اقتصاد
مزايا أكبر للتمويل من البنوك الآسيوية ومفتاح لسوق بـ650 مليون مستهلك

هذا ما سيجنيه الاقتصاد الجزائري من معاهدة جنوب شرق آسيا

إيمان كيموش
  • 12475
  • 0
ح.م

فرص لتعزيز الشراكات في الإلكترونيات، الطاقة، النقل، السيارات، الأمن الغذائي

يشكّل انضمام الجزائر إلى معاهدة التعاون والصداقة في جنوب شرق آسيا خطوة استراتيجية تتيح لها النفاذ إلى أسواق تضم أكثر من 650 مليون مستهلك، وتعزز شراكاتها مع الدول الأعضاء في قطاعات عدّة مثل الإلكترونيات، الطاقة، النقل، الصناعات التحويلية، السيارات، الأمن الغذائي مع فرص أكبر للاستفادة من تمويلات آسيوية واعدة.
ويأتي ذلك في إطار سياسة مدروسة تنتهجها الحكومة بتوجيه من رئيس الجمهورية، لتنويع الشركاء الاقتصاديين، تشمل مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تعميق التعاون مع الصين ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، توسيع المشاريع العربية، الانفتاح على إفريقيا، توطيد التعاون مع الولايات المتحدة، التي أبدت إشارات رسمية مشجعة لدعم التعاملات الاقتصادية مع الجزائر.
وفي هذا الصدد، وقّعت الجزائر الأربعاء رسميا على معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا، على هامش افتتاح الدورة الـ58 لاجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، في خطوة وصفت بأنها محطة محورية في مسار تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، وهي المعاهدة التي بادرت بها منظمة “آسيان” سنة 1976، ورغم عدم تصنيفها كاتفاقية تجارية مباشرة تحولت بمرور الزمن، إلى جسر هادئ يربط السياسة بالاقتصاد.

عثامنية: توجه استراتيجي نحو فضاءات اقتصادية جديدة
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة تبسة، عثمان عثامنية، في تصريح لـ”الشروق”، أن الانضمام إلى معاهدة جنوب شرق آسيا يمثل توجها استراتيجيا نحو فضاءات اقتصادية جديدة، قائلا إن “الخطوة من شأنها أن تعزز العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والدول الأعضاء في المعاهدة، وتفتح فرصا كبيرة للشراكة في إطار سياسة تنويع الشركاء التي اعتمدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة”.
وأضاف أن هذا التوجه ينسجم مع تحركات رئيس الجمهورية لتوسيع العلاقات الاقتصادية خارج الأطر التقليدية، كما ظهر في زيارات رسمية إلى دول مثل سلوفينيا والبرتغال، وتعزيز التعاون الطاقوي والصناعي مع دول أخرى على غرار إيطاليا.
ويؤكد عثامنية أن هذا الانفتاح لا يهدف فقط إلى رفع مؤشرات التبادل التجاري أو تدفق الاستثمارات، بل يندرج ضمن رؤية أشمل لتحسين الوضع الاقتصادي الداخلي، وتحقيق أثر اجتماعي ملموس على مستوى معيشة الأفراد، من خلال كسر منطق التبعية لشركاء تقليديين وتقليص المخاطر المرتبطة بالارتهان لطرف واحد في عالم لم يعد يحتمل الرهانات الأحادية.
وفي مقارنته بين معاهدة جنوب شرق آسيا وتكتل “بريكس”، يوضح المتحدث أن الفارق جوهري من حيث الهيكلة والهدف، فبينما تفتقر “بريكس” إلى قانون أساسي ناظم أو وثيقة تأسيس واضحة، وتخضع لموازين قوى داخلية تميل إلى دول معينة مثل روسيا والصين، فإن معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا مبنية على أرضية قانونية مضبوطة، وتستند إلى التزامات واضحة ومُلزِمة لجميع الأطراف، من دون نزعة هيمنة أو توجّه لتغيير النظام العالمي القائم.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار التحاق الجزائر بمعاهدة “TAC” رهانا ذكيا على دبلوماسية متزنة تنفتح على فرص تنموية فعلية في واحدة من أكثر المناطق ديناميكية ونموا في العالم، في وقت تسعى فيه الجزائر لتكريس استقلالية قرارها الاقتصادي والسياسي، والخروج من أطر الشراكة التقليدية نحو منظومة متعددة الأقطاب تقوم على التوازن، والمصالح المشتركة، والانفتاح الهادئ والمبني على الثقة، يقول الخبير.

إعادة رسم الخارطة الدولية للشركاء الاقتصاديين
ويتجلّى هذا التوجه في سعي الجزائر إلى إعادة التوازن في شراكاتها الاقتصادية، من خلال مراجعة اتفاق الشراكة مع أوروبا الموقع سنة 2005، وتعزيز التعاون مع الصين ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، إلى جانب توسيع الشراكة العربية كما عكسته الزيارات الرئاسية المتبادلة مع سلطنة عمان، وتفعيل مجلس الأعمال الجزائري السعودي، ويُضاف إلى ذلك الانفتاح المتزايد على إفريقيا عبر احتضان النسخة الرابعة من معرض التجارة البينية في سبتمبر المقبل، والتلميح إلى رغبة في توسيع التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، وهو ما حملته ضمنا تهنئة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس عبد المجيد تبون بمناسبة الذكرى الـ63 للاستقلال.
ومعلوم أن معاهدة “TAC” الجديدة تعتبر بمثابة تصريح عبور اقتصادي ودبلوماسي، إذ تفتح الباب أمام الدول المنضمة منها الجزائر، لعقد اتفاقيات تجارة حرة، إنشاء مناطق صناعية مشتركة، الانضمام إلى مبادرات اقتصادية جماعية في مجالات النقل، الطاقة، الأمن الغذائي، التحول الرقمي، وقد سمحت هذه الديناميكية لدول آسيان بعقد شراكات مع قوى عالمية كالصين، الهند، كوريا الجنوبية، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، كما مكّنت الدول النامية من الاستفادة من دعم مالي وتنموي من مؤسسات آسيوية على غرار بنك التنمية الآسيوي وبنك الاستثمار في البنية التحتية.
كما سيسهّل الاتفاق للجزائر الدخول إلى أسواق فيها أكثر من 650 مليون مستهلك، وتُتاح فرص لربط اقتصادها مع شبكات إنتاج ضخمة خاصة في الإلكترونيات بفيتنام وماليزيا والسيارات بتايلاندا وإندونيسيا والصناعات التحويلية الخفيفة بكمبوديا ولاوس.
ويُضاف لتلك المزايا، تسهيل التمويل والدعم من بنوك إقليمية، حيث أن الدول الموقعة على المعاهدة تُعامل كمشاركين ملتزمين بالتعاون السلمي، ما يزيد من فرص حصولها على تمويل من مؤسسات مالية مثل بنك التنمية الآسيوي وبنك الاستثمار في البنية التحتية وبنك التصدير والاستيراد التايلاندي، السنغافوري، الماليزي وغيرها وهذا التمويل يُوجّه عادة إلى مشاريع النقل والطاقة والبنى التحتية اللوجستية والتحول الرقمي.

مقالات ذات صلة