هكذا أساءت فرنسا قراءة ثورة التونسيين على بن علي
عندما استيقظ الرئيس زين العابدين بن علي في الرابع عشر من جانفي 2011م، كان يتوقع مرور يوم آخر صعب من أيام” الخراب العبري” علما أنه في الليلة التي تسبق هذا اليوم، بذل قصارى جهده من خلال خطابه التلفزيوني الثالث، طالبا من مواطنيه أن يمنحوه مهلة ستة أشهر لإجراء الإصلاحات كما تعهد في الخطاب ذاته بالتخلي عن السلطة دون السعي إلى ولاية سادسة.
كان الهدف من ذلك الخطاب الذي ألقاه بالعربية العامية هو تليين قلوب المواطنين التونسيين. وهذا ما يمكن تحسُّسه من تكراره في عدة مناسبات عبارة: “أنا أفهمكم”..
كان صهره ورئيس إحدى شركات الاتصالات مروان مبروك، قد طلب من أصدقائه في وقت سابق إعداد أهمّ نقاط الخطاب الذي ألقاه زين العابدين. غير أن التونسيين لم يجدوا أيّ فائدة من تلك الوعود التي قطعها بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الحكم.
منذ أن أحرق محمد البوعزيزي نفسه -وهو تاجر الفواكه والخضروات المتجوّل من سيدي بوزيد بوسط البلاد- في 17 ديسمبر2010م، أطلق التونسيون حركة احتجاج اجتماعية واسعة النطاق، مدجّجة بالنقابات وحركات المعارضة السياسية. ليرد الرئيس بن علي -الذي لم تكن لتتعرض إلى هذا الحد سلطته للتشكيك- بخطابين صارمين، ما أدى إلى تأجيج الثورة.
في صبيحة اليوم التالي، استقبل بن علي في قصر قرطاج الجنرال علي السرياطي، مدير الأمن الرئاسي. نظرا لحساسية وخطورة الأنباء والمعلومات الواردة من وحداته ووحدات الشرطة. في الوقت الذي لا يزال فيه عشرات الآلاف من التونسيين مرابطين في شارع بورقيبة، للمطالبة برحيل الرئيس، قدَّم السرياطي خطة لإجلاء رئيس الدولة وعائلته، يتم من خلالها نقل جزء منهم إلى قصر سيدي ظريف في سيدي بوسعيد.
في حدود الساعة الواحدة ظهراً، اتصل السرياطي بالرئيس زين العابدين بن علي ليخبره بأن المظاهرة أصبحت خارجة عن السيطرة. كانت المنازل الفاخرة (فيلات) التابعة لأصهاره، عائلة الطرابلسي، من بين أهداف المتظاهرين الذين انتشروا أيضاً وتمركزوا حول مبنى وزارة الداخلية. وبعد ساعتين، اتخذ بن علي التدابير اللازمة لإعلان الأحكام العرفية. ليعترف بعد ذلك للسرياطي قائلا: “لم يعد الأمر من شأننا، بل أصبح من شأن الجيش” وطلب من الجنرال رشيد عمار، رئيس أركان الجيش التونسي، أن يذهب إلى وزارة الداخلية لتولي مسؤولية عمليات فرض النظام والقانون. كما قرّر زين العابدين أن ينقل أسرته إلى مكان آمن في جدة بالمملكة العربية السعودية – علما أن الرئيس زين العابدين كان قريباً جدّا من ولي العهد الأمير نايف، الذي أمضى معه وقتا لا بأس به، وذلك عندما كان الرجلان وزيرين للداخلية- إذ كان عليه أن يتصل به شخصيا ليطلب منه الترحيب بعائلته. أما رئيس الدولة التونسية آنذاك، فقد أبدى نيته البقاء في تونس.
كانت الاستعدادات جارية لتوليه قيادة العمليات من مقرّ إقامة رسمي سري، وذلك على بعد نحو أربعين كيلومترا من شمال تونس. في وقت أبدى فيه السرياطي عدم قدرته على ضمان أمن الرئيس التونسي، مبلِّغا الرئيس توجُّه طائرة هليكوبتر نحو القصر واستعداد فرقاطتين من الحرس الوطني لإطلاق النار على المحتجّين.
بناءً على تطور الأحداث، صدر أمر بمغادرة الرئيس وعائلته إلى المطار العسكري.
وعند وصوله إلى هناك، علم حينها رئيس الدولة وأقاربه أن المتمردين هم من الشرطة والحرس الوطني المتواجدين بالمطار المدني.
قبل أن يطير الرئيس السابق وعائلته إلى جدة، طلب من رئيس الأمن البقاء. ليتم بعد ذلك وبناء على أوامر وزير الدفاع، رضا قريرة، اعتقال السرياطي. وظل السرياطي محتجزًا بالمطار في قاعة كبار الشخصيات، ليتابع منها على شاشة التلفزيون مراسيم انتقال السلطة.
وفي كلمة ألقاها رئيس الوزراء آنذاك محمد الغنوشي إلى المواطنين التونسيين، مستشهدا في ذلك بالمادة 56 من القانون الأساسي ضمانا لبقائه في السلطة. وبعد وقت قصير من وصوله إلى جدة، وخلافا لتعليمات الرئيس الذي كان ينوي العودة في صبيحة اليوم التالي، أقلع مرة أخرى قبطان طائرة إيرباص الرئاسية. ووفقًا لمحاميه، فإن بن علي، الذي كان لا يزال في منفاه بالمملكة العربية السعودية، كان ضحية انقلاب. ومن دون أن يشير السيد عازوري (المحامي اللبناني) إلى مهندس الانقلاب باسمه على وجه التحديد، فإن أصابع الاتهام كانت موجَّهة نحو الجنرال السرياطي الذي يُزعم أنه ضلَّل الرئيس. وفي كتابها “حقيقـتي”، اتهمت ليلى بن علي -بالإضافة إلى الجنرال- كلًّا من “القوى الأجنبية” والجيش التونسي.
في الواقع، كانت تونس الخطوة الأولى التي نظّر لها الأميركيون وأعلنت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس لتنفيذ خطة النظام العالمي الجديد في الشرق الأوسط. وهو الأمر الذي أكَّده الرئيس التونسي السابق، في حين يعتبر محاميه السيد عازوري، أن تلك مجرد وجهة نظر شخصية لموكله لا تستند إلى معلومات واضحة ودقيقة.
مختصر هذا المشروع يتلخص في التوقف عن دعم الدول التي توصف بكونها “ديكتاتوريات”، أو العمل على زعزعة استقرارها. بعد تونس، نفذت الولايات المتحدة الخطة في كل من مصر، وليبيا، واليمن وسوريا. ونحن نرى النتائج اليوم.
في الحقيقة، لا يوجد دليل رسمي على وجود مؤامرة أميركية. لكن ما يسمى “الثورة التونسية” جاءت بعد تسريب برقيات ويكيليكس من طرف دبلوماسيين أميركيين تتعلق بثروات عشيرة بن علي وأقاربه. اعترف بعد الأحداث أحد وزراء بن علي السابقين قائلا: “فشلنا، في ذلك الوقت، في قراءة العلامات. لا أعتقد أن الأحداث كانت مجرد صدفة”.
خلال الأزمة التونسية، اكتفى دبلوماسيو واشنطن بالدعوة إلى ضرورة الانتقال السلمي للسلطة وتفادي حمام الدم. وكانت أحد الرسائل التي نقلوها إلى بعض المسؤولين العسكريين والرجال التونسيين هي أن لا يد لهم في الرحيل المتسرِّع للرئيس، لكنهم في الوقت ذاته رحَّبوا بـ(ثورة) الشعب التونسي.
يعتقد الكثير من التونسيين، أن الجنرال رشيد عمار كان يحظى بدعم واشنطن تفاديا لخروج أيّ رصاصة على الحشد. وكان حينها السفير الأميركي، الذي تلقى تعزيزات من مشاة البحرية، واجهة لهذا الدعم الأمريكي. علما أن مقر إقامته يقع على مرمى حجر من قصر قرطاج، إذ كان الأميركيون يتابعون من شرفة المقر رحيل بن علي من مبنى الرئاسة. كما أجروا اتصالات عديدة بالمطار العسكري، علما أن العديد من الضباط
التونسيين، بما في ذلك من ينتمي منهم إلى سلاح القوات الجوية، تلقوا تدريباتهم في الخارج، بالخصوص في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، إذ كان التوتر هائلاً بين القوات شبه العسكرية والعسكرية المتواجدة هناك.
من جانبها، لم تكن فرنسا لتتوقع حدوث أمر كهذا في تونس، أو دعنا نقول لم تكن ترغب في انتقال السلطة هناك، فقبل ثلاثة أيام من سقوط بن علي، اقترحت ميشيل أليو ماري الخبرة الفرنسية لحل الوضع الأمني في تونس. في وقت لاحق، اعترف هنري غواينو قائلا “لقد أخطأنا في تقدير الثورة”، أمَّا بالنسبة لجان بيير رافاران، فكان الرضا عن النظام التونسي يعدّ من الأمور النظرية التي جرى طرحها على أعلى المستويات. علما أن السفير
الفرنسي بتونس بيير مينات لم يكن يقيّم بشكل سليم الوضع هناك؛ إذ قيل إنه عشية وحتى صبيحة الرابع عشر من جانفي، أكد أن النظام على الرغم من صعوبة المأمورية “قادر على الصمود”.
لا يوجد دليل رسمي على وجود مؤامرة أميركية. لكن ما يسمى “الثورة التونسية” جاءت بعد تسريب برقيات ويكيليكس من طرف دبلوماسيين أميركيين تتعلق بثروات عشيرة بن علي وأقاربه. اعترف بعد الأحداث أحد وزراء بن علي السابقين قائلا: “فشلنا، في ذلك الوقت، في قراءة العلامات. لا أعتقد أن الأحداث كانت مجرد صدفة”.
كانت السفارة الفرنسية تبلِّغ يوما بعد يوم عن تفاقم “التمرّد”. كما كانت، من جهة أخرى، تقوم بإصدار كل يومين أو ثلاثة أيام وبشكل متزايد تقارير مثيرة للقلق. يوضح مينات في أحد كتاباته، كاشفًا في جوهرها عن محتوى آخر برقية دبلوماسية له والتي قال فيها إن بن علي لعب آخر أوراقه أثناء خطاب مساء الثالث عشر من جانفي.
يسلّط، في الواقع، هذا النوع من الكتابات وبشكل أساسي الضوء على قلة اهتمام لدى الدولة الفرنسية، في ذلك الوقت، بالحقائق المرتبطة بالوضع السياسي في تونس، إذ لم يكن الانهيار البطيء للنظام
التونسي يهمّ حقًّا قصر الإليزي أو ماتينيون أو كيدورسي. لم يكن ساركوزي ليتحدّث قطّ
مع سفيره هناك، لا قبل مهمته ولا أثناءها ولا بعدها. كما لم يكن لدى المقرَّبين من الرئيس
الفرنسي السابق سوى اهتمام محدود بالنظام التونسي. كما أن التعاون الدفاعي بين كلٍّ من
قرطاج وباريس واجهته صعوباتٌ كثيرة. والأسوأ من ذلك هو كون المديرية العامّة للأمن الخارجي اشتكت من عدم تلقيها أيّ معلومات بخصوص تلك الأحداث من الأجهزة التونسية. باختصار، لم يعد الواقع التونسي تحت الرادار الفرنسي، ولا يملك السفير أيّ معلومات عن أنشطة بن علي.
عندما صعد هذا الأخير إلى طائرته، لم يكن أي أحد في باريس على علم بمكان هبوطه.
من هنا جاءت إلى المقربين من بن علي، أمثال كمال مرجان، وزير الخارجية التونسية
السابق، مكالمات مذعورة مصدرها مسؤولون فرنسيون لمعرفة وجهة الطائرة، خشية أن يختار بن علي فرنسا. وهو أمرٌ لا يمكن تصوّره في تقيم عليها جالية تتكون من ستمائة ألف تونسي. في مساء السابع والعشرين من فيفري، أعلن نيكولا ساركوزي تعديلا حكوميا عيّن بموجبه آلان جوبي وزيرا للخارجية، وجيرار لونجي وزيرا للدفاع، كما انتقل كلود
جيان من قصر الإليزي إلى وزارة الداخلية. وصرح بعدها ساركوزي بما يلي “إن هذه الثورات العربية من شأنها أن تفتح عهداً جديداً في علاقاتنا مع هذه البلدان التي تربطنا بها علاقاتٌ تاريخية وجغرافية وثيقة… لهذا السبب قرّرنا مع رئيس الوزراء إعادة تنظيم الوزارات التي تهم دبلوماسيتنا وأمننا” ليخلف في تونس، فتى ساركوزي، بوريس بويون، السفير مينا.