منوعات
معرض‮ "‬من الأصوات إلى النوبة‮" ‬بقسنطينة

هذه أسرار الموسيقى العربية والجزائرية في‮ “‬بيت‮” ‬مالك حداد؟

الشروق أونلاين
  • 1238
  • 0

الداخل إليه كمن‮ ‬يلج لمتحف‮ ‬يجمع التاريخ والتراث والحضارة،‮ ‬حيث‮ ‬يستعيد عبر جنباته ما‮ ‬غاب عن ذهنه ولم تتح له الفرصة للقراءة عنه أو معايشته،‮ ‬كل هذا متوفر في‮ ‬معرض الموسيقى العربية من”الأصوات إلى النوبة‮” ‬الذي‮ ‬يستمر تنظميه إلى‮ ‬غاية منتصف نوفمبر المقبل بقصر مالك حداد بقسنطينة ضمن فعاليات عاصمة الثقافة العربية‮.‬

فكرة المعرض بهذا العنوان المثير والجميل أيضا لم تأت من فراغ‮ ‬أو اعتباطا بل انبثقت وفق دراسة وتفكير منطلقها معرض النوبة الذي‮ ‬نظم بتلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية،‮ ‬بحيث وسعت دائرة التراث اللامادي‮ ‬المنظمة له الرؤية والبحث فكان شاملا وجامعا أي‮ ‬بمستوى عربي‮ ‬ودولي،‮ ‬ينقسم إلى فضاءات عديدة خصص بعضها لتاريخ الموسيقى العربية وروادها منذ عدة قرون وبعضها الأخر خصص لتكريم أعلام المالوف ومدوني‮ ‬فن النوبة والموسيقى بشكل عام وكذا المحطات المهمة التي‮ ‬رافقت تطور الموسيقى العربية بما فيها محطات الضعف أو الإنحطاط من القرن‮ ‬13‮ ‬إلى القرن‮ ‬19،‮ ‬حيث كانت نهاية الهيمنة التركية مقابل تجدد العرف الموسيقي‮ ‬العربي‮ ‬القديم في‮ ‬بغداد وقرطبة،‮ ‬فضلا عن قسم‮ ‬يرصد مراحل تطور العود في‮ ‬شبه الجزيرة العربية وإبان العهد الأموي‮ ‬والعباسي،‮ ‬حيث برزت في‮ ‬الأفق مدارس كالمدرسة العودية‮ “‬القرن‮ ‬7‮ ‬إلى القرن‮ ‬9‮”‬،‮ ‬والمدرسة الطنبورية ثم المدرسة المنهجية النظامية التي‮ ‬يكشف بخصوصوها صفي‮ ‬الدين الأروي‮ ‬في‮ ‬كتاب‮ “‬الأدوار‮” ‬عن صورة العود الكامل ذي‮ ‬الأوتار الخمسة المزدوجة،‮ ‬كما تشير مصادر من القرنين الرابع والخامس عشر إلى ظهور العود سداسي‮ ‬الأوتار،‮ ‬والذي‮ ‬سمي‮ ‬بالعود الكامل ومنه ظهر العود في‮ ‬الموسيقى العربية مثل العود التقليدي‮ ‬والحديث والمشرقي‮ ‬والمغاربي‮ ‬والعربي‮ ‬وكذا الكويترة التي‮ ‬تعدّ‮ ‬آلة مغاربية محضة توجد خاصة بالجزائر وتلمسان والمغرب وتشبها في‮ ‬شكلها العود العربي،‮ ‬لكنها لوزية متطاولة أكثر بصندوق مصوت أقلّ‮ ‬عرضا وظهر أقلّ‮ ‬عمقا‮.‬

أسرار مدارس الموسيقى الجزائرية

وأنت تتجول في‮ ‬أركان المعرض الذي‮ ‬تم وفق هندسة حديثة مماثلة للمعارض الدولية تصادفك مدارس الموسيقى المغاربية باعتماد مجموعة من صور رموزها وتسجيلات صوتية وفيديوهات لحفلات وسهرات فنية أحيوها بأماكن مختلفة بالجزائر وتونس والمغرب،‮ ‬فالبداية من مدارس الجزائر وهي‮ ‬مدرسة العاصمة التي‮ ‬كان فيها الجزائريون من أبناء القصبة فخورين بمدينتهم وبإشعاعها الثقافي،‮ ‬ففي‮ ‬الشارع الواحد تسمع أغان تنفلت من دكاكين مختلفة وكان‮ ‬يمكن للحرفيين أن‮ ‬يتوالوا ويجعلوا نوبة أندلسية تطوف بالحي،‮ ‬إنّها الصنعة علم الموسيقى،‮ ‬ففي‮ ‬القرن الـ18‮ ‬كان”المعاليم‮” ‬كثيرون ويغنون في‮ ‬المقاهي‮ ‬التي‮ ‬كانت تعدّ‮ ‬قاعة لسماع وممارسة الموسيقى ومن الأسماء التي‮ ‬برزت أنذاك الشيخ الحاج بن إبراهيم،‮ ‬أخر قائد جوق لدى أخر دايات الجزائر وتوفي‮ ‬بين‮ ‬1870‮ ‬و1880،‮ ‬ووليد الحاج وبن سليم وبن قبطان والحسين وبلقراية وأخرين أهمهم الشيخ عبد الرحمان لمنمش ومحمد علي‮ ‬سفينجة الذي‮ ‬ترك تسجيلات صوتية مسموعة وقابلة للدراسة وعبر محطات مختلفة مهمة تأسست أولّ‮ ‬جمعية مسلمة بمدينة الجزائر هي‮”‬الجزائرية‮” ‬وأقامت أول حفل لها‮ ‬يوم30‮ ‬مارس‮ ‬1930‮ ‬‭.‬

أمّا جناح مدرسة قسنطينة فيعكس تاريخ المدينة التي‮ ‬تشتهر بموسيقى المالوف التي‮ ‬تعتبر خلاصة إسهامات وتأثير الحضارات التي‮ ‬وسمت ثلاثة ألاف سنة من تاريخ بلاد المغرب العربي‮ ‬وهي‮ ‬منحدرة من تقاليد وثقافات إغريقية وفينيقية ورمانية وفارسية وبيزنطية وبربرية وعربية وأندلسية،‮ ‬بحيث وصلت الموشحات والأزجال إلى المدينة أو الجزائر بصفة عامة بفضل الرحلات التجارية والهجرة وهي‮ ‬أشعار مستلهمة من روعة مناظر الأندلس وقور المدينة‮.‬

وبالنسبة لمدرسة تلمسان فقد احتضنت عاصمة الزيانيين أكثر من‮ ‬50‮ ‬ألف قرطبي‮ ‬استقروا بها إثر سقوط مدينتهم سنة‮ ‬232،‮ ‬وتلاهم الأندلسيون المطردون ثم الموريسكيون الذين توالى نزوحهم إلى‮ ‬غاية‮ ‬1610،‮ ‬لكن في‮ ‬منتصف القرن الـ19‮ ‬عرف المشهد الموسيقي‮ ‬التلسماني‮ ‬بروز نخبة من‮  ‬الموسيقيين على‮ ‬غرار الشيخ منور بن عتو،‮ ‬مديوني‮ ‬عيشو المدعو مقشيش وروش مخلوف والشيخ محمد بن شعبان المدعو بوظلفة وغيرهم،‮ ‬وتلاهم آخرون لتخليد هذا الفن منهم الأخوان ديب والغوثي‮ ‬وعمر بخشي‮ ‬وصولا إلى الشيخ العربي‮ ‬بن صاري‮ ‬الذي‮ ‬ساهم رفقة مصطفى عبورة والغوثي‮ ‬بوعلي‮ ‬ومحمد بن سماعين في‮ ‬تقديم عمل هام عن التراث الموسيقي،‮ ‬سواء ما تعلق بذاكرة أو تدوينه فقد أنجز سنة‮ ‬1926‭ ‬أولى تسجيلاته مع ابنه رضوان‮.‬

بالنسبة للمدارس المغاربية الأخرى فقد خلّد المعرض مدارس ليبيا خاصة على مستوى المالوف،‮ ‬وكيف دخل لهذا البلد ورواده وأطوار تطوره،‮ ‬كما عرّج على مدارس المغرب وتونس وما رافقهما من تحولات وتطورات‮.‬

أرشيف جزائري‮ ‬بالمكتبة الفرنسية

قالت صليحة لعراب باحثة وواحدة من الذين ساهموا في‮ ‬تأثيث هذا المعرض بأنّ‮ ‬العملية كانت شاقة وتطلبت بحثا معمقا شارك فيه أستاذة وباحثون ومختصون في‮ ‬الموسيقى والتاريخ من مختلف الجامعات الجزائرية،‮ ‬مؤكدة في‮ ‬حديثها مع‮ “‬الشروق‮” ‬بأنّ‮ ‬الغاية هي‮ ‬إخراج هذا المعرض من مدينة قسنطينة إلى المدن الأخرى ولم لا إلى الخارج،‮ ‬فيكفي‮ ‬حسبها أن تبقى المعارض حبيسة رقعة جغرافية محددة بل وجب تصديرها إن صح التعبير ليتعرف الأخر والغرب خصوصا على الثقافة والتراث والحضارة الجزائرية،‮ ‬معتبرة بأنّ‮ ‬كل هذا الزخم الفني‮ ‬المتعلق بالموسيقى تم بمساعدة من عائلات الشيوخ والخواص أبرزهم الوزير السابق لمين بشيشي‮ ‬الذي‮ ‬منح بعض الكتب والكنانيش الخاصة بالفنان الراحل مصطفى عبورة وكذا عائلة الراحل خوجة حسون التي‮ ‬ساهمت بآلات وترية منها العود الذي‮ ‬كان‮ ‬يستعمله المرحوم في‮ ‬حفلاته،‮ ‬فضلا عمّا جلب من أوبرا القاهرة ومؤتمري‮ ‬القاهرة وفاس ومن المكتبة الفرنسية بباريس التي‮ ‬تضم أرشيفا هائلا‮ ‬يتعلق بالموسيقى الجزائرية والعربية بشكل عام‮.‬

النوبة تعيد وردة ومحمد عبد الوهاب‮ ‬

لم‮ ‬ينس المعرض أيقونات الطرب العربي‮ ‬على‮ ‬غرار الراحلة وردة الجزائرية وفيروز ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الوهاب الدكالي‮ ‬الذين أضاؤوا سماء الفن العربي‮ ‬وغنّوا من القصائد الشعبية القديمة فاحتفي‮ ‬بهم صورة وصوتا‭.‬

كما لم‮ ‬يغفل التطرق إلى إشكالية تدوين الموسيقى بإبراز من ساهموا فيه بداية من الأوربيين ويتقدمهم توماس شو رجل الكنيسة الانجليزي‮ ‬الذي‮ ‬وقعّ‮ ‬أولّ‮ ‬تدوين جزائري‮ ‬سنة‮ ‬1732‭ ‬في‮ ‬كتابه‮:”‬رحلة الى إيالة الجزائر‮”‬،‮ ‬وفرانشسكو سلفادور الذي‮ ‬خص الموسيقى الجزائرية التقليدية بكتاب،‮ ‬ثم ألكسندر كريستيانوفيتش الذي‮ ‬يعدّ‮ ‬أول موسيقي‮ ‬يدوّن نوبات كاملة في‮ ‬مؤلفه‮: “‬لمحة تاريخية عن الموسيقى العربية في‮ ‬الأزمان القديمة‮”‬،‮ ‬بالإضافة إلى جزائريين منهم مصطفى عبورة الذي‮ ‬شارك مع روانييه في‮ ‬تدوين نوبة تلمسان في‮ ‬نهاية القرن الـ19،‮ ‬وتلتها تجارب في‮ ‬الخمسينيات بواسطة جاكلين مير وعبد الرزاق فخارجي‮ ‬وجعيد حميدو ومحمد خزناجي،‮ ‬ليعود جدل التدوين مطلع التسعينيات أين برز المصطلح الشهير”مسح الموسيقى‮” ‬وترميم المقاطع المهددة بالزوال‮.‬

مقالات ذات صلة