هكذا اصطبغت حياتنا بالفوضى!
يكاد دارسو علم الاجتماع يُجمعون على أنّ زماننا هذا هو زمان القلق والاكتئاب والأمراض النفسية، حتى أنّ منظمة الصحة العالمية تحصي أكثر من مليار شخص في العالم يعانون اضطرابات نفسية.. وقد كان المسلمون طوال قرون وعقود مضت في مأمن من هذه الأعراض والأمراض، لكنّ كثيرا منهم في العقود والسنوات الأخيرة بُلوا بها وأمسوا يعانونها ويشكون تسلّطها عليهم، وهو ما يشهد به الأئمّة والدّعاة والمصلحون الذين يجلسون لسماع هموم النّاس ومحاولة مساعدتهم في حلّ مشاكلهم.
نحن المسلمين ليس لدينا شكّ في أنّ أهمّ وأعظم سبب في القلق والاكتئاب هو البعد عن صراط الله، قال –تعالى-: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)).. نعم، ليس هذا هو السّبب الوحيد لكنّه السّبب الأهمّ، وهناك أسباب أخرى لعلّ من أهمّها هذه الفوضى التي يعيشها كثير من النّاس في حياتهم وألقت بثقلها على قلوبهم وأرواحهم، وكلّما كانت الفوضى أعظم وأعمّ كان القلق والاكتئاب أكثر وأحدّ.
المجتمعات الغربية غزاها القلق والاكتئاب بسبب الخواء الروحي وغياب الإيمان، أمّا نحن المسلمين فقد بدأت هذه الأمراض تسري إلينا بأسباب أهمّها الفوضى العارمة التي أصبحت صبغة فاقعة لحياتنا! الفوضى تطبع حياتنا في كلّ جزئياتها: في أعمالنا وأوقاتنا. في أماكن عملنا في إداراتنا ومؤسّساتنا. فوضى عارمة في طرقاتنا. في أسواقنا. في بيوتنا. وحتى مساجدنا لم تسلم من الفوضى!
تقصد المؤسسات والإدارات، فتجد الموظّفين والموظّفات، كلٌّ يعمل على شاكلته وكما يريد، يدخل في الوقت الذي يريد، ويترك مكتبه وقت ما يشاء، ويغادر العمل وقت ما يحلو له، وربّما يكذب ويختلق الأعذار الواهية ليبرر غيابه عن عمله. النّاس ينتظرونه لقضاء مصالحهم وهو كأنّه غير معنيّ بالأمانة التي تحمّلها والوظيفة التي يأخذ لقاءها أجرته.
تقصد الأسواق فترى القمامة متراكمة في كلّ مكان، وترى الباعة يعرضون بضاعاتهم على الأرصفة وفي الطرقات.. تدخل محلا من المحلات، فتجد البائع منشغلا بهاتفه يرمقك شزرا كأنما جئت تطلب معروفا، وربما تجده يتجاذب أطراف الحديث مع أصدقائه وتفاجأ به يعاملك كأنّما دخلت بيته في وقت غير مناسب!
تسير في الطّرقات، فترى الفوضى العارمة، كلّ سائق يظنّ أنّ الطريق ملكية خاصّة يتصرّف فيه كيفما يشاء، يوقف سيارته في الطريق ليكلّم أحد المارّة وربّما ينزل منها ويتركها وسط الطّريق! وربّما لا يستعمل إشارات الانعطاف والتوقّف أبدا، وربّما يرمي الأوساخ من نافذة سيارته، وربّما يبصق ويتنخّم!
أمّا عن بيوتنا، فهي الأخرى مساحات من الفوضى العارمة، إلا ما رحم الله، لكلّ فرد وقت دخوله ووقت خروجه ووقت طعامه ووقت نومه.. أبناؤنا لا يملكون برامج لأيامهم ولا أسابيعهم ولا أعوامهم. ليست لديهم أهداف ولا حتى آمال وطموحات! يتربّون على الأنانية وعلى التواكل. الابن ينتظر من أمّه أن ترتّب له فراشه وثيابه وخزانته وتقدّم له طعامه، والبنت تنشغل بالهاتف ولا تعبأ بأتعاب أمّها! أموالنا هي الأخرى نعاني فوضى كبيرة في إنفاقها، ننفق بحسب ما تغرينا به المعروضات والإعلانات. نشتري ما نحتاج إليه وما لا حاجة بنا إليه، وننفق راتب الشهر في أسبوعين، لنقضي بقية الشهر في همّ وغمّ وخصومات مع أفراد الأسرة!
أمّا عن الفوضى في مساجدنا، فهي من أكثر ما يدعو إلى الحيرة: نرمي أحذيتنا عند أبواب المساجد بصورة تسيء إلى قدسية بيوت الله، ونترك أماكننا في بيوت الخلاء متسخة، ونجلس في بيوت الله لكأنّنا في المقاهي نرفع أصواتنا ونستعمل هواتفنا، ولا نسوّي فيها صفوفنا، ونتزاحم على أبواب المساجد عند الخروج… وأمّا عن الفوضى في معاملاتنا، فحدّث ولا حرج: أعمال تؤجّل يوما بعد يوم وأسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر، وأشغال تترك لتتراكم، ومواعيد تُخلف من دون اعتذار…
هذا ما جنيناه من الفوضى!
لم نجن من هذه الفوضى التي نعيشها إلا ضياع البركة من أعمارنا وأوقاتنا وأعمالنا وبيوتنا، حين أصبحت أيامنا تمضي من دون شيء ننجزه أو نحققه، وحينما حصدنا لأنفسنا وأرواحنا وقلوبنا قلقا وضيقا وهموما ننام عليها ونستيقظ بها.. وفوق ذلك أصبحنا نقدّم صورة سيّئة لديننا ونصدّ النّاس عنه، يقول الشيخ محمّد الغزالي -رحمه الله-: “إنّ وجهي ليَسودّ حين أرى العمل يخرج من يد الكافر مجوّدًا متقنًا، ويخرج من يد المسلم هزيلاً مشوّهًا”؛ لقد حار فينا الصينيون والهنود والإيطاليون الذين دخلوا بلادنا لإنجاز بعض المشاريع، وذهلوا للفوضى العارمة التي نعيشها، واحتاروا كيف لا نهتمّ ببلادنا ولا نهتمّ بمشاريع نحن من نستفيد منها! نؤجّل العمل بسبب زخّات من المطر، ونتكاسل عند ارتفاع درجة الحرارة، ونختلق المبررات لنغيب عن أعمالنا، وإذا عملنا فالشعار دائما هو: “عقّب برك.. شكون لاتي بيها”.
لقد قدّمنا صورة سيّئة عن ديننا لغير المسلمين، بل والمصيبة أنّ بعضنا يحملون فوضى حياتهم إلى بلاد الغرب ليصدّوا النّاس عن دين الله الحقّ! ((وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيم)).
ديننا دين النّظام
إنّ الله -تبارك وتعالى- قد خلق هذا الكون الذي ننتمي إليه ليسير وفق نظام دقيق بديع، وأيّ أمّة تسعى في إفساد ما أتقنه الله، فإنّ مصيرها إلى الانهيار. وسنن الله لا تحابي أحدا. ((الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون)).
ديننا دين النظام، وربّنا -جلّ وعلا- يقول: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون))، وكتابنا العظيم هو كتاب النّظام والانضباط: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم)).. وعباداتنا كلّها تعلّمنا النّظام والانضباط ومراعاة الوقت واحترام الآخرين: في الصّلاة علّمنا نبيّ الهدى –صلّى الله عليه وآله وسلّم-: أن نأتي إلى بيوت الله في هدوء وسكينة ووقار، فقال: “إذا سمعتُم الإقامةَ فامشُوا إلى الصلاةِ وعليكم السَّكينةَ والوقارَ ولا تُسرِعوا، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا”، وعلّمنا –عليه الصّلاة والسّلام- أن نلزم السّكينة والوقار ونحن في المسجد، فقال: “من كانَ في المسجدِ ينتظرُ الصَّلاةَ، فَهوَ في الصَّلاةِ”، وعلّمنا أن نحرص غاية الحرص على تسوية صفوفنا في الصّلاة، فقال: “أقيموا صفوفكم، ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم”.. وعلّمنا أن نحافظ على نظافة بيوت الله، فقال: “عرضتْ عليَّ أجورُ أمَّتي حتَّى القذاةَ يخرجُها من المسجد”، ورأى يوما نخامة في قبلة المسجد فتغيّر وجهه وغضب ونهى النّاس عن ذلك.
وهكذا لو تأمّلنا الصيام، فإنّنا نجد مبناه على النظام والانضباط؛ وقتٌ محدّد للإمساك، ووقت مقدّر للإفطار، وحرص على اجتناب المفطرات الحسية والمعنوية، وكبح لجماح العين عن التطلّع إلى عورات النّاس، وإمساك للسان عن الخوض في شؤون عباد الله.
وهكذا لو تأمّلنا الزّكاة، فإنّنا نجدها مبنية على النّظام والانضباط في وقتها ومقاديرها.. ومثلها الحجّ الذي تقوم مناسكه على النّظام والانضباط؛ في مواقيت الإحرام، وأشواط الطواف والسعي، ووقت الوقوف بعرفة والمكث بمنى، وهكذا… بل إنّ ديننا يعلّمنا النّظام والانضباط حتّى ونحن في أحرج الأوقات في مواجهة العدوّ، يقول –تعالى-: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ))، وقد ثبت أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كان يعدَّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده سهم يعدل به القوم، حتى مر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو متقدم عن الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: “استوِ يا سواد”.
حتى لا ترحل تاركا خلفك فوضى عارمة!
إنّها خسارة العمر أن يعيش عبد مؤمن -يوقن بالموت والحساب- حياته يسبح في فوضى لا ساحل لها، لا برامج ولا أهداف. أعمال مؤجّلة وأشغال متراكمة، ديون يماطل في سدادها، وواجبات يتهاون في القيام بها، ومحرّمات يماطل في التوبة منها، وأسرة مشتتة وأبناء ضائعون، حتى يفجأه الموت، فيترك خلفه فوضى عارمة، لن يصلحها أحد نيابة عنه.. ومن مات وترك فوضى خلفه فلا يطمعنّ في أن يجد جنّة عالية مرتّبة أمامه.
إنّ الله يقول: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ))، وإنهاء الفوضى يحتاج إلى قرار صارم، يتبعه حزم مع النّفس الأمّارة بالسوء التي تهوى الراحة والتأجيل وتكره الجدّ والحزم.
فحدّد -أخي المؤمن- أهدافك التي تتمنّى تحقيقها قبل أن ترحل عن الدّنيا، واجعل أهدافك المتعلّقة بالآخرة على رأس أولوياتك.. قيم وضعك الحالي وانظر إلى حياتك نظرة فاحصة وعدّد ما تحتاج إلى التخلص منه أو إضافته إلى حياتك، حتّى الأغراض التي تنتظر الإصلاح في منزلك ومكان عملك أحصها.. قسّم الأشغال والأعمال المؤجّلة على الأيام والأسابيع، وحاول أن تستعين بمفكّرة ورقية أو إلكترونية على هاتفك، حتى لا تنسى ما ينتظرك في كلّ يوم.. إن حدّثتك نفسك بتأجيل عمل يوم إلى يوم آخر، فإياك أن تطيعها، خالفها وكن حازما معها، فهي إن ظفرت بمبتغاها مرّة، طمعت كلّ مرّة.. نظّف غرفتك ورتّبها، نظّم بيتك ونظّمه، نظّم مكان عملك ونظّفه، نظّف سيارتك ورتّب أغراضك فيها.. استعن بمنبّه هاتفك لتكون مستعدا للصلاة قبل الأذان بعشر دقائق مثلا.. اختر بعناية الأوقات التي تقرأ فيها القرآن، ولا تسمح لأيّ شغل آخر أن يتسلّل إلى تلك الأوقات.. ليل الشّتاء طويل، فعوّد نفسك على أن تستيقظ قبل أذان الصبح بوقت يكفيك لترتّل صفحات من مصحفك وتستغفر وتدعو مولاك: واحرص خاصّة على هذا الدّعاء: “يا حيّ يا قيوم، برحمتك أستغيث؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين”.