الرأي

هذا هو ذنبُ “سبيسيفيك”

حسين لقرع
  • 4944
  • 0

هل أخطأ النائب الطاهر ميسوم المعروف بـ”سبيسيفيك” حينما أطلق العنان للسانه طيلة خمس سنوات من وجوده في المجلس الشعبي الوطني لينتقد أوضاع البلد وسياسات السلطة وممارساتها التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من ضيقٍ لا يُخفى عن أحد، فعاقبته بحرمانه من الترشّح للتشريعيات القادمة بحيل لا تنطلي على أحد؟

لا نعتقد أن “سبيسيفيك” قد أخطأ في شيء، فقد استمعنا إلى الكثير من مداخلاته التي لم يمارس فيها إلا حقه كنائب من نواب الشعب، وعبّر عن انشغالاته واهتماماته وتطلّعاته ومخاوفه… وحمل ما يسمع من انتقاداتٍ شعبية يومية للسلطة، من الشارع إلى البرلمان، فهل يستدعي ذلك حرمانه من حقه في الترشح مجددا؟ 

ما حدث للنائب “سبيسيفيك” ينسجم في الواقع مع الوضع العامّ في البلاد؛ فليس معقولاً أن يكون هناك غلقٌ سياسي وإعلامي وانحسارٌ واضح للحرِّيات العامّة، وفي الوقت نفسه يُترَك “سبيسيفيك” ليمارس قدرا من حرية التعبير تفوق “الجرعة” التي تسمح بها السلطة منذ سنوات، السلطة هنا تمارس سياسة الغلق بـ”عدل” بين الجميع، ولا تسمح باستثناءات!

للأسف، وبعد 55 سنة كاملة من الاستقلال، وقرابة 29 سنة من أحداث 5 أكتوبر 1988، لا تزال التجربة الديمقراطية في الجزائر تلازم مكانها، والسلطة لا تسمح إلا بقدر ضئيل من الحرِّيات السياسية والإعلامية والنقابية والمجتمعية… بهدف التنفيس عن المجتمع، تماماً كما تفتح ربّة البيت القِدْرَ الكاتِمة بين الفينة والأخرى حتى لا تنفجر.. الديمقراطيةُ مصطَنعةٌ كما قال المرحوم عبد الحميد مهري، وأحزابُ السلطة وحليفاتها هي التي تفوز دائما بالأغلبية في جميع المواعيد الانتخابية وكأنَّ الشعب قد شَغُف بها حبا، والمعارضة لا تنال إلا الفُتات كالعادة، ونتائج الاستحقاقات الانتخابية معروفة سلفا للجميع حتى للمواطن البسيط ومنطق “الكوطات” هو السائد منذ انتخابات 16 نوفمبر 1995 إلى حدّ الساعة..

 لا شيء تغيّر إلى حدّ الساعة برغم أن العالم كله تغيّر من حولنا، حتى الدول الإفريقية أصبحت تسير بثبات نحو التغيير الديمقراطي الهادئ وقد حدث تداولٌ للحكم في العديد منها في تجربةٍ لافتة للانتباه.. دولُ أمريكا اللاتينية أحدثت بدورها قطيعة نهائية مع الشمولية منذ نحو عقدين وتبنّت الديمقراطية الحقيقية، وتركيا فعلتها منذ عام 2002 فتعافت وتحوّلت إلى دولةٍ كبرى اقتصادياً، أما الجزائر فترفض كل هذه التحوّلات وتصرّ على إبقاء الوضع الراهن ورفض أيّ تغيير منذ 1962! 

لذلك، فإنَّ ما حدث للنائب “سبيسيفيك” هو أمرٌ منتظَر في بلدٍ مغلَق لا يسمح إلا بقدر محدود من الحرِّيات كما أسلفنا.. الذنبُ الوحيد لهذا النائب أنه “شذّ عن القاعدة” ورفض أن يساير الموجة ويكون أحد النواب الانتهازيين المتزلفين الذين أدمنوا “رفعَ الأيدي” للموافقة على جميع مشاريع قوانين السلطة دون اعتراض، ومارس حقَّه في التعبير عن آرائه ومواقفه بكل حرية، فكان جزاؤه منعه من حقه في الترشّح لولايةٍ نيابية ثانية حتى يكون عِبرة للنواب القادمين بعد 4 ماي المقبل.

مقالات ذات صلة