هذه أوراق الجزائر لـ”تأديب” ماكرون..
بعد التحوّل الذي طرأ على الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية، يتطلع المراقبون إلى ردة الفعل الجزائرية وطبيعتها، وذلك استنادا إلى البيان الجزائري شديد اللهجة الذي عُـمِّم في وقت سابق والذي تم تلخيصه في العبارة الشهيرة “ستستخلص (الجزائر) كافة النتائج والعواقب التي قد تنتج عن هذا القرار الفرنسي وتُحمِّل الحكومة الفرنسية وحدها المسؤولية الكاملة والتامة عن ذلك”.
نبرة التهديد في هذه العبارة واضحة ولا يخطئها أي مراقب، ولكن ما هي الأوراق التي بيد الجزائر والتي يمكنها توظيفها من أجل الاقتصاص من باريس؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه أي متابع للعلاقات بين البلدين.
ووفق مصدر دبلوماسي تحدث إلى “الشروق”، فإن هناك الكثير من الأوراق التي يمكن للجزائر أن تلعب عليها لمعاقبة باريس، منها ذات البعد الاقتصادي وتلك المتعلقة بالذاكرة، فضلا عن أخرى لها علاقة بالبعد الهوياتي والتي لا تقل أهمية وخطورة في نظر الفرنسيين من الورقتين السابقتين.
ومن دون أن تستعجل الجزائر قرار الرد، فإن أولى الأوراق الجاهزة، فهي ما تعلق بالماضي الاستعماري لباريس في الجزائر، وبالأخص ورقة تجريم الاستعمار، التي تم استحضارها في كل مرة، غير أن حصول توافقات في آخر لحظة، يتم تأجيلها إلى حينها، ويبدو أن اللحظة الحاسمة قد حانت هذه المرة لتفعيلها من دون تردد.
ومن هذا المنطلق، لا يستبعد أن يشهد البرلمان بغرفتيه تفعيل مقترح مشروع القانون المتعلق بتجريم ممارسات الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وبرأي المصدر الدبلوماسي، فإن الأسباب التي حالت في وقت سابق دون المُضي في هذا المشروع، لم تعد قائمة، ولاسيما بعد ما قرر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذهاب بعيدا في استهداف المصالح الجزائرية وضرب الأمن القومي للبلاد، بإعطاء “ما لا يملك لمن لا يستحق”، وفق المثل الذي استعمله وزير الخارجية أحمد عطاف.
ويشكل تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر بنص قانوني خارطة طريق معبدة لمسار طويل ستسلكه بقية الدول الإفريقية وغير الإفريقية التي عانت من ويلات وقهر وإجرام الدولة الفرنسية في القرن العشرين وما قبله، لاسيما وأن بذور العداوة للنفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية قد نمت بشكل غير مسبوق، فقد اجتث الوجود الفرنسي في منطقة الساحل بشكل مثير، في كل من مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، في انتظار البقية.
وتتمثل النقطة الثانية برأي المصدر الدبلوماسي، في مطالبة فرنسا بتخليص مناطق التفجيرات النووية في جنوب الجزائر من النفايات الكيميائية والإشعاعات النووية، وتعويض الجزائر ماديا عن الأضرار التي سببتها تلك التفجيرات، وكذا المواطنين الجزائريين الذين أصيبوا بأمراض مميتة بسبب ذلك، وتمكين ذوي الموتى من تلك الحقوق، ولو تطلب الأمر رفع هذه القضية إلى هيئة الأمم المتحدة لإحراج باريس أمام المجموعة الدولية والكشف عن وجهها القبيح، المزين بمساحيق شعارات الثورة الفرنسية التي لم تعد لها قيمة على أرض الواقع بالنظر لممارسات ماضيها الاستعماري الحافل بحروب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
ومن بين الأوراق التي لا يستبعد اللجوء إليها أيضا، ورقة النفط والغاز بأسعار تفضيلية. وإن تعتبر فرنسا زبونا صغيرا للجزائر في مجال الغاز مقارنة بكل من إسبانيا وإيطاليا لاعتمادها الكبير على الطاقة النووية، فقد سعت جاهدة خلال السنتين الأخيرتين إلى الرفع من واردات الغاز الجزائري بنسب تقترب من المائة بالمائة، إلا أن هذا الهدف قد لا يتحقق بعد الموقف الفرنسي الأخير من القضية الصحراوية.
وتعتبر فرنسا أكبر الدول المستوردة للنفط الجزائري خلال النصف الأول من السنة الجارية، بمعدل يصل إلى 75 ألف برميل يوميًا، مقابل 72 ألف برميل يوميًا خلال المدّة المقابلة من 2023، مقابل ما معدله 81 ألف برميل يوميا. كما لا يستبعد أن تتوقف مشاريع التعاون في مجال الطاقة بين البلدين، من خلال الشراكة بين “سوناطراك” الجزائرية و”إينرجي” الفرنسية.
وبالإضافة إلى ذلك، تبقى قضية الهجرة من بين الملفات التي ستضغط بها الجزائر على فرنسا، وكذا التضييق على الواردات الفرنسية، مثل المواد الغذائية والمنتجات الصناعية، غير أنه وبالمقابل سيحاول الطرف الفرنسي أيضا لعب ورقة مراجعة اتفاقية 1968، وكذا ملف التأشيرة، وهي ملفات تنطوي على حساسية، لكنها لا ترقى إلى قوة الملفات الجزائرية، برأي المصدر ذاته.