الجزائر
صحافية الشروق تتقمص دور جمركية بمطار هواري بومدين

.. هذه خفايا التفتيش في المطار

الشروق أونلاين
  • 100276
  • 142
يونس أوبعيش
صحفية "الشروق" مرتدية لباس الجمارك الجزائرية

لم يكن يدور في مخيلتنا أن نرتدي بدلة ميدان للجمارك وحتى أن نشاركهم تجربة ميدانية حية، نتابع من خلالها عن قرب طريقة اكتشاف المخدرات والأسلحة والذهب، مهما تم إخفاؤها باحترافية داخل الحقائب والأمتعة..

فعندما قررنا الخوض في هذه المغامرة وتقمص دور جمركية كانت غايتنا اكتشاف حقيقة هذه المهنة ونقل تفاصيلها الدقيقة.. مهمة ليست مستحيلة ولكنها متعبة، وشاقة تتطلب منك الكثير من الجهد والصبر والفطنة.

ضبطنا أمورنا واتخذنا كل الإجراءات الإدارية اللازمة مع مصالح المديرية العامة للجمارك بعد أن تحصلنا على موافقة من مديرها العام محمد عبد بودربالة، واتجهنا إلى المطار الدولي هواري بومدين، في حدود الساعة العاشرة والنصف من صباح أول أمس، إذ تم استقبالنا من طرف رئيس مفتشية أقسام الجمارك لمطار هواري بومدين المراقب العام ضيف الله محمد النذير ومساعده المفتش الرئيسي للفحص نذير عبد الحميد، وقبل أن نبدأ مهمتنا خاصة أننا قررنا تقمص الدور الكامل للجمركي، خضعنا لتربص دام أكثر من ساعة، حيث تلقينا فيه تكوينا قصير المدى حول عملية تفتيش وتمرير الأمتعة عبر جهاز السكانير وكذا الطرق التي يتصرف بها الجمركي في حالة الاشتباه في أحد المسافرين، وعن الإجراءات التي يجب اتخاذها في حالة حجز الممنوعات، واستنتجنا في عين المكان بأن ضبط النفس والعمل دون كلل والتركيز أثناء مراقبة المسافرين، غير كاف إذا لم تكن عناصر الجمارك في حالة تأهب دائم، أضف إلى ذلك التكوين والتجربة في الميدان.

 

احذروا.. رحلات مشبوهة..؟

في حدود منتصف النهار والنصف ارتدينا البدلة الرمادية الخاصة برجال الجمارك وبدأت رحلتنا رفقة عدد من الأعوان الجمركيين، وكما يقال رب صدفة خير من ألف ميعاد.. فكل الرحلات الحساسة والمشبوهة أو كما تسمى عند أهل الاختصاص في المطار  les voles suspects  كانت حاضرة في ذلك اليوم.. نعم إنها حالة طوارئ.. فلا تسمع عبر أجهزة الراديو اللاسلكي طولكي ولكينغ، إلا عباراتهل الكل على استعداد، خذوا مواقعكم، القطرية حطت رحالها بأرضية المطار..”، ونحن كنا نعلم مسبقا أن الرحلات القادمة من قطر مصنفة في الخانة الحمراء الواجب إخضاعها للرقابة المشددة، إلى جانب الرحلات القادمة من تركياإسطنبولالإمارات العربية دبي، المغرب، فرنسا، بعدما تبين أن شبكات تهريب العملة الصعبة والمؤثرات العقلية أصبحت تلجأ إليها بغرض التهريب، وذلك بعد تضييق الخناق عليها على مستوى المنافذ البرية مع الجيران.

 

أمراء وسفراء ووزارء.. كلهم سواسية أمام السكانير

في أرضية المطار وعلى بعد 500 مترا فقط من الطائرةAN 340القادمة من قطر بدأت مهمتنا الأولى حسب الأوامر والتعليمات التي تلقينها حيث دخلنا القاعة رقم 3 حيث يوجد جهاز إعلام آلي موصول بجهاز سكانير الذي من خلاله يتم تمرير أمتعة المسافرين وتفتيشها تفتيشا دقيقا ، أخذنا موقعنا وكانت الأمتعة الأولى لأصحاب الدرجة  VIP وهي أمتعة خاصة بعدد من أمراء قطر وممثليها الدبلوماسيين التي لم يتم استثنائها من التفتيش الدقيق كغيرها من الأمتعة، حيث علمنا في عين المكان أن جميع المسافرين وحتى الوزراء والرؤساء تمرّر أمتعتهم عبر جهاز السكانير، وفي حالة الاشتباه تسجل عليها علامة خاصة، لا يفهمها إلا رجال الجمارك وهي بمثابة إشارة بضرورة التفتيش اليدوي للحقيبة مثلا.

اعتقدنا للحظات أننا فعلا من الجمارك ولسنا في مهمة صحفية من شدة التركيز على محتويات حقائب وأمتعة المسافرين التي كنا في صدد تمريرها على جهاز سكانير. فهي مهمة ليست مستحيلة ولكنها متعبة وشاقة جدا فرحلة واحدة على شاكلة الرحلة القادمة من قطر تحتاج إلى أكثر من ساعتين من الوقت حتى تنهي عملية تفتيش الأمتعة،أضف إلى ذلك فإن العمل في المطار يتطلب الكثير من الصبر، حتى تواجه توتر المسافرين والكثير من الجهد لتتعامل مع الآلاف منهم يوميا، ومنهم أجانب إنها مهنة تفرض على رجال الجمارك الكثير من الدبلوماسية لاستقبالهم أحسن استقبال لأن صورة الجزائر في المحك.

الوقت الذي قضيناها رفقة أعوان ومسؤولي بمفتشية أقسام الجمارك بمطار هواري بومدين والحديث معهم كشف الكثير من التفاصيل المثيرة، حول دورهم في مراقبة وتأمين بلادنا من بارونات ومافيا التهريب، خاصة أن الرحلات الجوية أصبحت في السنوات الأخيرة مسلكا ينتهجه المهربون للتحويل غير الشرعي للأموال من وإلى الخارج، إضافة إلى تهريب المخدرات، خصوصا الكوكايين القادمة من دول إفريقية، بعد أن تحولت الجزائر إلى معبر دولي لهذا النوع من النشاط المحظور، حيث حضرنا عمليات حجز أزيد من 43 ألف قرصفيا أنناسوهو مكمل غذائي خاص بالتنحيف الجسم رغم خطورته، وعدد من الهواتف النقالة ومبالغ مالية بالعلمة الصعبة تقدر قيمتها بأ 100 ألف أورو، إلى جانب بندقية من نوع كلاشينكوف.

 

البزناسية وتجارالشنطةيغيّرون وجهتهم نحو الدوحة والإمارات وتركيا

صراع رهيب وتحدٍ قوي يزداد يوميا بين المهربين ورجال الجمارك باعتبارهم الواجهة الأولى للمخاطر، فخلال تواجدنا في قاعة تفتيش الأمتعة علمنا من أعوان الجمارك أنه بعد تشديد الخناق على المهربين على مستوى الرحلات القادمة من فرنسا ولندن واسطنبول واسبانيا حوّل عدد كبير من تجار الشنطة وبزناسيةالهاتف النقال والذهب معابرهم إلى الدوحة والإمارات وتركيا هربا من المراقبة وكذا للامتيازات التي توفرها شركات الطيران عبر هذه الرحلات، خاصة في أوقات نهاية السنة الميلادية التي تشهد تخفيضات من الدرجة الثالثة التي يتهافت عليها الجزائريون بشدة، ما يرفع من أرباح المهربين.

وبحكم معرفتهم الجيدة لخصوصية جميع الرحلات الجوية القادمة من خارج الوطن، فإن أعوان الجمارك على دراية تامة بما سيحاول المهربون خلال كل رحلة إدخاله إلى أرض الوطن، فمثلا رحلات إسطنبول معروفة بتهريب الألبسة والذهب، رحلات قطر ودبي في الهواتف النقالة ولواحقها، رحلات المغرب في الألبسة التقليدية الفاخرة القفطان، كما باتت وجهة مرسيليا معروفة لدى عناصر الجمارك بالمطار، حيث كان أصحاب هذا النوع من التجارة في كل مرة يحاولون إغراق الجزائر بمختلف أنواع قطع الغيار المستعملة عبر رحلات جوية قادمة منها على متن شركة الخطوط الجوية الجزائرية، علما أن مفتشية أقسام الجمارك وضعت على مستوى مطار هواري بومدين آلية مشتركة لتشديد الرقابة على بعض الرحلات القادمة من دول عربية وأوروبية.

 

طوابع البريد والفلفل والأمعاء آخر حيل المهربين

مع الجولة التي رافقنا فيها رجال الجمارك بمختلف رتبهم لساعات طويلة دامت تقريبا حتى منتصف الليل وما حملته من فصول تخطت بنا سقف الدهشة والإبهار في الطرق التي يستعملها المهربون، حيث يظهر هؤلاء بأثواب جديدة ووجوه غير مألوفة ومعتادة، مع تطور أداء الأجهزة الأمنية باستخدام أعلى أنواع التكنولوجيا في رصد وضبط تجار السموم فضلا عن الوسائل الحديثة والجديدة التي يبتكرونها للإفلات من جهاز السكانير على غرار لصق المخدرات على طوابع بريد، ووضع الكوكايين والهيروين فى جبس الكلب ومخابئ  للأقراص المهلوسة بالأمعاء وبقاع الأحذية.. فقد تعددت السبل والهدف واحد، وهو محاولة تضليل الجمركيين وتفادي كشف السكانير ذلك هو خطط مهربي المخدرات خاصة الأقراص المهلوسة والذهب عبر المطارات، حيث لجؤوا في الاونة الاخيرة الى استعمال حيل لا يتصورها العقل، فخلال وجودنا في المطار علمنا من الجمركيين أن عددا من المهربين يستعملون الفلفل الحار الأحمر لتهريب علب سجائرالمالبورو، إذ أنه خلال تمريرها على جهاز سكانير لا يمكن التفريق بين الفلفل وعلب السجائر نظرا لتشابه اللون الأحمر إلى أن رجال الجمارك تفطنوا للخدعة، فيما لجأ مهربون آخرون إلى استعمال بطونهم واماكن حساسة في اجسامهم من اجل تهريب الممنوعات من مخدرات ومجوهرات وغيرها عبر المطار، فلم تعد الملابس الداخلية طريقة مثلى لإخفاء هذه المواد بعدما افتضح أمرها أكثر من مرة، مما جعل مهربين من جنسيات مختلفة يبدعون ويبتكرون حيلا ربما لا تخطر على بال أحد كأن يبتلع احدهم كمية من الكوكايين او تدس إحداهن كبسولات من الهيروين في رحمها من اجل الإفلات من قبضة الجمارك، حيث عالجت مصالح الجمارك حسب ماعلمناه في عين المكان قضية فريدة من نوعها بطلها رعية إفريقية من جنسية نيجيرية حاول تهريب أزيد 50 كبسولة هيروين ببطنه حيث تفطنوا له بعد لفظ هذا الأخير 4 كبسولات في المرحاض كانت ملفوفة بشكل جيد بأكياس بلاستيكية حتى لا يتخللها الماء وتتأثر بإفرازات المعدة، وتم توقيف المتهم بناءا على ذلك واخضع للمتابعة الطبية مدة 4 أيام متتالية، أين تمكن المتهم من إخراج 50 كبسولة هيروين أخرى كل كبسولة بوزن 100غ أي أن المتهم كان يحمل ببطنه أزيد من 1 كلغ من الهرويين، وان المتهم صرح خلال التحقيق معه انه حاول تهريب المخدرات إلى قطر لصالح رعايا أفارقة هناك مقابل 3 ألاف دولار. 

 

لعبة القط والفأر بين المهربين والجمارك

بالرغم من نقص تعداد رجال الجمارك في المطار الدولي هواري بومدين مقارنة بالمصالح الأمنية الأخرى، إلا أن الشيء الذي لاحظناه في عين المكان هو الانتشار المحكم للعناصر الجمركية الذين يعملون ليلا ونهار إذ ونحن في مهمة تفتيش الأمتعة مع زملائيأكد لنا أحد المفتشين الرئيسيين،أنه بالرغم من الضغط الذي نلاقيه، فالعمل مستمر 24 ساعة على 24 ساعة، ويطال الإرهاق عناصرنا، لكن النتائج المرضية في الميدان تثمن المجهود الذي نقوم به، على شاكلة العملية النوعية التي قمنا بها مؤخرا، حيث حجزنا أزيد من 3 آلاف قرص سوبيتاكوهو بديل الكوكايين كانت مخبأة في علببسكويتغالية الثمن من صنع فرنسي، حيث أن الشبكة التي قامت بتهريبها تنشط على محور مرسيليا والجزائر، نجحنا في إنقاذ أزيد من 30 ألف شاب من موت محتوم“.

وخلال تواجدنا في بهو المطار اكتشفنا حقيقة أخرى وهي أن حالة الطوارئ التي يعلنها رجال الجمارك ضد المهربين في العديد من المرات هي نفسها تسود بين أفراد شبكات وبارونات التهريب، إذ بمجرد إلقاء القبض على أحد تجار الشنطة أو البزناسية ينتشر الخبر بسرعة البرق، مما يجعل المهربين الآخرين يتركون بضاعتهم في البساط الخاص بالأمتعة وحتى في المراحيض المتواجدة في المطار ويلذون بالفرار إلى الخارج، حتى لا يتم توقيفهم، إذ أكد لنا أعوان الجمارك أنهم في العديد من المرات حجزوا أسلعة وبضع تفوق قيمتها المالية مليار و500 مليون سنتيم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالهواتف النقالة الذكية المهربة من دبي وقطر.

وقبل أن ننزع بدلة الميدان ونغادر المكان بعد يوم كامل قضيناها رفقة رجال الجمارك وقفنا على حقيقة مفادها أن أصحاب البدلة الرمادية يشكلون خط الدفاع الأول على الاقتصاد الوطني، وحماية المجتمع الجزائري من الغرق في السموم والممنوعات، فلا يغمض لهم جفن طيلة فترة المداومة والتي قد تطول خلال أوقات الذروة لأكثر من 12 ساعة متواصلة، ورغم علامات التعب البادية على وجوههم، إلا أنهم يستقبلون زوار الجزائر بابتسامة عريضة ويتقربون منهم لحل انشغالاتهم، فهذا لم يتمكن من الحضور في الوقت المناسب قبل إقلاع طائرته ، وآخر يجد صعوبة بين الإجراءات الإدارية والتوجيه، كلها قضايا تتم معالجتها في وقت قياسي للسماح بديمومة العمل العادي بفضل هؤلاء الرجال الواقفين.

مقالات ذات صلة