الجزائر
يحظى باهتمام الجميع وسط تفاؤل بسنة ناجحة

هذه طقوس وأسرار الاحتفال بـ”ينار” في مناطق الأوراس

صالح سعودي
  • 865
  • 0
ح.م

تعيش قرى ومدن الأوراس على وقع الاحتفال بالسنة الجديدة المعروفة بـ”ينار” أو “يناير” في مناطق أخرى من الوطن، والتي أصبح يطلق عليها رأس السنة الأمازيغية بعد ترسيمها عيدا وطنيا من طرف الدولة الجزائرية، في وقت كان متعارفا عليها باسم بداية السنة الفلاحية الجديدة، من خلال القيام بعديد الأنشطة المتوارثة على مر الأجيال، وتطبعها أجواء من التفاؤل تيمنا بسنة جديدة ناجحة، على وقع الإخضرار والازدهار ووفرة المحاصيل وضمان العيش الرغيد.
يعد الاحتفال بـ”ينار” عادة قديمة متوارثة جيلا بعد جيل، وحسب الأستاذ عيسى بلخباط فإنها تأتي تيمنا بالسنة الفلاحية الجديدة التي يؤرخ لها بداية من شهر يناير من كل عام، مضيفا أنها تعكس في عمقها ارتباط الإنسان الأمازيغي بأرضه وهويته، مشيرا أن الأرض هي موطن انتمائه ومصدر رزقه ومعيشته، بحكم أن الإنسان الأمازيغي قديما كانت حرفته الأولى فلاحة الأرض ورعي الماشية، حيث تتعدد مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة عند الجزائريين بصفة عامة وسكان الأوراس بصفة خاصة .

“ينار” في الأوراس.. أسرار وتفاصيل
في بحث ميداني للأستاذ مصطفى جغروري، وقف على عدة تفاصيل تخص كيفية الاحتفال بـ”ينار” في مختلف مناطق الأوراس، مؤكدا أن أول يناير كان الناس يحتفلون به قبل الثورة يوم 12 جانفي. وبعد الاستقلال وقع الاختلاف، منهم من يقول هو يوم 13 جانفي، على أساس يناير القديم، والرسمي هو يوم 14 جانفي، وهو يناير الجديد. مشيرا أن برنامج الاحتفال ب،”ينار” في الأوراس يبدأ يوم 12 جانفي (ينار أقذيم)، حيث يحتفلون فيه بالاغتسال، ويلبسون أحسن ما عندهم من لباس وينظفون المنزل ويخرجون كل التحف من زرابي وحنابل فتُنشر إما للزينة أو لتتعرض للهواء أو الشمس. وينقى القمح أو لفريك و(الكيزوان) من الشوائب العالقة بهما وتنقع في الماء حتى الغد. ويمكن تناول اللحم أو التمر.
أما اليوم الثاني وهو 13 جانفي (ينار أجديذ) فيسمى حسب الأستاذ مصطفى جغروري بيوم فرعون (آس أن فرعون)، مشيرا أنه في هذا اليوم يلعب الرجال والشبان لعبة تشبه الكرة وهي “الدوخ” أو “هاگورث” المصنوعة من قطع القماش البالي، وتكور وتربط بخيوط على شكل كرة، وتلعب وتدفع بالعصي المقوسة الرأس كلعبة الهوكي في مكان لائق باللعبة، والملعب له مرميان لتسجيل الأهداف، مؤكدا أن في هذا اليوم تكون الوجبة الرسمية هي “الشرشم”، زيادة عن الشخشوخة والمكسرات و”لغرايف” و”أرفيس التونسي”، مع إخراج بعض المدخرات من رمان وتين جاف (المنثور).
وحسب الأستاذ مصطفى جغروري فإنه في هذا اليوم لا يعرّون عظما ولا نواة، أي لا يأكلون لا لحما ولا تمرا. وكان الناس يعتقدون أنه في هذا اليوم غرق فرعون، مضيفا أنه في هذا اليوم تخرج النساء والأطفال والبنات إلى ضواحي الحي ومعهن الأثافي (إنين) القديمة لاستبدالها بأخرى جديدة، ويقلبون الحجارة، فكل ما وجدوه تحتها يعطون لها تفسيرا، إذا كان نملا تفاءلوا بالماعز الكثير، وإذا كان حشرة كبيرة تفاءلوا بشراء بغلة.. كما يقتلعون بعض الأعشاب الخضراء رمزا للخصوبة، وبعدها يشعل الصغار النار ويضعون عليها حجارة مسطحة وينضجون عليها الرقاق تفاؤلا بالخير الوفير. أما في اليوم الثالث (14 جانفي) فيسمونه حسب الأستاذ مصطفى جغروري بـ”مزلغ”، حيث في هذا اليوم عطلة إجبارية لا يسافرون ولا يعملون (راحة تامة). أما الطعام فيأكلون ما يشاءون، مؤكدا في الأخير أن المناسبة مرتبطة بالتقويم الفلاحي تيمنا بالخير والخمير والقمح والشعير والأمن والأمان.

أبعاد ودلالات كثيرة تقف وراء الاحتفال بـ”ينار”
ويتضمن الاحتفال برأس السنة الفلاحية الجديدة عدة أبعاد ودلالات، حيث وفي دراسة أنثروبولوجية قام بها الدكتور عبد اللطيف بورمل حول التقويم الأمازيغي في إقليم الأوراس؛ من وجهة نظر شرفة كيمل، يؤكد بأن ينار هو الشهر الأول من شهور العام الأمازيغي. ومبدؤه في يوم 14 من شهر جانفي في حساب شهر “فرنصيص”. وآخر أيامه 13 من شهر فيفري في حساب شهر “فرنصيص”. ويليه شهر ومبر، مؤكدا أن له دلالة ورمزية خاصة في مخيال سكان الأوراس؛ فهو رمز البركة والخصب والخير والغيث والامتلاء والإنتاج والنماء.. ومن ذلك قولهم: “ثلج ينار خير من زنبيل غبار”؛ لما علموا أن الثلوج هي ما يغذي عروق المياه الباطنية، والعيون والينابيع الطبيعية؛ التي ماؤها قوام حياتهم.
وهو كذلك حسب محدثنا رمز البأس والتحدي والحزم والشدة ةالصبر والصمود والفتك والقسوة. ومن ذلك قولهم: “ينار هيي العولة للصغار، وهيي لحطب للنار”. وحطبهم هو (الكروش) من شجر البلوط. والشعال من (الشديدة)؛ يهيآن ويدخران مؤونة للأيام الماطرة والمثلجة. ويرى الدكتور عبد اللطيف بورمل أن الإنسان الأوراسي راصد للأحوال الجوية؛ حتى يأمن الجوائح بالحذر واليقظة؛ كالحيات والسباع والسيول والمفترسات والنيران والوديان… إلخ. ومن ذلك قولهم: “ينار بوسبع تقليبات للنهار”، حيث أن أبرد أيام السنة شهري جمبر وينار، وفيها 40 يوما لياليها من أطول أيام السنة؛ يسمونها: (الليالي الطوال السود)؛ مبدؤها من يوم: 10 جمبر، ومنتهاها يوم: 20 ينار؛ فهي 20 يوما الأخيرة من شهر جمبر، و20 يوما الأولى من شهر ينار. يقولون: “يهيج فيها الجمل”، ويقولون: “4 [الأولى] يعرفها العبد، و6 [بعدها] يعرفها الداب”! وفي جمبر وينار يغلق الثلج أبواب البيوت ليلا؛ فإذا فتحوها في الصباح وجدوا حائطا من الثلج أمامهم! ولذلك يهيئون “قرنوجة” أو قرانج (من الكروش) لأجل (السامور) الموقد المستعر في (الشميني)، وفراشهم (فراش الحلفا) أو التليس؛ ينسج من شعر الماعز، أو يتخذون أسرة مثبتة في الحيطان الحجرية يسمونها (السدة)، وغطاؤهم (الحولي والحنبل وليزار)؛ كلها تنسجها النساء من شعر الماعز وصوف الضأن، ولهن في ذلك رسوم وأشكال هندسية وألوان؛ لها دلالاتها المقصودة.
وحسب الدكتور بورمل فإنه في ليلة رأس السنة الأمازيغية أي: ليلة 1 ينار يطبخون ثريدا (شخشوخة) باللحم، أو القديد (الخليع)، أو (دهان الماعز)، أو (الشرشم)؛ وهو مرق من حبوب القمح أو لفريك مع الفول وكليلة الماعز ولخليع، أو دشيشة المرمز؛ تفاؤلا بدفء الجو. ويجتمعون متحلقين حول النار للسمر و(لمحاجية). وفي صبيحة أول أيام ينار يحضرون (الزيراوي)، مشيرا أنه من عاداتهم ليلة ينار كنس رماد (الكانون) أسفل (الشميني)، ورمي الأثافي [واحدتها أثفية] يسمونها بالعامية (لمناصب واحدتها منصبة)، وهي حجارة الموقد؛ التي توضع عليها القدر، ويستبدلونها بأخرى جديدة، ويجلبون عناصر الطبيعة؛ من تراب وحجارة وحشيش، وتوزع على جنبات الحجرات، ولا يخفى ما في ذلك من سنة التجديد، وروح التفاؤل، والانسجام مع موارد الطبيعة.
ولهم عادة في قلب الحجارة، والتفاؤل بما وجد تحتها من الهوام؛ فإن وجدوا عقربا قالوا: عروس، وإن وجدوا نملا قالوا: مالا غنما ودوابا، وإن وجدوا (وللي) عنكبوتا قالوا: ولدا… إلخ. وفي كل هذا يخلطون حسب الدكتور بورمل بين الجد والهزل، في عادات وتقاليد لا يلتزمون بها جميعا، ولا يلزمون بها أحدا، ولا يؤاخذون تاركها؛ بل يبقونها في حجمها من الاهتمام تارة، أو الإهمال تارة أخرى.

المرأة الأوراسية عنصر فاعل في إنجاح “ينّار”
وتلعب المرأة الأوراسية دورا فعالا في إنجاح احتفالات “ينار”، وهذا بناء على الجهود التي تقوم بها، من خلال الإعداد المحكم لهذه المناسبة التي تتم كل مطلع سنة فلاحية جديدة. وحسب الأستاذ عيسى بلخباط فإن المرأة تزين موائد البيت بألوان من الأطباق الشعبية كالكسكسي بالخضار والدجاج والشخشوخة التقليدية، وهي أطباق رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها في مثل هذه المناسبات، تضاف إلى أطباق أخرى تقليدية مخصصة للتحلية كالشرشم والزيراوي والبغرير، مشيرا أن الاحتفال بـ”ينار” يرتبط أيضا ببعض العادات القديمة، كإعادة طلاء جدران البيت وتغيير حجارة الموقد بأخرى جديدة تيمنا بعام جديد يحمل معه الرخاء والرفاه. كما تكون هذه المناسبة فرصة للأطفال الصغار بممارسة بعض الألعاب الشعبية، مثل “ثاكورث”، مضيفا أنه من الألعاب الشعبية التي لم تعد تمارس اليوم ما يسمى بـ”مطرق عرعار”، وهو عبارة عن عود من شجر العرعار يتولى أحد الأطفال إخفاءه في مكان معين في وقت يقوم باقي رفقائه بإغماض عيونهم حتى لا يرى أحدهم المكان الذي تم فيه إخفاء العود، وبعد ذلك يؤذن لهم بالبحث عنه، ومن يعثر عليه يعلن فائزا، إضافة إلى لعبة “الغميضة”، وهي لعبة شعبية لا تزال تمارس إلى اليوم. كما أن العائلة الأوراسية حسب محدثنا تجتمع في سهرات هذه المناسبة ويتحلق الجميع حول الجدة التي تتولى سرد قصص من التراث الشعبي ذو الطابع الأسطوري والنكت الطريفة، ويستمتع الجميع بما تسرده، مع حل بعض الألغاز الشعبية من طرف أفراد الأسر، ما يجعل الاحتفال بعيد يناير مناسبة لربط الصلة بالماضي والحفاظ على موروث ثقافي يمتد لقرون، وهو أيضا مناسبة لجمع شمل العائلة وتقوية الروابط العائلية في زمن طغت عليه التكنولوجيا على العلاقات الإنسانية.

التمسك بالأرض ولم الشمل أبرز مزايا الاحتفال
من جانب آخر، يرى البروفيسور مختار هواري، بأن عراقة الأمم مرتبطة بتعدد أعيادها وحركية مجتمعها وتراكمه الحضاري، مشيرا أن كل الشعوب العريقة لديها أعياد تحتفي بها، بما فيها بعض الشعوب الإسلامية، كالفرس (عيد النيروز) وأمازيغ شمال أفريقيا بـ”يناير”، وقال الدكتور مختار للشروق بأن يناير هو عيد فلاحي مرتبط بالأرض منذ عهود غابرة احتفى به الأمازيغ ، وبقي في مجتمعات شمال إفريقيا عربا وبربرا، وهو دلالة لارتباط الساكنة بالأرض، وهذا مع نهاية الليالي البيض ودخول الليالي السو ، مؤكدا أن الاحتفاء به هو فرصة للاجتماع العائلي والمذبوح فيه حلال مزكى.
وحسب الدكتور مختار هواري فإنه تختلف عادات هذا العيد من جهة لأخرى، ويتفقون في الاحتفاء والفرح والاستبشار بسنة فلاحية تعج بالخيرات، فهناك في نظر الدكتور هواري من يتجنب ذبح كل ما فيه ريش ويحبذ لحم الضان، وهناك من يذبح الدجاج ويتم شراء المكسرات وطبخ الشخشوخة أو تريدة، وهناك من يطبخ أكلة “ازريقية”، وهي كسرة مفتتة مع الحليب والسكر، لكي يرزقنا المولى عز وجل. وفي المدن تقوم النسوة بتجديد الأواني وتنظيف البيوت بطلائها، وفي نظر الدكتور مختار هواري يبدو أن تغيير المواقد امتداد لعادة الأرياف الذي فيه يتم تغيير الأثافي بتغير الأحجار الثلاث بأحجار جديدة في طقوس متوارثة بين الأجيال، متأسفا على تدخل البعض في نيات البشر، والأصل حسبه في الأشياء الإباحة إلا ما حرم بنص.
ويشير الدكتور مختار هواري إلى تراجع بعض الطقوس الريفية، لكن بقي في الذاكرة الجمعية هذا العيد محفورا رغم محاولات البعض تحريم الاحتفاء به من منطلقات فهم سطحي للدين أو لدواع سياسية، ولكن حسب الدكتور هواري فإن وعي الدولة وإدراكها لأهمية إرثها وأهمية هذا العيد الذي يلخص ارتباط إنسان الجزائر بأرضه دفعها إلى ترسيمه كعيد وطني وعطلة مدفوعة الأجر، وهو ما يحسب للدولة الجزائرية في كل الشمال الإفريقي.

“ينّار” مكاسب ثقافية واجتماعية بحاجة إلى تثمين
والواضح أن الاحتفال برأس السنة الفلاحية الجديدة التي يطلق عليها البعض اسم ينار تتضمن العديد من المكاسب الاجتماعية والإنسانية التي تفرض الكثير من التثمين، حيث يؤكد الأستاذ عبد الناصر بلفراق بأن الاحتفال بينار “ينار” هو احتفال تقليدي لدى سكان الأوراس وبقية أنحاء الوطن، ويعود أصوله إلى العصر البربري (الأمازيغي)، حيث يحتفل به سكان الأوراس في بداية كل عام أمازيغي (12 يناير تقريبًا) للاحتفال ببداية السنة الجديدة وسط موجة من الطقوس مثل إشعال النار وتبديل حجارة الموقد، واللعب بهاكورث والاجتماع للاحتفال، حيث يُقدم اللعب والغناء التقليدي خلال الاحتفال لإضفاء البهجة والفرحة بقدوم موسم الشتاء، مع تقديم الأطعمة التقليدية مثل “سكسو” (البربوشة باللحم) و”الشخشوخة” و”النعمة” و”المحجوبة ارقاغين”، وكذلك ذبح الخراف أو الماعز أو الاشتراك في ذبح العجول أو الأبقار في بعض المناطق، حيث تُقدم وتقسم “الوزيعة” أو “النفقة” من الحيوانات المذبوحة كنوع من صور الشكر لله على ما أنعم به، وكنوع من التكافل الاجتماعي، وتوزيع الأطعمة وزيارة الأقارب، حيث يُعتبر الاحتفال بينار حسب الأستاذ بلفراق فرصة لتوثيق العلاقات والروابط العائلية والاجتماعية والإحسان إلى الفقراء.
وبذلك يُظهر الاحتفال بينار تراثًا ثقافيًا غنيًا وتنوعًا يرمز إلى ارتباط الإنسان بالأرض والتصاقه بالبيئة ويعبر عن الترابط الاجتماعي، كما يحوي مخزونا منوعا من العادات والتقاليد والفولكلور المميز لمنطقة الأوراس. كما يوطد العلاقة بين المجتمع الواحد، فتظهر صور التآلف والتعاطف والتراحم والتزاور وتنتفي صور الحاجة والفاقة في تلك الأيام. كما يُعد الاحتفال في نظر محدثنا تعبيرًا عن الثقافة الأمازيغية المرتبطة بالأرض والتصاقه بالبيئة، ويجسد الترابط والتلاحم الاجتماعي كصورة لانعكاس التربية الروحية والدينية على أفراده. وهو أيضا يعد كنزا وتراثا شفهيا يعكس حفاظ المجتمع واعتزازه بموروثه الثقافي رغم تحديات النسيان وعصر الذكاء الاصطناعي، مثلما يساهم في الحفاظ على التراث الثقافي، وتوثيق العلاقات والروابط الاجتماعية، وكذلك تعزيز السياحة الثقافية وإحياء التقاليد الشفهية.

مقالات ذات صلة