هذا ما فعلته كورونا ببعض الجزائريين في بداية الجائحة
مرّت أكثر من سنة منذ أن وفد الزائر الوبائي، الذي قلب حياة الناس في كل قارات العالم رأسا على عقب، ولأنه مجهول التفاصيل والملامح خاصة في بداية السنة الماضية، فقد كان التعامل معه متناقضا وأحيانا من دون منطق، فحدثت مآس وحدثت أيضا طرائف صنعها أناس واجهوا المجهول بما هو غريب وعجيب، وسيمضي بالتأكيد الوباء ويترك الكثير من الذكريات تماما كما مضت الحروب الطاحنة من عالمية وإقليمية وتركت آثارها على الناس وذكّرتهم بمشاهد عاشوها وأخرى صنعوها.
في الجزائر يبدو الشارع متساهلا منذ بداية شهر مارس الحالي بعد سنة من التعايش مع الوباء، وثبات الأرقام دون المائتي حالة والوفيات دون الست حالات يوميا، أي أن أرقام ضحايا كورونا خلال سنة كانت قريبة من حصيلة حوادث المرور خلال سنة 2020 والتي بلغت 2844 قتيل، ولم يزد عن ثلاثة آلاف ضحية لوباء كورونا إلا قليلا، بالرغم من أن رقم الحوادث بسبب الحجر الصحي قد نزل بطريقة سقوط حر بعد أن تم تسجيل في سنة 2019 ما معدله 3275 قتيل أي أكثر من موتى كورونا حسب تعداد وزارة الصحة الرسمي.
هذه الأرقام بعثت الجزائريين إلى الكثير من اللامبالاة، فهم يمارسون حياتهم بشكل عادي جدا وما نشاهده على قلته من كمامات على وجوه بعض الناس، إنما هو حاليا في عداد “الثوب الرث” الذي يرتديه بعض الناس للزينة فقط.
بكثير من الطرافة حدثنا بعض المواطنين عن حميمياتهم مع الفيروس المجهول في بداية الرعب الذي عصف به في شهر مارس من السنة الماضية، وخاصة في منتصف شهر مارس، إذ يعترف عمي علي وهو متقاعد من مهنة التدريس في الثانوية في مادة الرياضات يبلغ من العمر 75 سنة: “من سوء حظي أنني بقيت في العائلة رفقة زوجتي وابنتي المعوقة صاحبة الأربعين عاما وحيدا من دون مساعد لأن أبنائي الآخرين تزوّجوا وأعلنوا مقاطعتي منذ أن هبّت عاصفة كورونا خوف عليّ وليس مني، كنت أحاول أن أكون في قمة الوقاية حتى لا أؤذي نفسي وزوجتي المريضة بالسكري وابنتي المقعدة، فكان ربع منحة التقاعد يذهب في شراء الكمامات والسوائل الكحولية ومادة الجافيل، وعندما أغادر البيت وكأنني دخلت غابة الأسود، أتصور كل الناس مرضى وكل الأسطح مليئة بالفيروسات أغسل بالجافيل كل ما أشتريه ثم أتركه 48 ساعة في شرفة البيت، وبلغ بي جنون الخوف أن دهنت مرة الخبز بسائل كحولي، وكانت زوجتي وابنتي تتحرجان من أكله، وهما لا تعلمان بما اقترفته في حقهما، كانت كل كحّة في الشارع أتصورها موتا قادمة نحوي، وكنت أتابع ما يحدث في إيطاليا ثم إسبانيا وكأنني من أبناء هذين البلدين، ثم أدمنت على متابعة الندوة الصحفية اليومية التي يقدمها ترامب وفريقه الطبي حول كورونا، وكدت أن أتبع نصيحته عندما أفتى بحقنة الكحول في الصدر للقضاء على الفيروس”.
وتنفجر ابنته المقعدة سليمة ضاحكة وتقول للشروق : “لقد عشنا شهورا من الوساوس وأذكر أنني لم أشاهد إخوتي وهم يقطنون على بعد عشرات الأمتار عن بيتنا لمدة فاقت الخمسة أشهر ولم يكونوا يتخلفون يوما عن زيارتنا”، أما الحاجة صفية فتقول بأنها كانت كلما تذوقت طعاما تصوّرت بأن الفيروس قد تسرب إلى جهازها الهضمي وصارت تتصوّر العياء وهي في صحة جيدة.
أما السيدة لبنى وهي أم لثلاثة ابناء وماكثة بالبيت، فكانت تتابع كل ما يصل من عالم الطب عن فيروس كورونا، وكان التشاؤم يغلبها فترتدي كمامة جديدة وتحمل أخرى في جيبها لتعطيها للتاجر الذي تتعامل معه، فتجبره على ارتدائها وتطلبه بمسح كفيه بالكحول قبل أن تتسلم منه ما تحتاجه، أما أغرب ما قامت به، فهو تفكيرها في التفريط في قطة، عمرها أربع سنوات كانت في بيتها بعد أن سمعت عن إمكانية انتقال الفيروس عبر القطط، ثم اهتدت إلى وضع كمامة على وجه القطة بالرغم من رفض قطتها الاستجابة قبل أن تسجنها في شرفة البيت فتعطيها أكلها ولكن من دون تقارب اجتماعي.
ولجأ رب أسرة إلى تحويل ممر رواق بيته إلى رواق معقم بالاستعانة بأحد الشباب الذين تم تقديمهم عبر الشروق نيوز من الذين أنجزوا الأروقة المعقمة في مداخل الإدارات، حيث صار الدخول إلى غرفة والديه المسنين يتطلب أخذ حمام ضروري وتغيير الملابس والمرور عبر الرواق المعقم الذي قام مؤخرا بنزعه بعد تحسن الأحوال الوبائية، وروى لنا حالة أحد أصدقائه الذي كان يضع مادة الجافيل في كل سائل يشربه سواء كان ماءا أو مشروبا غازيا أو لبنا.
تمر أكثر من سنة منذ أن بدأ الوباء القاتل يعصف رعبا وكل المؤشرات الصحية توحي بأن الأيام القادمة ستكون فرجا في العالم، وتحصي إلى غاية السبت أمريكا ثلاثين مليون حالة وتجاوزت البرازيل والهند رقم 11 مليونا كما تجاوزت فرنسا رقم 4 ملايين حالة، وقاربت تركيا 3 ملايين وفاق رقم الإصابة في جنوب إفريقيا مليون ونصف مليون حالة، أما لدى جيراننا فقد بلغت المغرب قرابة نصف مليون حالة و8800 وفاة وناهزت تونس ربع مليون حالة و8500 حالة وفاة، وتبدو الجزائر أقل تأثرا من غيرها في المنطقة حسب إحصاءات وزارة الصحة.
ب. ع