الجزائر
دعاة "الجزائر الفرنسية" خربوا العلاقات الثنائية 

هذا ما يعيق المصالحة بين الجزائر وفرنسا !

محمد مسلم
  • 5248
  • 0

توقف عميد مسجد باريس، شمس الدين حفيز، عند أسباب تعثر ما وصفها “المصالحة بين الجزائر وفرنسا”، وحمل الجانب الفرنسي مسؤولية ذلك، بسبب غياب الإجماع داخل الفرنسيين حول كيفية معالجة جراح الماضي الاستعماري في الجزائر، والتي لا تزال لم تندمل بعد بالرغم من مرور أكثر من ستة عقود.

ويقول عميد مسجد باريس في مقاله الأسبوعي على موقع المسجد، إنه استشف هذه المقاربة من خلال إحياء ذاكرة ضحايا الوحشية الفرنسية بحق المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961، الذين رمتهم الشرطة الفرنسية بأوامر من مجرم الحرب، موريس بابون، في نهر السين وهم مكبلو الأرجل والأيدي.

ومن خلال التعاطي مع هذه الذكرى المؤلمة، يقول شمس الدين حفيز، إنه رصد حالتين متناقضتين، الأولى تميزت بحضور كثيف للرسميين وللعوام، والثانية تميزت بحضور محتشم راجع لعدم تعميم الدعوة، وكأن أصحابها قاموا بهذا النشاط حتى لا يقال عنهم إنهم لم يفعلوا.

وأراد حفيز من خلال هذه المعاينة، تجسيد الانقسام الحاصل في المجتمع الفرنسي بشأن ملف الذاكرة، فهناك من يرى بضرورة الاعتراف بجرائم الدولة الفرنسية وتقديم الاعتذار، وهناك من يرى غير ذلك، ويعتبر استقلال الجزائر في سنة 1962، تمزق في جسد فرنسا، ويمثل هذا التوجه الأقدام السوداء و”الحركى” واليمين المتطرف، وهو توجه زائف، يقول حفيز، لأن الجزائر لم تكن يوما جزءا من فرنسا.

وكتب العميد: “كان الرئيس (الفرنسي) إيمانويل ماكرون، من خلال وصف الاستعمار بأنه جريمة ضد الإنسانية في عام 2017، يأمل في فتح الطريق نحو الاعتراف بأخطاء الماضي، لكن هذه المحاولة، رغم كونها جديرة بالثناء، واجهت مقاومة عميقة داخل المجتمع الفرنسي. ولا تزال قطاعات كاملة من السكان، ولاسيما الأقدام السوداء والحركيين، تشعر بألم الهجر، وحزن المنفى، وخيانة التاريخ. هذا الاستياء الراسخ في ذاكرة (الجزائر الفرنسية)، يغذي الحنين الذي يعيق عملية المصالحة. وفي الجزائر، من جانبها، فتحت الجراح غياب الاعتذارات الرسمية والبطء الذي اعترفت به فرنسا بالعنف الذي ارتكب أثناء حرب الاستقلال”.

ويعتقد عميد مسجد باريس أنه وبعد مرور أكثر من 60 عاما على استقلال الجزائر، “لا تزال فرنسا محاصرة بأشباح ماضيها الاستعماري. لا يزال ظل الجزائر الفرنسية يخيم على المشهد السياسي، وعلى الذكريات المنقسمة، وخاصة على محاولات المصالحة مع الجزائر. يعمل هذا الإرث المعقد والمؤلم كقوة طاردة مركزية، تدفع البلدين إلى بعضهما البعض على الرغم من الجهود التي يبذلها كل منهما للتقارب. والفجوة ليست جغرافية فحسب، بل هو أيضًا أخلاقي وعاطفي وتاريخي”.

وبرأي صاحب المقال، فإن البحث عن أسباب فشل المصالحة بين البلدين يجب أن يتمحور حول ملف الذاكرة: “تحاول فرنسا والجزائر إقامة علاقات دبلوماسية وثقافية واقتصادية، لكن كل محاولة للمصالحة تصطدم بهذه الذاكرة العدائية. إن الالتفاتات الرمزية، رغم أهميتها، ليست كافية لشفاء الجروح المفتوحة. في فرنسا، لا تزال انقسامات الذاكرة عميقة وحساسة للغاية. ولا يزال الاعتراف بالجرائم الاستعمارية خجولا، ويعوقه في بعض الأحيان جزء من المجتمع الذي يرفض الاعتراف الكامل بعنف الحقبة الاستعمارية، كما يتضح من فشل قانون الاعتراف بـ”الجوانب الإيجابية” للاستعمار في عام 2005″.

أما في الجانب الآخر من البحر المتوسط (الجزائر)، فينظر إلى هذا التردد الفرنسي في مواجهة ماضيه على أنه علامة على غطرسة ما بعد الاستعمار وعدم القدرة على طي الصفحة حقًا، يقول حفيز، الذي شدد على أن “المصالحة تتطلب أكثر من مجرد الحوار الدبلوماسي، فهو يتطلب تنفيسا “ذاكراتيا” حقيقيا، حيث تتفق الدولتان على مواجهة ظلال ماضيهما”، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تفكيك فكرة “الجزائر الفرنسية”، التي تكبل الساسة في باريس عن الذهاب نحو طي ملف الذاكرة.

مقالات ذات صلة