هذا ما يحصل حين يتشارك الزوجان نفس مكان العمل؟!
لطالما صادفنا أزواجا يعملون مع بعض في نفس المكان، ولطالما خطر ببالنا أن نسألهم كيف يجدون ذلك؟.. هل يؤيدونه أم يعارضونه؟.. هل يعملون بهذا الشكل حبا في التواجد مع بعضهم البعض، أم هي الظروف التي تجبرهم على هضم الفكرة المرفوضة من الأساس؟..
قد يبدو لنا الأمر ممتعا لأول وهلة، وقد نغبط كل اثنين أو نحسدهما على فرصة التواجد معا أطول وقت ممكن، وربما نتمنى لو كنا مكانهما، بحيث نعمل مع شركاء حياتنا في جو من الألفة والحب، لكن هل ما نراه من تفاهم وانسجام يعكس الواقع حقا؟ ألا توجد عينات أخرى تبعث على النفور من الفكرة؟ وما الذي يخفيه كل من الرجل والمرأة بخصوص تواجد شريكه معه والتصاقه الدائم به في المنزل والعمل؟؟؟
جواهر الشروق سبرت آراء بعض الأزواج والأخصائيين وكشفت المستور بخصوص هذا الموضوع الذي يراه البعض ممتعا ومثيرا والبعض الآخر مشمئزا وخطيرا.
عمل الزوجين مع بعض.. بين التأييد والرفض
يشكل عمل الزوجين مع بعض في نفس المكان نقطة حساسة بالنسبة للكثيرين، ممن يعتبرونه انتحارا من نوع خاص، ويجدون فيه مزيدا من الملل لا غير، وطغيانا للروتين، وعدم توفر الفرصة لاشتياق أحدهما للآخر، أو ربما الاحتمال السيء بأن تنتقل الخلافات العائلية إلى العمل وتصبح الخصوصيات متاحة لجميع المعارف، في حين يرى البعض ذلك أمرا عاديا بشرط الفصل بين العلاقات الخاصة والعمل، وهم على قلتهم يرحبون بوجود شركاء حياتهم معهم، ويجدون الأمر ممتعا ومسليا وباعثا على الشعور بالأمان والاطمئنان.
حينما تتغلب الغيرة على الشعور بالأمان
طارق وريمة زوجان جمعهما في السابق نفس مكان العمل، وقد قررا بعد الزواج تغيير الوضع لأسباب كثيرة، سألناهما بخصوص الموضوع فكانت إجابتهما في اتجاهين مختلفين:
هي: وافقت شريطة أن لا يتدخل في عملي
تقول ريمة وهي صحفية: “من جهتي كان عملي مع زوجي ممتعا حقا برغم الخلافات التي كانت تحصل بيننا بسبب الغيرة، وقد أشرت عليه أن نبقى كذلك دائما لشعوري بالأمان وهو بجانبي واشترطت فقط أن لا يتدخل في عملي، لكنه رفض وبحث عن وظيفة أخرى حتى وجدها وابتعد”.
هو: من سابع المستحيلات أن أبقيها بجانبي
من جهته يقول طارق: “الأمر صعب جدا إن لم نقل أنه مستحيل.. لقد طلبت مني زوجتي في وقت مضى أن نبقى معا في نفس الوظيفة لكني خالفت إرادتها لعدة اعتبارات، فأنا وبصراحة لا أستطيع أن أراها تتحدث مع الزملاء والمدير ولو في مجال العمل، وكما يقول المثل “ما تشوف العين ما يوجع القلب”، أيضا من الممكن أن يخطأ أحدنا فيعاقب أمام زوجه وهذه قمة الإهانة، هذا فضلا عن الروتين الذي نشعر به بتواجدنا مع بعض في البيت والعمل، كيف بربكم يفتقد أحدنا الآخر؟؟؟”
روتين قاتل وانتقال الخلافات من المنزل إلى العمل!
منال وأمين يعملان في مجال التصوير، ويتواجدان معا في كل وقت وحين، تعارفا في العمل وتزوجا وبقيا على حالهما حتى بعد الزواج، الشيء الوحيد الذي تغير هي طريقة التعامل..
هي: لقد أصبح مُتعبا جدا من يوم تزوجنا
تقول منال التي وصلت مرارا وتكرار لمرحلة الاستقالة ثم تراجعت: “في بداية تعارفنا كان الأمر ممتعا، بل رائعا وكنا نستغل كل ثانية لنا مع بعض للتقارب أكثر.. كنا نشكر الله على نعمة التواجد معا في مكان واحد ولم يخطر ببالنا أنها ستتحول إلى نقمة بعد الزواج.. لقد أصبح زوجي متعبا جدا ويفتعل المشاكل ولا يفرق بين المنزل ومكان العمل، وبالمختصر صارت سيرتنا على كل لسان، وخصوصياتنا معلومة للجميع من المدير إلى البواب، ما دفعني للاستقالة مرارا ثم التراجع بسبب الظروف المادية السيئة التي نمرّ بها.”
هو: لقد طغى علينا الروتين ولا جديد في حياتنا
سألنا أمين عن سبب تغيره بعد الزواج وتفعيله حدة الخلافات في العمل فأجاب بلهجة غاضبة: “صدقوني الأمر جالب للملل بكل ما يحمله من معان سلبية.. هي معي في المنزل والعمل وهذا في حد ذاته روتين قاتل أتمنى لو أتحرر منه.. صحيح في البداية استحسنا الأمر كثيرا لأنه ساعدنا على معرفة بعض والتقرب من بعض لكن بعد ذلك أصبح شبيها بالمرض الذي يفتك ببطء.
من البداية.. أنت في طريق وأنا في طريق
كريمة ونبيل أدركا مبكرا جدا مساوئ العمل معا وتدارسا الأمر في أيام التعارف الأولى، ليقرر هو تغيير الوظيفة بمجرد التقدم لخطبتها، وتوافق هي على القرار بقناعة تامة أنه عين العقل والصواب.
هي: لا أتخيل فكرة الحديث عن الراتب ومشاكل العمل
تقول كريمة وهي فرحة لأن زوجها غير وظيفته قبل الارتباط الجدي: “كنت أحس بالراحة لوجوده معي، ولم تكن لي أية مشاكل معه لأنه رزين جدا ومؤدب لأقصى درجة، لكن حين أبدى رغبته في تغيير العمل أيدته لعدة اعتبارات في مقدمتها كسر الروتين ووجود ما نتحدث عنه في آخر اليوم عدا موضوع الراتب ومشاكل العمل والمدير والزملاء، وما إلى ذلك من أمور اعتدنا أن نناقشها في فترة التعارف والخطوبة وأصبحت مملة وغير مجدية”.
هو: تركت لها طريقها وبحثت عن طريق آخر
يقول نبيل: “لأني في بداية حياتي الزوجية لم أنشد شيئا غير راحة البال، هذه الأخيرة التي لا تتأتى إلا بوجود فسحة وتباعد نسبي بين الشريكين.. لقد تركت لزوجتي طريقها ومسارها المهني واخترت طريقا آخرا بحثا عن الاستقرار المهني والعائلي.. تركت وظيفتي ولم أندم لأني لو بقيت هناك لربما حصلت مشاكل مع زوجتي بسبب تعدي أحد لحدوده معها أو إهانة المدير لها أو في لحظة انفعال أو من يدري..”
تدخل في الخصوصيات وفتح لباب الثرثرة!
على اختلاف أجناسهم وأعمارهم ومستوياتهم الثقافية يرفض الكثيرون رفضا قاطعا تواجد شركاء حياتهم معهم لأسباب تبدو للبعض منطقية وللبعض الآخر وهمية..
نوال: الزوجة الزميلة كحجر الشطرنج
تقول نوال وهي تضحك “مانحكيلكش خير” لأنها تعمل مع زوجها في نفس المؤسسة ومرت عليها ظروف كثيرة جعلتها تتصرف على غير طبيعتها.. عن تجربتها تحدثنا: “والله الموضوع سلبي وإيجابي في نفس الوقت، فمن جهة، الزوج يتفهم طبيعة عملك ويعذرك لما تتعبين أو تأتين متأخرة، ومن جهة أخرى تجدين نفسك مقيدة أو بالأحرى محاصرة.. أنت لن تكوني أبدا حرة ولن تتصرفي بتلقائية بل تضطرين لمراقبة تصرفاتك مع الزملاء وتختارين مع من تتحدثين ولا تتقبلين مزاح أحد معك خشية من ردة فعل زوجك..”.
تتنهد نوال ثم تستأنف: “ستقومين فقط بالأشياء التي تتماشى مع اعتقاداته، وستكون رؤيته للأمور من زاوية واحدة وضيقة، بمعنى أنك زوجتي ولا يمكن لك التصرف بحرية حتى لو تعلق الأمر بعملك أنت، وبالتالي تصبح معاملته لك كما لو أنك ماكثة بالبيت ولا يحق لأحد التكلم معك أو الاقتراب منك.”
عن سبب هذه المعاملة المجحفة من طرف الزوج تقول نوال: “الرجل الجزائري بصفة عامة “راسو خشين” ويتعامل مع زوجته وكأنها قطعة أثاث اشتراها وامتلكها.. حين ترتبط به وتكون زميلته في العمل تصبح كحجرة الشطرنج يغيرها كما يشاء ويحركها أينما يشاء والمؤسف أنها لا تملك حتى حق النقد لأن الرجل عندنا لا يتقبله ولا يعرف الحوار.”
وهيبة: لن أفتح على نفسي باب الثرثرة
الدكتورة وهيبة تقول: “أنا من النساء اللواتي يرفضن بشدة أن يعملن مع أزواجهن في نفس المكان، لعدة أسباب أهمها أن الأمر سيكون باعثا على الملل، بمعنى روتين في المنزل والعمل، وأيضا أني إن فعلت ذلك فسأفتح على نفسي باب الثرثرة والتدخل في خصوصياتي، وهذا ما لن أفعله، خاصة وأني أخشى أن تتعدى الخلافات المنزلية إلى العمل.”
محمد: لا أحب التدخل في خصوصياتي وأنا مستعد للقتل!
محمد يقول: “بالطبع لا أحب أن تعمل زوجتي معي، وما كنت لأختارها من نفس البيئة لأني رجل أضع حدودا لمعارفي كي لا يتدخلوا في خصوصياتي، مثلا لا أحبهم أن يعرفوا اسم زوجتي وشكلها وطريقة لبسها، ولا أحب كذلك أن يرمقها أحد منهم بنظرة نقص خاصة إن كنت أعرف معدنه.. أنا مستعد للقتل”.
عماد: علاقتنا في العمل رسمية وحين أجد البديل أستقيل
يقول الأستاذ عماد الذي يدرس مع زوجته في نفس الثانوية: “لا يعرف الكثيرون طبيعة علاقتنا لأنها رسمية جدا، أناديها أستاذة شفيقة وتناديني أستاذ عماد، وقلما يحصل بيننا احتكاك في قاعة الأساتذة ويطبعه الحذر.. ليس عيبا أن تعمل معي زوجتي في نفس المكان ولكن كما تعلمون نحن في مجتمع مريض ولا يحترم لا الخصوصيات ولا العلاقات لذلك سوف أستقيل بمجرد أن أجد البديل لأني لا أريد لعلاقتي بزوجتي أن تتأثر.”
الأخصائية الاجتماعية فاطمة الزهراء والي:
الأزواج الزملاء مشاكلهم لا حصر لها
ترى الأخصائية الاجتماعية فاطمة الزهراء والي أن ظاهرة الأزواج الزملاء لديها جوانب إيجابية قليلة مقارنة بسلبياتها، فتواجد الشريكين مع بعض وقت الدوام وفي المنزل يبدد الكثير من الشكوك بخصوص الإهمال والخيانة، ولكنه بالمقابل يفتح أبواب الفتنة، مثلا إن تودد أحد الزملاء للزوجة على مرأى زوجها فهذا مدعاة للغضب، وربما العراك معه وتعنيفها، وتفوق الزوجة على زوجها ومدحها من طرف المدير وزملائها يشعل نار الغيرة في قلبه اتجاهها فيكره نجاحها..
من جهة أخرى تؤكد الأخصائية على ضرورة الابتعاد قدر المستطاع، لأن تواجد الزوجين معا في المنزل والعمل يخلق جوا معكرا يسوده السأم والملل فيخلق ما يسمى اللااشتياق، وإن كان لا بد وأن يعمل أحد الشريكين مع الآخر فليكن مقيدا بحدود ورسميات وليميز كل طرف أنه زوج في البيت وزميل في العمل ولا ينبغي تخطي هذا القانون الذي يسير عليه المجتمع بانتظام.”
الأخصائية النفسية سهام إغيل:
ينجح فقط من يجيد الفصل بين العلاقة الزوجية والمهنية

ترى الأخصائية النفسية سهام إغيل أنه على الرغم من وجود اختلافات بيولوجية وسيكولوجية بين الرجل والمرأة فإنه من الممكن أن يشتركا في علاقة مزدوجة “مهنية وزوجية” لكن أن ينجحا في بناء وتطوير هذه العلاقة، فذاك هو التحدي.
عن عمل المرأة والرجل في نفس المكان تقول الأستاذة سهام بأن له أبعادا نفسية على الطرفين، وهو ما يوجب الفصل بين المنزل والعمل كي يكتمل عندهما الشعور بالمسؤولية والإحساس بالآخر، فحينما يتعلق الأمر من وجهة نظرها بمتطلبات المهنة، تأخر عن العمل مثلا، المساعدة في السلم الوظيفي، تحديد أهداف الزوجين المهنية والأسرية، حماية العلاقة بعدم الشك “الرجل وزميلات العمل” “المرأة ومدير العمل”، تفعيل مبدأ المشاركة والتعاون بين الطرفين، تنويع العلاقات المهنية المشتركة، بالمقابل يترتب مع كل هذا عوائق نفسية للطرفين من بينها: صعوبة توفير وقت خاص بهما، بمعنى عدم وجود توازن بين العلاقة المهنية والزوجية وهو ما يسبب الركود والخمول والروتين والوقوع في أزمة الانصهار الوجداني..
من جهة أخرى تشدد الأستاذة إغيل على نقطة الغيرة المهنية التي يكون سببها الترقية والعلاوات والتي تفتح باب المشاجرة المتكررة والتنافس المفرط على حساب الأسرة، فطموح الطرفين في الوصول إلى أعلى المراتب يقضي حسبها على أحلام الأسرة المتماسكة، وعليه فالأزواج الزملاء يعانون كثيرا وينجح فقط من يتقن الفصل بين العلاقتين “الزوجية والمهنية”.
المحامية بن عيساوي نجاة:
قد يحدث الطلاق بسبب العمل في مكان واحد ولكن؟!

تقول المحامية بن عيساوي نجاة أن الطلاق ظاهرة تفشت كثيرا في الآونة الأخيرة، ورغم تعدد الأسباب إلا أن هناك حالات ترجع لعمل الزوجين مع بعض في نفس المكان.. صحيح هذا ليس هو السبب الرئيسي من وجهة نظرها ولكن تبعاته هي التي تشكل عامل الخطر كالغيرة والأنانية والتوتر والملل العاطفي..
هذا وتضيف ذات المحامية أن الزوج بحاجة لأن يشتاق لزوجته والعكس أيضا بالنسبة لها، وهو ما لا يتحقق بتواجدهما مع بعض في العمل والمنزل، كما تؤكد أن تدخل الزوج في شؤون شريكته يجعلها تحس بنقص في شخصيتها..
عن الحالات التي مرت عليها تقول بن عيساوي أنها عالجت مؤخرا قضية حساسة جدا تتعلق بزوج خان زوجته التي تعمل معه في نفس المكان مع زميلتهما، وقد كانت الأخبار تصلها من الزميلات وكثرت الثرثرة بشأنهما مما اضطرها لرفع قضية خلع بعدما ترصدته وتحققت من الأمر فحكم لها..
من كل ما سبق وبعد رصد آراء أصحاب التجربة وأهل الاختصاص نستنتج أن معاناة الأزواج الزملاء أكثر من سعادتهم بتواجدهم مع بعض، فالقرب المفرط له تبعات تؤثر على الجوانب النفسية للطرفين، وبالتالي تتضرر العلاقة الزوجية والمهنية معا أو تصبحان على كف عفريت، والأنسب هو التغيير إن وجد البديل كي تكون هناك مسافة آمنة يلتقيان فيها بشوق ويناقشان فيها مواضيع مجدية بعيدا عن هموم العمل ومشاكله.




