الجزائر
حي طنجة لا يزال تحت الصدمة

هكذا انتهت حياة محمد بطعنة غادرة في سطيف

سمير مخربش
  • 887
  • 0
ح.م

شهد حي طنجة، أحد أعرق الأحياء الشعبية بمدينة سطيف مؤخرا، جريمة قتل مروّعة أعادت إلى الواجهة هواجس الأمن بعد فترة من الهدوء النسبي، حيث لفظ شاب في العشرينيات يدعى محمد شلال أنفاسه الأخيرة متأثرا بطعنة خنجر وجّهها له شخص معروف بسوابقه العدلية، في حادثة صادمة كسرت سكون المدينة التي لم تسجل جرائم مماثلة طوال شهر رمضان والأشهر التي سبقته.
بعد يومين، وبعد أن هدأت النفوس نسبيا تنقّلنا إلى الحي بعد من وقوع الجريمة، فبدا المكان مختلفا عن صورته المعتادة، الأزقة الضيقة التي تعجّ عادة بحركة الأطفال والباعة، بدت شبه خالية، والوجوه التي تصادفك تحمل مزيجا من الذهول والحزن. حي طنجة، ببناياته القديمة المتلاصقة وشرفاته المتقابلة، يعكس صورة حي شعبي كثيف السكان، حيث تختلط العلاقات الاجتماعية القوية بضغوط يومية متزايدة، لكن ما حدث هذه المرة ترك أثرا أعمق من مجرد حادث عابر.
عند وصولنا إلى مجلس العزاء، كان الصمت يخيّم على المكان، رغم توافد المعزّين بشكل متواصل. جلس الرجال في حلقات متقاربة، يتبادلون كلمات المواساة بصوت خافت، فيما بدت الدموع حاضرة في أعين كثيرين. الهدوء الثقيل كان سيد الموقف، لا يقطعه سوى همسات الدعاء وترحم الحاضرين على روح الشاب الذي رحل في لحظة لم تكن في الحسبان.
في حديثنا مع بعض سكان الحي، أجمع الجميع على أن الضحية كان شابا هادئا، قليل الاحتكاك بالناس، معروفا بأخلاقه الحسنة. أحد الجيران قال بصوت متأثر: “لم نر منه إلا الخير، حتى إن البعض هنا لا يعرفه جيدا لأنه لم يكن من هواة المشاكل أو التجمعات”.
في المقابل، يصف السكان المتهم بصورة مغايرة تماما، حيث أكد أكثر من شاهد أنه “معتاد على الشجارات” وسبق له الاعتداء على عدة أشخاص، بل وتورط مؤخرا في حادثة طعن أخرى بأحد الأحياء المجاورة. ويقول أحدهم: “حيثما يوجد، يوجد المشكل.”
داخل بيت العزاء، التقينا بوالد الضحية، الذي كان يتلقى التعازي بوجه شاحب وعينين غائرتين من شدة الصدمة. تحدث إلينا بصوت متقطع قائلا إنه التقى المتهم قبل الحادث، واتهم ابنه بسرقة حقيبة تحتوي على مبلغ مالي قدره 10 ملايين سنتيم. وأضاف الأب: “قلت له إن كان ابني فعلا أخذ المال فسأعيده لك من مالي الخاص وزيادة، لكن أعطني دليلا”. وأوضح أنه كرر نفس الكلام لشقيق المتهم، معتقدا أن الأمر انتهى عند هذا الحد.
لكن ما لم يكن متوقعا، بحسب رواية الأب، أن يعود المتهم ليلا ويجدد الشجار، قبل أن يتطور الأمر إلى اعتداء قاتل. لم يستطع الأب إكمال حديثه، إذ غلبته الدموع، مفضلا الصمت بعد أن أنهكته الحسرة.
قريب الضحية الذي كان حاضرا في المكان، قدّم لنا تفاصيل إضافية، مؤكدا أن العائلة حاولت احتواء الموقف وطلبت من المتهم تقديم دليل على ادعاءاته، بل وأبدت استعدادها لتسوية الأمر وديا، غير أن الأخير عاد مجددا، ورفض كل محاولات التهدئة.
بحسب شهادته، تجدد الشجار قرب منزل العائلة، قبل أن ينتقل إلى محيط المسجد، حيث تصاعد التوتر بسرعة. هناك، تحوّل التلاسن إلى اشتباك بالأيدي، قبل أن يفاجئ المتهم الجميع بإخراج خنجر وتوجيه طعنة مباشرة للضحية، الذي سقط أرضا وسط بركة من الدماء، بينما لاذ الجاني بالفرار.
شهود آخرون أكدوا أن الضحية لم تكن له علاقة مباشرة بالخلاف، وأنه تدخل فقط لحماية شقيقه وتهدئة الوضع، وهو ما يجعل نهايته أكثر مأساوية في نظر سكان الحي.

تحولات عميقة وظواهر دخيلة
حي طنجة يعكس تحولات اجتماعية عميقة، بحسب ما رصدناه ميدانيا. فالحي، الذي كان يوصف في السابق بروح التضامن والتكافل بين سكانه، بدأ يشهد في السنوات الأخيرة تغيّرات مقلقة. أحد القاطنين قال لنا: “كنا نعيش كعائلة واحدة، نتبادل الطعام ونحترم بعضنا، لكن اليوم تغير كل شيء.”
ويربط كثيرون هذا التحول بانتشار ظواهر دخيلة، على غرار تعاطي المخدرات لاسيما المهلوسات والمؤثرات العقلية، وظهور مجموعات شبابية منحرفة، وأصبحت الأسلحة البيضاء حاضرة في أبسط الخلافات، وتحولت الشجارات اليومية إلى مصدر قلق دائم للسكان.
الجريمة التي وقعت في طنجة ليست مجرد حادثة معزولة، بل تعكس، وفق ما سمعناه ورصدناه، تراكمات اجتماعية وسلوكية خطيرة، تبدأ بخلاف بسيط وتنتهي بمأساة إنسانية. وبين روايات الحزن التي التقطناها من أهل الضحية وجيرانه، يبرز سؤال أكبر يطرحه سكان الحي: كيف يمكن استعادة الإحساس بالأمان في فضاء كان إلى وقت قريب رمزا للتعايش والبساطة.
ويبقى المؤكد أن هذه الحادثة، رغم قسوتها، أعادت دق ناقوس الخطر حول تنامي العنف في الأحياء الشعبية، وضرورة التدخل العاجل لمعالجة أسبابه، قبل أن تتحول مثل هذه الوقائع إلى مشهد يومي مألوف.

مقالات ذات صلة