الجزائر
جنايات الدار البيضاء تحكم بالإعدام في حق 9 متهمين ضمن الملف:

هكذا أطاح مغاوير الأمن بـ”جرّار الكوكايين” في مزرعة مشبوهة!

نوارة باشوش
  • 1329
  • 0

“كبيرو” و”الطبيبي” وراء “تسونامي مخدرات” من الصحراء إلى “جسر أمريكا”

حجز 113 كلغ كوكايين وشحنة كبيرة من عقار “بريغابالين” موجهة لإغراق العاصمة

من أقصى الحدود الجنوبية وعبر المسالك الترابية والكثبان الرملية إلى ورقلة وتقرت، مرورا بولايات الجلفة، المسيلة، المدية، البليدة، وصولا إلى “جسر أمريكا” بأولاد فايت في أعالي العاصمة… شقّ جرار بمقطورة طريقه في الظلام حاملا شحنة “كوكايين” و”بريغابالين” ليصل مع رفع صوت الأذان والنداء لصلاة الجمعة، إلى مزرعة للأبقار والأحصنة والكلاب… هناك تتشكل الشبكة الإجرامية ضمن تشكيل دولي لتوزيع السموم مستهدفة الجبهة الداخلية مع سبق الإصرار والترصد…!

لكن التشكيلات القتالية من أسود قوات الأمن الخاصة، بين الحراسة المشددة، الملاحقات الميدانية، والأنفاق السرية للمزرعة المهجورة، كانت لهم بالمرصاد وفضحت مخططاتهم وأطاحت بـ”كبيرو” و”الطبيبي” ومن معهم، وجرتهم إلى العدالة… هي تفاصيل مثيرة كشفت عنها محكمة الجنايات للدار البيضاء انتهت بأحكام ثقيلة، تراوحت بين الإعدام والسجن النافذ، سلطها القاضي بعد ساعة الصفر من يوم الإثنين 05 أكتوبر الجاري في حق 16 متهما… تابعوا باقي القصة.

في واحدة من أثقل القضايا الجنائية المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، فتحت محكمة الجنايات الابتدائية بالدار البيضاء، الأحد 4 أكتوبر الجاري، أول ملف لأخطر شبكة دولية متخصصة في تهريب المخدرات الصلبة من نوع “الكوكايين” والمؤثرات العقلية من نوع “بريغابالين” أو ما يعرف بـ”التسونامي الكيمائي”، وتورط فيها متهمون جزائريون وأجانب.

المتهمون البالغ عددهم 16 متهما، مثلوا أمام هيئة محكمة الجنايات للدار البيضاء في العاصمة (مجلس قضاء الجزائر) عن تهم ثقيلة جدا تتعلق بجناية القيام بطريقة غير مشروعة باستيراد ونقل وتخزين وشحن وحيازة المؤثرات العقلية والمخدرات الاصطناعية قصد البيع، في إطار جماعة إجرامية منظمة عبر الوطنية، بغرض المساس بالأمن القومي والإخلال بالنظام العام والأمن العمومي، إلى جانب جناية التهريب الخطير الماس بالأمن والصحة العمومية، فضلا عن جناية تبييض الأموال في إطار جماعة إجرامية منظمة، الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بنص المواد 389 مكرر ـ 389 مكرر 2 من قانون العقوبات والمواد 17 فقرة 4 و19 و21 مكرر و21 مكرر 2 من قانون الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية والمادة 15 من قانون مكافحة التهريب.

“جسر أمريكا”… بداية سقوط الجرار…!

وقائع هذه العملية النوعية، انطلقت يوم 10 سبتمبر 2025، بناء على معلومات مؤكدة وردت إلى مصالح الأمن المختصة، مفادها وجود شبكة إجرامية مختصة في تهريب ونقل المخدرات الصلبة والمؤثرات العقلية، يقودها كل من المدعو نورية صابر المكنى “الطبيبي”، وشريكه المدعو سالم الأمين المكنى “كبيرو”، نفس المعلومة تفيد أنهم بصدد نقل شحنة كبيرة من المخدرات والمؤثرات العقلية من إحدى الولايات الجنوبية باتجاه المدن الشمالية، كما أن هذه الشبكة الإجرامية تستعمل شاحنة جرار طرقي ذات مقطورة من نوع “رونو”، لنقل المخدرات.

هذه المعلومات التي تم استغلالها ورسم خطة محكمة بغية الإطاحة بهم، كللت المهمة بحجز شحنة معتبرة من مادة المخدرات الصلبة “كوكايين” على شكل رزم مغلفة بأكياس بلاستيكية بيضاء وسوداء اللون يقدر عددها بـ103 رزمة بوزن إجمالي قدره 113 كلغ و550 غرام، وشحنة من المؤثرات العقلية من نوع “بريغابالين 300 ملغ” على شكل رزم مغلفة بأكياس بلاستيكية سوداء اللون قدرتها بـ75 رزمة بمجموع 225030 كبسولة، المضبوطة داخل شاحنة جرار طرقي ومقطورتها المشار إليهما أعلاه، وتم فتح تحقيق بعد التنسيق مع وكيل الجمهورية لدى محكمة المسيلة، بموجب طلبات لتمديد الاختصاص، إلى اختصاص محكمة ورقلة بغية تحديد ورصد الشاحنة المستعملة في نقل هذه الكمية من المخدرات والمؤثرات العقلية، مع تحديد هوية أفراد الشبكة وتوقيفهم وحجز كل ما يفيد التحقيق.

وأفضت الأبحاث والتحريات الميدانية إلى أن الشاحنة كانت بصدد التنقل باتجاه مدينة ورقلة انطلاقا من مدينة المسيلة، كما تم تحديد مكان تواجد الشاحنة ووضعها تحت المراقبة، وعليه بتاريخ 10 سبتمبر 2025 في حدود الساعة السادسة مساء تم تسجيل خروج الشاحنة من مدينة المسيلة باتجاه مدينة ورقلة، الناص على التنقل إلى اختصاص محكمة ورقلة من أجل مواصلة عملية التتبع لذات الشاحنة ورصد باقي عناصر الشبكة.

وعلى هذا الأساس، تم التنقل إلى مدينة ورقلة في مهمة استطلاعية لتتبع تحركات الجماعة الإجرامية انطلاقا من مدينة المسيلة مرورا بعدة ولايات إلى غاية ولاية تقرت، تم التوقف في حدود الساعة الثانية صباحا إلى غاية الساعة الثامنة صباحا من نفس اليوم، ثم انطلقت الشاحنة مرة أخرى باتجاه مدينة ورقلة، لتصل في تمام الساعة السابعة مساء، ثم عادت مجددا من مدينة ورقلة باتجاه مدينة تقرت، وقبل ذلك انحرفت إلى أحد المسالك الترابية الواقع بين مدينتي ورقلة وتقرت، بعيدا عن مصالح الأمن المدمجة في المسالك الترابية والكثبان الرملية.

بتاريخ 11 سبتمبر 2025، على الساعة التاسعة والنصف مساء تم تسجيل خروج ذات الشاحنة من مدينة ورقلة باتجاه مدينة الجزائر العاصمة، مرورا بعدة ولايات منها ولاية الجلفة وولاية المسيلة وولاية البليدة، وعند وصولها إلى إقليم ولاية الجزائر في اليوم الموالي في حدود الساعة الواحدة والنصف زوالا متجهة إلى المنطقة المسماة “جسر أمريكا” بالمدية.

وبموجب إذن بتمديد الاختصاص الصادر عن وكيل الجمهورية لدى محكمة المسيلة والمؤشر عليه من طرف وكيل الجمهورية لدى محكمة الشراقة بالجزائر العاصمة، القاضي بالتنقل إلى اختصاص محكمة الشراقة لأجل تحديد باقي المعطيات ورصد كل وسيلة مستغلة في تأمين ومرافقة الشحنة وتحديد هويات باقي أطراف الشبكة، انتقل عناصر الأمن بعد تشكيل أفواج عملياتية بالزي المدني والرسمي.

“الله أكبر” نداء لصلاة الجمعة… وسر المزرعة المشبوهة!

وتزامنا مع صلاة الجمعة من يوم 12 سبتمبر 2025، وصلت الشاحنة محل التتبع إلى منطقة أولاد فايت بالضبط أمام محور الدوران المسمى “جسر أمريكا” الذي يبعد عن المزرعة بحوالي 400 متر، وبعد مرور وهلة من الزمن، حوالي 20 دقيقة، تقدمت من الشاحنة سيارة من نوع “غولف” من الجيل الخامس زرقاء اللون، على متنها شخصان، ويتعلق الأمر بالسائق المدعو “غربي عبد الرحيم” ومرافقة المدعو “قاسمي السعيد”، وتحدثوا مع سائق الشاحنة وغادروا المكان إلى وجهة مجهولة.

بعد مغادرة السيارة وبعد مرور حوالي 20 دقيقة أخرى، تقدمت من الشاحنة دراجة نارية سوداء اللون على متنها شخص يرتدي لباسا رياضيا أزرق اللون “لاكوست” كان في قيادتها المسمى “قاسمي السعيد”، أين قامت الشاحنة بتتبع الدراجة النارية إلى غاية الوصول إلى المزرعة عبر مسلك ترابي غير معبّد، وبالوصول إلى المزرعة، قام المدعو “قاسمي السعيد” بالنزول من الدراجة وفتح سياج المزرعة من أجل إدخال الشاحنة وتم ركنها في مكان شاغر وغادر سائقها نحو وجهة مجهولة، في حين مكث المدعو “قاسمي السعيد” خارج المزرعة وبقي في حراسة الشاحنة، ثم أجرى اتصالات بواسطة هاتفه النقال، فيما كان يقوم شخص آخر يدعى “صالحي سالم” على متن سيارته من نوع “بولو” بحراسة المزرعة، حيث كان يقوم بمسح كلي لمحيط المزرعة، وكذا المسالك المؤدية لها الرئيسية منها والترابية وهذا بشكل متكرر، في حين تكفل المدعو “رشيد بن عبد السلام” عن طريق سيارته من نوع “غولف” من الجيل السادس بمرافقة محيط المزرعة من خلال تنقله ذهابا وإيابا مع تخفيض سرعة المركبة من أجل مراقبة وتفحص الأشخاص.

وفي حدود الساعة الرابعة والنصف من نفس اليوم، عاين عناصر الأمن توقف سيارة رمادية اللون من نوع “هيونداي 109” بجوار محور الدوران وبالضبط في نفس النقطة التي توقفت فيها الشاحنة قبل دخولها إلى المزرعة، وكان في قيادتها المسمى “نقاز عمر” مرفوقا بشخص آخر يدعى “فهد ربحي”، ليقوم هذا الأخير بالنزول وإجراء مكالمة هاتفية وكان يحمل بيده كيسا بلاستيكيا أسود اللون، كان بداخله معدات وأدوات ميكانيكية.

وبقيت المركبة مركونة في نفس النقطة، وبعد مدة من الزمن بحوالي 5 دقائق من إجراء المكالمة سالفة الذكر، تقدمت من المسمى “ربحي فهد” دراجة نارية على متنها المسمى “قاسمي السعيد”، أين تبادلا الحديث، وركب مع الأخير على متن الدراجة النارية، حاملا الكيس البلاستيكي أسود اللون، واتجها مباشرة إلى المزرعة ودخلا بعد فتح سياج المزرعة من قبل المسمى “قاسمي السعيد”، وفي حدود الساعة الرابعة و40 دقيقة مساء من يوم 12 سبتمبر 2025 وبعد دخول المدعوين “ربحي فهد” و”قاسمي السعيد” إلى المزرعة على متن الدراجة النارية، تم معاينة قيام هذين الأخيرين بالنزول من الدراجة النارية والتوجه مباشرة إلى الشاحنة، ساعتها قام المدعو “ربحي فهد” بالدوران على الشاحنة والمقطورة، ليبقى، بعد تفحص الشاحنة، خلف المقطورة، وقام بإخراج المعدات التي كانت بحوزته والتي كان يضعها في الكيس البلاستيكي الأسود والبدء في فك البراغي الخاص بالمخبأ السري المتواجد في الجهة الخلفية السفلى للمقطورة.

وفي تلك الأثناء، تقدمت مجموعة من الأشخاص من بينهم شخص يرتدي “قميصا نص كم” “تيشيرت” صيفيا أصفر اللون ويتعلق الأمر بالمدعو “بلعربي عز الدين”، وشخص آخر يرتدي قميصا أزرق أملس “لم يتم تحديد هويته”، بالإضافة لشخص ذو بشرة سوداء ويتعلق الأمر برعية إفريقية من جنسية غينية يدعى “سيلا محمد”، هذا الأخير صعد فوق المقطورة وفتح بابها الخلفي وهذا بدفعه من الجهة الداخلية، ليقوم جميع المتواجدين في المكان بمساعدته لفتح الباب وتثبيته بواسطة سلم وقضيب حديدي من الحجم الكبير، مع القيام بسحب الشحنة التي كانت مخبأة بإحكام داخل تجاويف المقطورة والتي كانت مربوطة بحبال بلاستيكية وسحبها، وفور إخراج الرزم، قام المشتبه فيهم بالبدء في نقلها محاولين إخفاءها داخل حزم التبن.

” مغاوير” الأمن يفشلون المخطط الإجرامي بامتياز

عناصر الأمن قامت بتطويق المكان ومداهمته أين قام جميع المشتبه فيهم بمحاولة الفرار إلى جهات متفرقة خارج المزرعة بالجهة الخلفية منها عبر الأحراش والوادي المحاذي للمزرعة وكذا باتجاه التجمعات السكنية المتاخمة لها، إلا أنه تم توقيفهم، في حين تم معاينة الحظيرة التي حوّلوها إلى مخبأ للسموم، أين تم العثور على معدات فلاحية مختلفة “محراث، جرار، آلة زرع الحبوب … الخ”، وبها مجموعة من الحيوانات تتمثل في الأبقار، الأحصنة، الأغنام، الكلاب والدواجن، بالإضافة إلى وجود ألواح من الرخام والغرانيت.

وقد أسفرت العملية عن حجز شحنة معتبرة من مادة المخدرات الصلبة “كوكايين” على شكل رزم مغلقة بأكياس بلاستيكية بيضاء وسوداء اللون يقدر عددها بـ103 رزمة بوزن إجمالي قدره 113 كلغ و550 غرام وشحنة من المؤثرات العقلية من نوع “بريغابالين 300 ملغ” على شكل رزم مغلقة بأكياس بلاستيكية سوداء اللون قدرت بـ75 رزمة بمجموع 225030 كبسولة، المضبوطتين داخل شاحنة جرار طريقي ومقطورتها، بالإضافة إلى كمية من المؤثرات العقلية قدرت بـ120 قرص من دواء “كيتيل”، و67 كبسولة من نوع “بريغابالين 300 ملغ” المضبوطة بحوزة المدعو “صالحي حسام”.

كما تم حجز مبلغ مالي معتبر من داخل مركبة من نوع “بيجو 301” كان يقودها المدعو “إسعادي البشير” داخل كيس بلاستيكي أبيض اللون من الحجم الكبير وبه أكياس بلاستيكية صغيرة تحتوي على مبالغ مالية متفرقة مربوطة بشريط مطاطي مثبت عليها أوراق مدون عليها مبالغ مالية بمجموع 12.212.500 دينار جزائري، إلى جانب حجز مبلغ مالي آخر معتبر داخل مركبة من نوع “بولو فولسفاكن” قدره 108000 دينار جزائري.

التحقيقات توصلت إلى أن أفراد الجماعة الإجرامية كانوا يستعملون “الواتساب” و”التيلغرام” للتواصل، وكانوا يرددون نفس العبارة” وهي “طفي ليدوني باش ما تبعناش الدولة” بمعنى “إطفاء بيانات الهاتف النقال خوفا من تتبعهم من طرف المصالح الأمنية”، فيما كانوا يستعملون عبارة “الغبرة راهي داخلة في الكاميو”.

النيابة العامة تلتمس الإعدام… والقاضي يصدر أحكامه بعد منتصف الليل

وفي سياق هذه الجريمة، التمس النائب العام لدى المحكمة الابتدائية لجنايات الدار البيضاء، ليلة الأحد إلى الاثنين 4/5 أكتوبر الجاري، توقيع عقوبة الإعدام في حق جميع المتهمين الذين شكّلوا “إمبراطورية” لإغراق الجزائر بالكوكايين والمهلوسات، فيما اعتبر الوكيل القضائي للخزينة العمومية أن الأفعال المرتكبة من طرف المتهمين جد خطيرة وتهدد الأمن القومي، وطلب تعويضات بـ1 مليون دينار جزائري يدفعها كل متهم متورط في قضية الحال.

هيئة المحكمة، بعد الانسحاب وإدخال هذا الملف الملغم للمداولة القانونية، خرجت بحكم يقضي بتوقيع عقوبة الإعدام في حق عدد من المتهمين الموقوفين والفارين من العدالة (شملت 3 متهمين حضوريا و6 غيابيا) وعقوبات تتراوح بين 20 و7 سنوات نافذة في حق بقية المتهمين.

للإشارة، فإنّ عقوبة الإعدام المنطوق بها في القضية تعدّ هي الأول تطبيقا لأحكام القانون رقم 25-03 المؤرخ في 1 جويلية 2025، المتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع الاستعمال والاتجار غير المشروعين بها.

مقالات ذات صلة