هذه دلالات اختيار الفاتيكان الجزائر محطة أولى في جولة إفريقيا
قرأت بعض النخب الجزائرية في زيارة بابا الفاتيكان، ليون الرابع عشر، إلى الجزائر بداية من الاثنين، فرصة من أجل إبراز دورها كقوة إقليمية فاعلة في نشر الحوار وتعزيز قيم التسامح بين الشعوب والأديان، ورأت بأن هذا الحدث يتجاوز بكثير البعد الديني إلى المستويين السياسي والاستراتيجي، في ظل مشهد عالمي مأزوم بسبب ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من حروب وأزمات حضر فيها البعد الديني بشكل فج.
وتكمن خصوصية زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، في كونها “انتقائية”، وفق رؤية سعيدة سلامة، أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ”جامعة الجزائر3″، حيث لفتت في تصريح لـ”الشروق”، إلى أن الزيارة “تعتبر حدثا يتجاوز طابعه الديني ليحمل أبعادا سياسية ودبلوماسية عميقة”.
وتستند قراءة سعيد سلامة إلى أن “زيارات البابا عبر العالم تبقى محدودة وانتقائية ما يمنح لأي محطة يختارها ثقلا خاصا ولاسيما في ظل التحولات الدولية الراهنة وما تشهده من توترات وصراعات متزايدة”، في إشارة على أن اختيار الجزائر كمحطة أولى لجولته الإفريقية تنطوي على دلالات كبيرة.
ومن شأن هذه الزيارة، تضيف أستاذة العلوم السياسية، أن تقدم “صورة عن الجزائر كدولة منفتحة تدعم التعايش والحوار بين الأديان، وهو امتداد لمشار تاريخي راسخ، حيث كما يعلم الجميع أن الجزائر قد احتضنت عبر تاريخها شخصيات دينية بارزة أسهمت في نشر قيم السلم والتسامح والعيش في كنف الحرية والتعايش، ما سيجعلها أرضية رمزية للحوار الديني والحضاري”.
وتندرج الزيارة أيضا ضمن توظيف الجزائر لأدوات القوة الناعمة، حسب سعيدة سلامة، من خلال “تعزيز تموقعها كفاعل يدعو إلى التهدئة والحوار في مقابل واقع دولي تستغل فيه أحيانا شعارات السلام لتبرير النزاعات وتعميق الانقسامات وهو ما يبرز الحاجة إلى نماذج واقعية تعطي صدقية هذه القيم”.
كما تفتح الزيارة، وفق المتحدثة، قنوات تواصل مهمة مع دولة الفاتيكان باعتبارها فاعل دبلوماسي ذا تأثير معنوي عالمي بما يعزز من قدرة الجزائر على دعم القضايا العادلة وترسيخ مقاربات قائمة على السلم والتفاهم، فضلا عن كونها “فرصة استراتيجية لإبراز مكانة الجزائر كدولة مستقرة، منفتحة وفاعلة في ترسيخ قيم الحوار والتعايش في العلاقات الدولية.”
من جهته، يرى رضوان بوهيدل، أستاذ العلوم السياسية بـ”جامعة الجزائر3″، أن الزيارة تأتي في سياق جيو-سياسي دولي مضطرب تطبعه الحروب وأزمات الطاقة وإعادة تشكيل التحالفات، مما يمكن اعتبارها إشارة واضحة إلى المجتمع الدولي بصعود الجزائر كفاعل اقليمي محوري.
ويكرس هذا المعطى، وفق تصريح بوهيدل لـ”الشروق”، دور الجزائر كوسيط بين الشمال والجنوب، وبشكل خاص بين أوروبا من جهة، وإفريقيا والعالمين العربي والإسلامي من جهة أخرى، فضلا عن أن الحدث يمكن توظيفه “لتعزيز صورة الجزائر كشريك مستقر وموثوق أيضا في هذه البيئة الإقليمية غير المستقرة”.
وبرأي المتحدث، فإن الفاتيكان ليس مجرد كيان ديني، بل فاعل دولي يمتلك شبكة تأثير عالمية، وهذا يعني أن الفاتيكان يشتغل بمنطق القوى الرمزية، وبالمقابل تسعى الجزائر إلى الاستثمار في هذه الزيارة لتقديم نفسها كنموذج للتعايش وفضاء للحوار الإسلامي المسيحي، تتقاطع مع توجه دولي نحو استخدام البعد الديني كأداة تهدئة للصراعات.
ويضاف إلى ذلك البعد الأوروو-متوسطي، الذي يفرض على الجزائر الاضطلاع بمسؤولياتها كفاعل في ظل أزمة الطاقة العالمية بسبب ما يحدث في الشرق الأوسط والخليج، وكمصدر استراتيجي للطاقة، وهنا يمكن أن تصبح الزيارة رسالة غير مباشرة مفادها أن الجزائر كشريك سياسي حضاري موثوق به وليس مجرد مورد طاقة.
البعد الآخر لهذه الزيارة، وفق بوهيدل، هو أنها كرست الجزائر بوابة للفاتيكان نحو القارة السمراء، أو ما يمكن تسميته “عقدة الربط” بين إفريقيا وأوروبا، وخاصة بعد ما تحولت افريقيا إلى قوة بشرية للكاثوليكية في الكثير من مناطق القارة، وهو ما يمنح الجزائر منصة انطلاق للتأثير السياسي والديني في إفريقيا.
كما أن زيارة البابا إلى مدينة عنابة تحمل الكثير من الدلالات والرمزية، من خلال ربط المسيحية بأصولها الإفريقية وتقديم الجزائر كفضاء تاريخي مشترك بين الإسلام والمسيحية، وهذا البعد، يضيف المتحدث، يساهم في إعادة تعريف الهوية المتوسطية ويخلق ما يمكن تسمية السردية الحضارية المشتركة بدل الصدام بين الطرفين.