هذه شبكة التنقيط في تقييم المترشحين لمسابقة الأساتذة
كشف وزير التربية الوطنية، على هامش تدشينه للدخول المدرسي الجديد 2025/2026، عن فتح مسابقة لتوظيف 45 ألف أستاذ للموسم الدراسي الجاري، بصيغة دراسة الملفات، بعد سنوات من الاعتماد على المسابقات الكتابية والشفوية، والتي أثارت نقاشاً واسعاً بين المترشحين.
ويأتي هذا القرار في وقت تعرف فيه مؤسسات تربوية عجزاً محسوساً في التأطير البيداغوجي، خاصة بعد تطبيق شرط شهادة الماستر في التوظيف المباشر وإقصاء العديد من حاملي الليسانس من التعاقد، وهو ما جعل الأنظار تتجه نحو “الشبكة الجديدة” لدراسة الملفات، باعتبارها الفيصل في “تقييم” وترتيب الناجحين ترتيبا تفاضليا بالنزول من أعلى معدل إلى غاية الوصول إلى أدنى معدل، مع شريطة التقيد التام بعدد المناصب المالية المفتوحة بعنوان سنة 2025.
شبكة التنقيط… أداة حاسمة للفصل بين آلاف الملفات
وفي هذا الصدد، أوضحت مصادر “الشروق” أن شبكة التنقيط ستكون المعيار الوحيد للفصل بين المترشحين، حيث يتم اعتماد نقاط تُمنح وفق مجموعة من المعايير الواضحة، من بينها، تطابق الشهادة مع التخصص المطلوب، إذ يحظى الممتحن الحائز على شهادة مطابقة تماماً للمادة المراد تدريسها بأعلى نقطة، في حين يتم تقليص العلامة تدريجياً كلما ابتعد التخصص الجامعي عن مادة التخصص المقصودة.
بالإضافة إلى اشتراط الأقدمية في التخرج، حيث تعطي الشبكة أفضلية للذين تخرجوا منذ سنوات ولم تتح لهم فرصة التوظيف، في محاولة لإنصاف البطالين القدامى، فضلا عن الأخذ بعين الاعتبار معيار “الوضعية العائلية”، إذ تضع الشبكة في الحسبان المترشحين المتزوجين أو الذين يعيلون أطفالاً، بهدف مراعاة الجانب الاجتماعي وتقليص الضغوط المعيشية.
علاوة على العمل بمعيار “مسار الخبرة والتجارب المهنية”، سواء عبر عقود الإدماج، التعاقد، أو حتى الخبرة المكتسبة في مؤسسات تربوية خاصة، حيث تُترجم إلى نقاط إضافية تعزز حظوظ المترشح في الظفر بمنصب مالي قارّ.
وفي التفاصيل، أوضحت مصادرنا أن هذه المعايير وإن بدت تقنية، فإنها تعكس محاولة الموازنة بين الكفاءة العلمية والاعتبارات الاجتماعية، وهو ما جعل النقاش محتدماً حول مدى قدرتها على تحقيق العدالة بين جميع المترشحين.
تطابق الشهادة… معيار يثير الجدل
إلى ذلك، لفتت ذات المصادر إلى أن مراقبين أجمعوا على أنّ تطابق الشهادة مع التخصص هو حجر الزاوية في شبكة التنقيط، فالوزارة تسعى إلى ضمان أن يُدرّس الرياضيات مثلاً حامل شهادة رياضيات، وأن يتكفل بمادة العلوم الفيزيائية خريج الفيزياء، وهكذا، لكن الانتقادات تتجه نحو إقصاء بعض التخصصات القريبة التي يمكن أن تفي بالغرض في ظل النقص الحاد للأساتذة، مثل خريجي المدارس العليا للأساتذة في تخصص عام يمكن أن يدرّس أكثر من مادة.
وفي هذا الشأن، أشارت مصادرنا إلى أن العديد من حاملي شهادات الليسانس عبّروا عن تخوفهم من أن يكون هذا الشرط سبباً في تراجع فرصهم، خاصة بعد أن استُبعدوا سابقاً من عقود التوظيف بسبب شرط الماستر.
الأقدمية في التخرج… بين واقع الميدان ومنطق الإنصاف
وفي نفس السياق، أبرزت المصادر نفسها أن الأقدمية في التخرج، تعتبر أحد المعايير التي تهدف إلى منح فرصة أوسع للذين طالت بطالتهم، غير أن هذا المعيار لا يخلو من انتقادات، إذ يرى البعض أنّه قد يحرم الخريجين الجدد من فرص عادلة. فالموازنة بين “الحق في التشغيل” و”الحاجة إلى أستاذ متجدد المعرفة” تبقى معادلة صعبة تحتاج إلى تدقيق أكثر.
الوضعية العائلية… حضور البعد الاجتماعي
وبناء على ما سبق، فقد وضعت الوزارة في الحسبان الوضعية الاجتماعية للمترشح، حيث تمنح نقاطاً إضافية للمتزوجين أو أولياء الأطفال، ليبقى الهدف هو دعم الفئات التي تتحمل أعباء أسرية ومعيشية مضاعفة.
ويبرر المدافعون عن هذا المعيار بأنه يعكس وظيفة الدولة الاجتماعية في دعم الاستقرار الأسري والمهني، خاصة في قطاع حساس كالتربية الوطنية، حيث الاستقرار النفسي والاجتماعي للأستاذ ينعكس على أدائه داخل القسم.
الخبرة المهنية… رصيد لا يُستهان به
ومن المعايير التي تعزز نقاط المترشحين كذلك، الخبرة المهنية المكتسبة سواء عبر عقود التعاقد السابقة، أو العمل في القطاع الخاص، وبالتالي فالمترشح الذي سبق له أن مارس التدريس، حتى ولو في ظروف صعبة أو غير مستقرة، يمتلك رصيداً عملياً يمنحه أفضلية على الخريج الجديد. غير أنّ النقاش يبقى مطروحاً حول كيفية تقييم هذه الخبرة بشكل منصف، خاصة في ظل تفاوت التجارب بين مؤسسة وأخرى.
وبالاستناد إلى ما سبق، أوضحت مصادرنا أن نجاح هذه الصيغة، يبقى مرهونا بآليات التطبيق، إذ يقترح متابعون للشأن التربوي أهمية تجسيد مجموعة تدابير وإجراءات تتعلق أساسا بأهمية ضمان شفافية عالية في دراسة الملفات ونشر القوائم بدقة.
إلى جانب رقمنة العملية لتقليص الأخطاء البشرية والتلاعبات، فضلا عن إشراك النقابات وممثلي المجتمع المدني كمراقبين لضمان مصداقية العملية، فضلا عن إمكانية الطعن في حال تسجيل أخطاء أو ظلم في التنقيط، لكيلا تتحول “شبكة التقييم” من أداة للإنصاف إلى مصدر جديد للاحتقان الاجتماعي.
واستخلاصا لما سبق، فإن إعلان وزير التربية عن فتح مسابقة توظيف الأساتذة، بصيغة دراسة الملفات أعاد الأمل لآلاف البطالين، لكنه في الوقت نفسه فتح نقاشاً واسعاً حول شبكة التنقيط ومعاييرها. فبين الكفاءة العلمية والاعتبارات الاجتماعية، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان الشفافية والمصداقية حتى يشعر الجميع بأنّهم خاضوا سباقاً عادلاً.