مرتين، ولما غادر المؤسسة العقابية رفض الجميع تزويجه بابنتهم، لأنه من أصحاب السوابق، آنذاك أعلن المقاطعة بينه وبين المخدرات. يفتح “د،ك” لنا صدره ليعترف لنا بمأساة عمره: “كنت أتناولها كل يوم في الليل والنهار، أستهلك جميع أنواع “الزطلة” منها “الغوليا” باهظة الثمن و”التفون” الرخيصة جدا، والحبوب المهلوسة “الريفوتريل”، و”أوباما” وهي نوع من “الزطلة” شديد السواد يعشقه الجميع، كان كل ما أجنيه من العمل يضيع في المخدرات، كنت أريد أن أموت وألتحق بوالدي وشقيقي اللذين اغتالتهما يدُ الإرهاب في التسعينيات في طريق بومرداس، كبرت وأنا في داخلي عقدة اليتم ومشهد جثتين مخضبتين بالدم عليهما علم الجزائر، الجميع يطلق عليّ اسم “ضحية الإرهاب”، عشت أنا ووالدتي ظروفا صعبة جدا، واضطررت للعمل بعد أن غادرت مقاعد الدراسة لأجد نفسي أجيرا في محل إرهابي، ولأنني لم أقوَ على التحمل تركت العمل. رفقاء السوء استغلوا ضعفي فدفعوني إلى المخدرات، دخلت بعدها السجن مرتين بسبب الاستهلاك، وفي المرة الأخيرة عزمت على مقاطعتها، خاصة لما رفض والد حبيبتي تزويجنا، لأنه يحرص على مستقبل ابنته، ويخاف عليها من المدمنين، فهو لم يثق بي، وخشي أن أستغلها للحصول على المخدرات، معه حق، فالإدمان صعب جدا يجعلك عبدا للسيجارة وبائعها.. تخيلي كنت أمشي في الطريق فأتخيل الناس دمى أركض إليهم وأحركهم، وأنا لا أعي شيئا”.
خياطي: “مراكز العلاج تتحمل مسؤولية عودة المدمنين إلى المخدرات”
دق البروفيسور مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث “فورام”، ناقوس الخطر، محذرا من تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات عند أطفال المدارس الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و11 سنة، ويقيمون في المدن الساحلية والعاصمة على وجه الخصوص؛ إذ أثبتت دراسة ميدانية أن 11,5 بالمئة منهم يتعاطون المخدرات، ما يجعلهم عرضة للانحراف في سن مبكرة.
ووصف رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث مراكز العلاج من الإدمان في الجزائر بـ”غير المؤهلة”، لافتقادها الخبرة اللازمة في التعامل مع هذه الشريحة الحساسة، فـ”المدمن يدخل المركز صباحا ويتلقى علاجا نفسيا لساعات معدودات، ثم يغادره نحو بيته وإلى نفس المحيط الذي أدخله عالم الإدمان، ومع بقاء نفس العوامل يعود تدريجيا إلى تعاطي المخدرات مرة ثانية”، مضيفا أن طبيعة العلاج المقدمة داخل هذه المراكز “غير كافية”، ويُقدّر عددها بـ15 مركزاً في الجزائر، بعضها تمَّ إنجازُه، وأخرى في طور الإنجاز، فآخر مركز تم افتتاحه في ولاية أدرار منذ شهرين فقط، لكون المدمن بحاجة إلى فضاءات مغلقة وعزلة تامة عن مجتمعه، ومحيطه الذي أدخله عالم الإدمان، زيادة على ضرورة المتابعة النفسية على يد أطباء ومختصين نفسانيين أكْفاء، يملكون الخبرة في طرق تقوية إرادتهم وانتشالهم من عالم الإدمان.
وأشار البروفيسور خياطي إلى غياب مراكز للتكفُّل بالمدمنين بالعاصمة، مما يقتضي خضوعَهم لعلاج مكثف داخل المستشفيات، مواصلاً أنه يستحيل على المدمن أن يتخلص من استهلاكه للمخدرات بكافة أنواعها “كيف معالج”، والأدوية أي الحبوب المهلوسة، والمخدرات الصلبة كالهيروين والكوكايين بمفرده، فالعلاج ضروري حتى بعد مغادرته للمستشفى، ويبقى دائما بحاجة إلى إعانة خارجية من الجمعيات الفعالة في المجتمع، وأقاربه، وأصدقائه، وأئمة المساجد، لإعادة هيكلة شخصيته وتحفيز إرادته ومساعدته على الاندماج في المجتمع واحتوائه، كي لا يرجع مجددا إلى بؤرة الإدمان.