هذه قصص فتيات فررن من بيوتهن إلى الشارع!
هل أصبح الشارع بقسوته أفضل من دفء الأسرة؟ بين هذا السؤال والحقيقة خيط رفيع تمزق بفعل الآفات الاجتماعية والأمراض النفسية التي أصابت الأسرة الجزائرية التي تنازلت عن أدوارها للشارع الذي بات يحتضن كل من لم يجد الأمان بين أهله، وكثيرا ما يكبر حجم هذه المأساة عندما يكون بين الفارين من بيوتهم فتيات ونساء لم تحقق لهن الأسرة الاستقرار، أو لأنهن لا يتوقعن منها المساندة والصفح عند الخطأ والتماس العذر عند التعرض للخديعة والغدر، فهمن على وجوههن في الشوارع الذي قابلهن بمزيد من الضياع وكثير من الانحراف، وهذا ما تعبر عنه هذه الحالات التي قابلناها.
اسألوا الظروف
روزا، فتاة خجولة منطوية تبلغ من العمر 23 سنة، استطاعت الظروف القاسية التي رمت بها إلى الشارع أن تحولها إلى كتلة متحركة من الحروق التي بدت واضحة على كل ما بدا من جسمها، جاءت من قسنطينة بعد وفاة والديها في حادث تسرب الغاز، فتكفلت بها أختها المتزوجة التي تسكن في إحدى القرى بسطيف، ولكن شاء القدر أن تموت أختها ليطردها زوجها إلى الشارع الذي احتضنها لأكثر من ثلاث سنوات، هذه الظروف القاسية جعلتها تتعرف على شاب أقنعها بالزواج بالفاتحة فوافقت، ولكنها لم توفق في العيش معه بعد أن أنجبت طفلتها والتي اضطرت فيما بعد إلى إيداعها دار الطفولة المسعفة لتعود هي إلى الشارع من جديد لتستأنف رحلة الفقر والذل والمساومة.
جنيت على نفسي
“لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن يصل بي الأمر إلى هذا الوضع المزري، كنت متصورة أنني أستطيع أن أتزوج مثل باقي الفتيات عندما تتاح لي فرصة التعرف على الرجل المناسب، ولكني وقعت في خطأ كبير وها أنا أدفع ثمنه حتى اليوم” كان هذا تصريح سعيدة ذات الـ 32 سنة التي قدمت الى سطيف من جيجل بعدما طردها والدها من البيت لأنها مرغت سمعة العائلة في الوحل بعدما تعرفت على شاب غدر بها، وخوفا من الفضيحة تم ترحيلها بأمر من زوجة أبيها إلى سطيف حيث ارتكبت نفس الخطأ مع والد ابنتها غير الشرعية، وتخشى سعيدة التي بدت في الشهور الأخيرة من الحمل أن تضع مولودها في الطريق، سيما وأنها لا تعرف أحد في المدينة.
ضحية الطلاق
أما سارة ذات الـ 25 سنة، فهي ثمرة زواج فاشل بين أب جزائري وأم فرنسية، فبعد طلاقهما انتقلت للعيش مع أبيها في العاصمة، لكن زوجته طردتها وهو ما جعلها تعود إلى قسنطينة حيث ولدت وترعرعت، فاشتغلت خادمة لدى إحدى الأسر، وسرعان ما تعرفت على رجل وتزوجت منه، حيث عاشت معه لمدة أربع سنوات، ولكن ما إن توفي في حادث مرور حتى نشبت بينها وبين أهله خلافات حادة أدت إلى انتقالها إلى مدينة سطيف، حيث اشتغلت خادمة عند إحدى السيدات وخلال هذه الفترة تعرفت شخص آخر وتزوجت منه، ولكنها انفصلت عنه بعد أربع سنوات أيضا، واضطرت أن تؤجر بيتا لتعيش فيه بمفردها، ولكن ضعف المدخول اضطرها لأن تتركه وتحتمي بجدران الشوارع.
الهروب من العقاب
سنوات طويلة قضتها آمال التي تبلغ من العمر 39 سنة في الشارع الذي أصبحت تعرفه ويعرفها، وتعودت على تقلباته ومخاطره، بدأت مأساتها قبل سنوات عديدة، حينما كانت متوجهة على متن الحافة إلى العاصمة لزيارة أختها، ولكنها تعرضت للاختطاف من طرف رجل قام باحتجازها في بيته لعدة أيام قبل أن تتمكن من الهروب، وبدل أن تعود إلى أسرتها، هامت على وجهها في الشوارع خوفا من العقوبة التي تنتظرها من والدها، واختارت أن تذهب إلى سطيف، حيث دفعت مستحقات فندق صغير لتأوي إليه في المساء، في تلك الفترة تعرفت على متسولة عرضت عليها فكرة التسول عبر الولايات على أن ترتدي الحجاب وتمتنع عن مخالطة الرجال فوافقت على الفور، وما هي إلا مدة قصيرة حتى تعرفت على شخص رق قلبه لحالها وطلبها للزواج، ولكنها اكتشفت أنه منحرف، لذلك كان يدفعها للتسول لتدفع ثمن مبيتهما في الفندق وتؤمن له ما يحتاجه من خمر ومخدرات، واستمر الوضع على هذا الحال طويلا، إلى أن قررت ذات يوم أن تنهي علاقتها به وتمضي إلى الشارع بعد أن عجزت عن دفع مستحقات الفندق.
عندما يغيب الإحساس بالمسؤولية
جزء كبير من المسؤولية تتحمله الأسرة التي تخلت عن دورها في حماية بناتها على غرار أسرة آمال التي سمحت لها بقطع مسافة كبيرة لزيارة أختها التي تسكن في العاصمة فتعرضت للاختطاف والاغتصاب، وجزء كبير من المسؤولية تتحمله الفتاة الطائشة التي لا تهتم لسمعة الأسرة فتلقي نفسها بين أيدي ذئاب بشرية وأشباه رجال لا يخافون الله، فلو تحمل كل طرف مسؤوليته كما ينبغي وتصور حجم الجريمة التي يرتكبها في حق الأخريين وفي حق نفسه لاختفت هذه الظواهر في مجتمعنا.