هذه هي الجنّة.. فماذا أعددت ثمنا لها؟
يساق المؤمنون يوم القيامة إلى الجنّة زمرا حتى إذا أتوا أبوابها تلقّتهم الملائكة بالبشرى: ((سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين))، فادخلوها خالدين، بمعنى: لا خروج ولا موت، ولا انقطاع للنعيم أبدا.
النساء أجمل وأبهى من الحور العين، والرجال على صورة أبيهم آدم -عليه السلام- في عمر الفتوة والشباب أبناء ثلاث وثلاثين، وجوههم أبهى من القمر ليلة البدر، لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، لكلّ رجل منهم في قصره وخيمته أزواج، وله فيها حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، أبكار: لم يمسسهنّ أحد قبلهم من جنّ ولا إنس، عرُب: متحببات متذللات لأزواجهنّ، وأتراب: متقاربات في السنّ، مطهّرات من كلّ دنس حتى من البصاق والمخاط، جمالهنّ لا يوصفّ حتى إنّ الواحدة منهنّ لو اطّلعت على أهل الأرض لأضاءت الأرض لنورها ولامتلأت ريحا لطيبها، حور عين يغنين لأزواجهنّ بأعذب وأجمل وأندى صوت لم يسمع في الدنيا مثله قطّ. أمّا المؤمنة الصالحة فإنّها تكون سيّدةً للحور العين، لا يقارن جمالهنّ ولا أصواتهنّ بجمالها وصوتها، تكون أقرب وأحبّ إلى زوجها منهنّ جميعا، وليس في الجنّة غيرة ولا تنافس ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين)).
يلبس أهل الجنّة الحرير ويتحلّون بالذهب والفضّة واللؤلؤ، ويأكلون ويشربون في آنية الذهب والفضّة، ويجلسون في البساتين على السرر والأرائك والفرش، ويتكئون على الزرابي والنمارق، يتقابلون ويتزاورون ويتسامرون ويتضاحكون، ويتذاكرون ما كانوا عليه في الدنيا وما منّ الله عليهم في الجنّة: ((وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ. قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيم)).
وبينما هم كذلك إذ يأتيهم ملك فيقول لهم: إنّ الله –تعالى- يأمركم أن تزوروه، فيجتمعون، فيأمر الله داود -عليه السّلام- الذي أوتي أعذب صوت خلقه الله، فيرفع صوته بالتسبيح والتهليل، فيطرب أهل الجنّة لصوته، ثمّ توضع مائدة الخلد زاوية من زواياها أوسع ممّا بين المشرق والمغرب فيطعمون ثمّ يسكنون، وبينما هم في ذلك النعيم إذ سطع لهم نور من فوقهم فيرفعون رؤوسهم فإذا الجبار -جلّ جلاله- قد أشرف عليهم من فوقهم، فيقول: السّلام عليكم يا أهل الجنّة، فلا يلتفتون إلى شيء ممّا هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه تعالى حتى يحتجب عنهم وتبقى فيهم بركته ونوره. إنّه أعظم نعيم في الجنّة، نعيم ليس بعده نعيم، لذّة النظر إلى وجه الله الكريم، النّظر إلى من حجابه النّور، ومن لو كشف الحجاب في هذه الدنيا لأحرقت سبحات وجهه ما امتدّ إليه بصره.. نسأل الله أن يرزقنا الجنّة وما قرّب إليها من قول أو عمل.