جواهر
نظمن مظاهرة نسوية خلال الثورة التحريرية

هكذا أربكت نساء وادي الماء بباتنة عساكر فرنسا صائفة 1961

صالح سعودي
  • 4378
  • 0
ح.م

أجمع العديد من المتتبعين بأن مظاهرات 15 جويلية 1961 بوادي الماء (باتنة)، تعد من الأحداث التي صنعت الحدث خلال الثورة التحريرية، لكن طواها النسيان بسبب غياب العناية والاهتمام من الناحية الإعلامية والتاريخية، خصوصا وأن هذه المظاهرات قادتها نساء بلدية وادي الماء بأمر من جبهة التحرير الوطني، ما خلف ردود فعل همجية من عساكر الاستعمار الفرنسي الذين تفننوا في ممارسة التعذيب والترهيب والاغتصاب لقمع هذه المظاهرة النسوية التي تعد في نظر بعض المتتبعين الأولى من نوعها في تاريخ الثورة التحريرية.

أكد الدكتور رفيق بوبشيش لـ”الشروق” بأن مظاهرات 15 جويلية 1961 التي قادتها نساء بلدية وادي الماء بباتنة تستحق الكثير من والاهتمام والاستذكار، وتعد في نظره حدثا تاريخيا صب في خدمة الثورة التحريرية، حين اخترقت نسوة وادي جدار الخوف، وقررن التظاهر استجابة لنداء جبهة التحرير الوطني، وتأكيدا لقوة التلاحم الشعبي موازاة مع المفاوضات الجارية مع الفرنسيين، وبالمرة التأكيد على أن الجزائر جزائرية. حيث جابت هذه المظاهرة حسب محدثنا مختلف شوارع البلدية بقيادة المجاهدة عطية نونة ومجموعة من نسوة البلدية، حاملات العلم الوطني رمز الوطنية، لتعبر هذه المظاهرة عن دعم الشعب لجبهة التحرير الوطني.

 

مظاهرة نسوية خالصة أخلطت حسابات الاستعمار

وقد تم التحضير لهذه المظاهرات لمدة أسبوعين قبل انطلاقها وتنفيذها، وذلك لتحديد يوم المظاهرة ومكان الانطلاق، وبالمرة تكليف النساء المشاركات بمهامهن، وتقسيمهن إلى عدة مجموعات، حيث كلفت خنساء المنطقة، المجاهدة الراحلة عطية الخامسة بقيادة التظاهرة التي لباها أكثر من 250 امرأة في 5 أفواج متفرقة، وذلك استجابة لمطلب جبهة التحرير في المنطقة. وحسب الدكتور رفيق بوبشيش من جامعة باتنة، فقد تم اختيار يوم السبت 15 جويلية 1961 لعدة أسباب، منها  نقص وحدات الجيش الفرنسي المتمركزة في البلدية، لان يوم السبت هو اليوم الذي اعتادت فيه مجموعة من وحدات الجيش الذهاب إلى باتنة، مثلما ذهب إليه السيد دواق مداني الذي كان من ضمن الاطفال الذين رافقوا النسوة في هذه المظاهرة، حيث أكد ل”الشروق” بأن الانطلاق كان في حدود الساعة التاسعة والنصف صباحا، بداية من نقطة تجمع النسوة بحي القواتن (براكتة حاليا). وكانت المظاهرة بقيادة المجاهدة نونة، التي كانت من المجاهدات المخضرمات فيتلك المرحلة (من مواليد 1917)، كما كانت توصف بالخنساء، بحكم أنها ترملت وهي صغيرة، ناهيك عن استشهاد اثنين من اخويها، ما جعلها تتولى عملية تنظيم وهيكلة المظاهرات ودعوة نسوى المنطقة الى الخروج بشكل جماعي في مظاهرات حاشدة تشكلت من حوالي 4 إلى 5 أفواج، كل فوج كان مشكلا حسب بعض الذين تحدثوا ل”الشروق” من حوالي 50 نسوة على الأقل، وقد جابت النسوة المتظاهرات مختلف شوارع البلدية الرئيسية حاملات العلم الوطني ومرددات -تحيا الجزائر- بكل شجاعة. 

 

المظاهرات كانت متوقعة والماضي الثوري شجع نساء المنطقة 

وأكد الدكتور رفيق بوبشيش من جامعة باتنة بأن هذه المظاهرات جاءت استجابة لنداء جبهة التحرير الوطني، في إطار المفاوضات مع الاحتلال الفرنسي، وجاءت حسب قوله لتؤكد على أن جبهة التحرير هي الممثل الرسمي للشعب الجزائرية، فيما أكد الأستاذ سليماني خميسي بأن هذه مظاهرات وادي الماء النسوية لم تكن عفوية، بل اتسمت بالتخطيط ورسم الأهداف بشكل مسبق، كما وصفها محدثنا بالمنتظرة، بناء على الماضي التاريخي والثوري للمنطقة، على غرار ثورات 1871 وثورة عمر أوموسى 1916 وغيرها من المقاومات التي عرفت بها المنطقة الواقعة بين جبال الشلعلع ومستاوة، في الوقت الذي أكد الدكتور رفيق بوبشيش بأن مظاهرات 15 جويلية 1961 علاوة على طابعها النسوي، فقد سبقت مظاهرات سلمية هامة على مستوى ربوع الوطن، على غرار مظاهرات 11 ديسمبر 1961.

 

اعتقالات.. تعذيب واغتصاب وممارسات وحشية لكسر المظاهرات 

وقد خلفت مظاهرات وادي الماء بباتنة الكثير من ردود الفعلية الوحشية من طرف الاستعمار الفرنسي، فبعد الاحتكاك مع جنود العدو الفرنسي في الشارع المقابل لمركز البريد حاليا، تم تفريق النساء المتظاهرات، فمنهن من فررن إلى البيوت المجاورة، ومنهن من أخفين الأعلام الوطنية العلم، فيما وقعت الكثير منهن في قبضة جنود عساكر الاستعمار الفرنسي الذين قاموا باقتيادهن إلى الثكنة العسكرية المتواجدة على مستوى البلدية،  وأرغمنهن على الجلوس في ساحة الثكنة حتى مجيء الحاكم العام، المدعو جون غوني بغنسو. وحسب رفيق بوبشيش فإن هذه المظاهرة فاجأت جنود العدو الفرنسي، فجاء رد الفعل عنيفا، من عمليات وقمع وتعذيب، حيث تم رش النسوة الجالسات في ساحة الثكنة بالدواء والدهن الأحمر، كما قام الجنود بوضع إحدى النساء في بئر متواجدة بالثكنة، وتجريد بعضهن من الثياب، ولم يكتف الجنود الفرنسيين بذلك، بل قاموا بضربهن وإذلالهن بقص شعر بعضهن، كما قام الجنود بتعليق إحدى النساء على دبابة متواجدة قرب الثكنة، وحسب محدثنا فقد دامت عمليات التعذيب والاستنطاق عدة ساعات، حيث تقرر إطلاق البنات والشابات، مع الإبقاء على النساء العازبات في الثكنة إلى غاية أمسية ذلك اليوم، وهن ملطخات باللون الأحمر، وأثناء خروجهن تعرضن للضرب من قبل 30 عسكري تم توزيعه على جانبي باب الثكنة، وهو ما أشارت إليه كل من بوبشيش بليدة، ونوارة تولميت وعطية وناسة وغيرهن، وأكدت عطية وناسة للشروق بأن والدتها المجاهدة عطية الخامسة (المدعوة نونة) عرفت كيف تفر من قبضة العساكر الفرنسيين رغم أنها كانت في صدارة المنظمين لهذه المظاهرة، وقد تمت معالجتها من طرف ممرضي جيش التحرير الوطني بعد أن تم حملها إلى الجبل، فيما أكد السيد دواق مدني بأن والدته حجار فاطمة تعرضت لكسور وضربات قاسية، عجّلت بنقلها إلى مستشفى مروانة للعلاج، وخضوعها لاعتقال وجلسات استنطاق من طرف عساكر الاستعمار الفرنسي.

 

رفع الأعلام الوطنية أبرز رسالة في المظاهرات لتكريس هوية الجزائر

ويجمع الكثير من المؤرخين وكذا المجاهدين الذين تحدثوا ل”الشروق” بأن المغزى الحقيقي من مظاهرات نساء وادي الماء يوم 15 جويلية 1961 هو رفع العلم الوطني عاليا، والتأكيد على جزء عميق من هوية الشعب الجزائري، وهو الراية الوطنية الموحدة، وهو ما ذهب إليه الباحث عيسى براهيمي الذي أكد بأن خروج النسوي في مظاهرات حاشدة ومنظمة لم يتم بشكل اعتباطي، بل تجسد بالتنسيق مع قيادة جيش التحرير الوطني، بغية توصيل رسائل هامة للرأس العام الوطني والأجنبي، وفي مقدمة ذلك التأكيد على أن رمزية العلم الوطني، وهو الكلام الذي تتفق فيه السيدة بوبشيش بليدة التي كانت في صدارة هذه المظاهرة حاملة العلم الوطني، حيث أكدت خلال نزول “الشروق” في بيتها، بأن النسوة اللاتي تم اعتقالهن بعد المظاهرة طلب منهن وضع أيديهن على العلم الفرنسي، لكن جميع النسوة رفضن، وفي كل مرة يرغمهن احد العساكر على هذا العمل يصحن بشكل جماعي رفا لخيار لمس راية الاستعمار الفرنسي. وحسب رفيق بوبشيش فإن هذه المظاهرة قد أكدت على رفض الشعب الجزائري التبعية للمستعمر الفرنسي، وبالمرة التمسك بمبدأ أن الجزائر جزائرية، مشيدا بوقفة الجميع بما في ذلك العنصر النسوي وراء جيش التحرير الوطني في أوج الكفاح، وخلال مرحلة المفاوضات الحاسمة من اجل الاستقلال.

 

دواق مدني لـ”الشروق”: المظاهرات كشفت عن شجاعة النسوة في رفع لواء الثورة 

أكد السيد مداني دواق في حديث لـ”الشروق” بأن مظاهرات وادي الماء بباتنة يوم 15 جويلية 1961، كشفت على شجاعة النساء، ورغبتهن في رفع لواء الثورة، وبالمرة التكيف مع قرارات قيادة جيش التحرير الوطني للضغط على فرنسا بالطرق السلمية وغير السلمية، مشيرا إلى التحضير المحكم، والتخطيط في سرية لإنجاح المظاهرات على مدار أسبوعين، ناهيك عن تقسيم الأفواج المقترحة على شوارع منطقة وادي الماء، وكذا توفير العدد الكافي من الأعلام الوطنية، سواء من المجاهدين وقيادات جبهة التحرير الوطني، مؤكدا بأن توقيت تنظيم المظاهرة كان مدروسا، حيث تم اختيار يوم السبت (15 جويلية 1961)، لأنه يتزامن مع نقص التعداد العسكري للاستعمار الفرنسي، بسبب تنقله إلى باتنة كل يوم أربعاء وسبت، كما تزامن ذلك مع إقامة عرس لأحد أعيان المنطقة، ما جعل الفرصة لتنظيم المظاهرة، ومباغتة العدو الفرنسي بمشاركة مختلف المناطق المجاورة، على غرار حي بن علي، وعين جاسر ولقصر ومروانة وغيرها، وأكد السيد دواق مداني بأنه كان ضمن المشاركين في المظاهرة بحكم انه كان شابا (حوالي 20 سنة) وفضل تتبع والدته حجار فطيمة التي كانت عنصرا فاعلا في عملية التنظيم والقيادة رفقة المجاهدة الفذة عطية الخامسة (نونة)، مؤكدا على أن والدته تعرضت لأضرار كبيرة بعد إسقاطها من طرف العساكر الفرنسيين رفقة عدة نسوة أثناء انطلاق المظاهرات، وتم نقلها إلى مروانة للعلاج مصحوبة بعملية استنطاق، بغية معرفة ملابسات وأسباب تنظيم هذه المظاهرة، كما لم يخف محدثنا عمليات التعذيب والإذلال التي مارسها العدو الفرنسي ضد النساء المشاركات في المظاهرات ممن تم القبض عليهن، وتم تحويلهن إلى الثكنة للتعذيب والاستنطاق، مشيرا إلى قيام عساكر الاستعمار بقلع أظافر أيديهن وأرجلهن، وتعذيبهن بمختلف الأشكال، قبل أن يتم رميهن بشكل جماعي أثناء إخراجهن من الثكنة، وأكد دواق مدني بان المظاهرات مست 5 شوارع، ب 5 أفواج بعدد إجمالي يتعدى 250 امرأة، وختم محدثنا حديثه ل”الشروق” بأن الغالية من الجميع في تلك الفترة هو الاستقلال وإرغام الاستعمار على المغادرة، ملمحا في الوقت نفسيه بأن هناك من لم يحصل على حقوقه بعد الاستقلال، ولو أن الأهم حسب قوله هو أن الجزائر الآن معززة مكرمة، وهي في حاجة إلى جدية أبنائها لتعبيد مسار الحرية والاستقلال.

 

المتظاهرات عانين التعذيب وأغلبهن لم ينلن حقوقهن رغم الوعود

وخلال حديثنا المباشر مع عديد النسوة اللاتي شاركن في المظاهرات، فقد تأكد بأن الكثيرات لم ينلن حقوقهن رغم الوعود المقدمة لهن من طرف الجهات الوصية، مباشرة بعد نيل الاستقلال، حيث تشير المجاهدة بوبشيش بليدة بأنها كانت وراء التحضير للمظاهرات أسبوعين قبل الموعد المبرمج، بأوامر من أحمد يطو الذي يشغل مهمة إخباري المنطقة، وكفلت بتحضير وتوزيع الأعلام، على غرار عديد النسوة بقيادة المجاهدة الفذة عطية الخامسة (المدعوة نونة)، مؤكدة في السياق ذاته بأنها من عائلة مجاهدة، فوالدها عانى من السجن لمدة 3 سنوات، ناهيك عن مساهمتها في اغتيال احد قادة امن فرنسا في تلك الفترة..

وحسب قولها، فقد تلقت شهادة من المسؤول الأول أحمد يطو يؤكد على قيامها بجميع الواجب التي أمرت بها، إلا أنه في النهاية لم تتكفل الجهات المعنية بدراسة ملفها، والكلام نفسه ينطبق على نوارة تولميت (84 سنة)، التي أكدت ل”الشروق” بأن هناك من وعدها بتسوية ملفها منذ 19 سنة، لكن لا شيء ملموس حد لحد كتابة هذه الأسطر، فيما تعرضت نسوة أخرى للتعذيب الوحشي وكذا الاغتصاب الجماعي بعد تلك المظاهرة، إلا أنهن لا زلن يعانين في صمت، حتى أن بعضهن رفضن الحديث لوسائل الإعلام، وبالمرة إخفاء أسرارهن وأحزانهن بدل تبليغ شكاويهن دون أن تلقى الاهتمام اللازم.

مقالات ذات صلة