اقتصاد
ضخ دماء جديدة لتحسين التسيير... والمديرون الجدد أمام اختبار النتائج:

هذه خلفيات التغييرات على رأس أكبر المجمعات الاقتصادية 

إيمان كيموش
  • 7468
  • 0
ح.م

إلزامية الشروع في اعتماد عقود النجاعة كآلية لتقييم الحصيلة بشكل دوري
المسيرون مطالبون بالانفتاح على التنافسية الخارجية وتنويع مصادر الدخل

شهدت المؤسسات الاقتصادية العمومية في الجزائر، خلال الأسابيع الأخيرة، سلسلة من التغييرات العميقة على مستوى هياكلها القيادية، شملت عددا من المجمعات الكبرى والقطاعات الحيوية في البلاد.
وبهذا الصدد، تم تعيين نور الدين داودي على رأس مجمع سوناطراك خلفا لرشيد حشيشي، وتنصيب لطفي بوعرعارة رئيسا مديرا عاما بالنيابة للشركة القابضة “مدار” خلفا لـشرف الدين عمارة، كما طالت الحركة الإدارية عددا من فروع مجمع الحديد والصلب “أس أن أس” على غرار شركتي “سيدار” و”أس أن سي ميتال” أو “بايتميتال” سابقا، إلى جانب مؤسسات أخرى، مثل مجمع النقل البري للبضائع “لوجيترانس”، و”بريد الجزائر”، و”سوناريم” و”سيال” وغيرها من الشركات العمومية الاقتصادية.
وتأتي هذه التغييرات في إطار ضخ دماء جديدة داخل المجمعات العمومية وتعزيز كفاءة التسيير، ضمن سياسة حكومية تهدف إلى تحسين الحوكمة ومردودية المؤسسات العمومية الكبرى والحد من أي ممارسات تسييرية غير سليمة، كما تندرج في سياق تمهيد اعتماد الحكومة لآلية عقود النجاعة لتقييم أداء المديرين العامين، إذ أصبح هؤلاء مطالبين بتحقيق نتائج ملموسة تخضع للتقييم بشكل دوري، انسجاما مع التوجه الاقتصادي الجديد القائم على الفعالية والمساءلة والنتائج.
وفي السياق، يرى الخبير الاقتصادي فارس هباش في تصريح لـ”الشروق” أن التغييرات الأخيرة في عدد من المجمعات الاقتصادية الكبرى تأتي في إطار سياسة إصلاحية شاملة تهدف إلى تعزيز الأداء الصناعي، تقليص الاعتماد على قطاع المحروقات، والانتقال نحو اقتصاد متنوع وأكثر استدامة.
ويؤكد هباش أن هذه التحولات ليست مجرد خطوات عشوائية، بل تندرج ضمن استراتيجية مدروسة تسعى إلى تحقيق التوازن والتكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية، فالتغييرات التي طالت مؤسسات كبرى على غرار سوناطراك، ومجمع “أس أن أس” “إيميتال سابقا” و”مجمع النقل البري للبضائع”، وبريد الجزائر، إلى جانب البنوك العمومية، وغيرها تمثل ـ حسبه ـ محاولة لتحديث البنية الصناعية من خلال تعميق الترابط بين القطاعات الحيوية.
ويضيف المتحدث أن تنفيذ هذه التحولات بشكل متزامن يعكس رغبة الحكومة الجزائرية في بناء بيئة صناعية مترابطة تعمل فيها المجمعات الكبرى بشكل متناغم ومتكامل ويضرب مثالا على ذلك بتوجه سوناطراك، العمود الفقري للقطاع الطاقوي في البلاد، نحو تعزيز شراكاتها مع مجمع “أس أن أس” لتوسيع نشاط الصناعات المعدنية وتحويل المواد الخام محليا بدل تصديرها خامًا كما كان في السابق.

هباش: هذه أولويات المسيرين الجدد على رأس المجمعات الوطنية
وفي هذا الإطار، يقترح هباش لنجاح هذه المجمعات الصناعية، أن يتم استثمارها في التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، بهدف رفع كفاءة الإنتاج وتقليل التكاليف وتطوير المنظومة التعليمية والتكوينية في المجالات الفنية والهندسية، حتى تتماشى مع احتياجات القطاع الصناعي، وإطلاق برامج تدريبية متخصصة تمكّن اليد العاملة الوطنية من مواكبة التطورات التكنولوجية في الصناعية وتشجيع الابتكار داخل المجمعات الجزائرية لإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مع مواصلة تطوير البنى التحتية من طرق وموانئ وشبكات نقل، باعتبارها ركيزة أساسية لتسهيل التجارة المحلية والدولية.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن وزارة الصناعة شرعت في تنفيذ سياسة عقود النجاعة بين المؤسسات الحكومية والصناعية، وهي آلية تهدف إلى تحديد أهداف قابلة للقياس وربط المكافآت أو العقوبات بمستوى تحقيقها، غير أن نجاحها ـ كما يؤكد ـ يتوقف على توفير بيئة تنظيمية مرنة تمنح الإدارات المعنية حرية أكبر في اتخاذ القرارات الاستراتيجية.

انفتاح الشركات العمومية على الأسواق الأجنبية وتجاوز صعوبات الماضي
من جهته، أكّد الخبير الاقتصادي، الهواري تيغريسي، أن سلسلة التحولات التي تعرفها المؤسسات العمومية في الفترة الأخيرة تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة واستراتيجية اقتصادية طويلة المدى، هدفها تحسين الحوكمة وتفعيل دور المسيرين في إطار المخطط الوطني الاقتصادي، بما ينسجم مع توجيهات السلطات العليا في البلاد ويضمن نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطن والسياسات العمومية.
وأوضح تيغريسي، في تصريح  لـ”الشروق”، أن التغييرات الجارية في كبرى المؤسسات الوطنية، مثل سوناطراك وبريد الجزائر ومجمع النقل البري، ومدار، بالإضافة إلى تغيير اسم شركة الطاقة مثلا إلى “الشركة الجزائرية لتحلية مياه البحر” تمثل خطوات مدروسة لتحديث أداء هذه المؤسسات وتعزيز فعاليتها الاقتصادية.
وشدّد الخبير على أن مؤسسة تحلية مياه البحر  تعدّ من الدعائم الاستراتيجية للأمن المائي الوطني، مشيرًا إلى أن منحها قدرا أكبر من الاستقلالية والمرونة في التسيير من شأنه أن يساهم في تطوير صناعة التحلية محليا وتوسيع طاقتها الإنتاجية بما يخدم المواطن ويعزز الأمن المائي للبلاد.
وفيما يتعلق بـ”بريد الجزائر”، دعا تيغريسي إلى ضرورة الارتقاء بخدمات المؤسسة نحو رقمنة حقيقية تشمل دفع الفواتير إلكترونيا وتسهيل التعاملات المالية، إلى جانب إنشاء بنك بريدي يواكب التطور التكنولوجي ويعزز الشمول المالي.
أما بخصوص شركات النقل البري والنقل العام، فقد أشار إلى وجود استراتيجية وطنية لتفعيل الشراكات بين مؤسسات النقل الثلاثية، بما يسمح بتحسين التكامل الإقليمي وتسهيل حركة المسافرين، معتبرا أن ذلك يمثل خطوة مهمة نحو تطوير خدمات النقل العمومي وتعزيز الترابط بين الولايات.
وتطرق الخبير الاقتصادي إلى جملة من التحديات التي تواجه المؤسسات العمومية، أبرزها ضعف القيادة الإدارية والتغيير المتكرر في هياكل التسيير الإقليمية، وهو ما يؤدي – حسبه – إلى اضطراب في استمرارية الأداء كما أشار إلى أن بعض المؤسسات تخضع حاليا لتحقيقات دقيقة بعد أن شهدت صعوبات خلال الفترات السابقة، في مسعى لتصحيح الاختلالات وتعزيز الشفافية.
ويرى تيغريسي أن تعزيز الحوكمة والانتقال إلى أنماط تسيير حديثة يمثلان أولوية أساسية، مع التركيز على تحقيق موارد مالية مستقلة وتنويع الخدمات، والانفتاح على الأسواق التنافسية لتوسيع النشاط ورفع القدرات التصديرية، بما يسمح بتحقيق مردود اقتصادي معتبر.

مقالات ذات صلة