الجزائر
ضمّت 60 "مصنعا" لمعالجة الرثاثة

هكذا انهارت مملكة “الشيفون” في تبسة

ب. دريد
  • 5546
  • 0
ح.م

يبلغ طول الشريط الحدودي بين ولاية تبسة وتونس مسافة تصل إلى 310 كيلومتر، وتعني 10 بلديات، ومعلوم أن الحدود البرية كلما امتدت وطالت، كلما ولّدت ظواهر تجارية مختلفة، وهو ما ينسحب على الولاية “رقم 12″، التي كانت قطبا لتجارة الألبسة المستعملة المعروفة باسم “الشيفون”، وهو النشاط الموجود في كل بلاد العالم، وفي تبسة لها قصة تعود إلى زمن الاستعمار، فقد كان الأوروبيون يرسلون الألبسة عبر جمعيات الصليب الأحمر، وجمعيات للمساعدات الإنسانية إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط، لاسيما بعد الكوارث الطبيعية مثل الهزات الأرضية أو الفيضانات، وبعض تلك الهبات لها دوافع أخرى لا علاقة لها بالجانب الإنساني والتضامني مثل التبشير، من خلال ثياب تحمل رسومات كنائس وصلبان.

تهريب الأسلحة في رزم “الرثاثة”
السيد، حمّه العاتري، نسبة إلى منطقة بئر العاتر جنوب ولاية تبسة، شيخ في السادسة والثمانين من عمره، عصَر ذاكرته وروى للشروق اليومي القصة المختصرة لـ”الشيفون”، فقد كان ما قبل الاستقلال أبرز مواد التهريب، لأن الدول الأوربية كانت ترسل الملابس المستعملة إلى جيران الجزائر، كمساعدة منها، لكنه يتحول إلى سلعة ويهرّب إلى عدة بلدان، وازداد التشديد على تهريبه إلى الجزائر، بعد أن عثر الاستعمار على أسلحة في رزم الرثاثة كانت موجهة إلى مجاهدي جيش التحرير.
وبعد الاستقلال، وخاصة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، ارتفع نسق المتاجرة بالشيفون، من وإلى الجزائر، وتحوّل، حسب محدثنا، إلى ظاهرة حتى إن المدن التونسية الواقعة على الحدود مع الجزائر أقامت له أسواقا أسبوعية وأحيانا يومية، وأقامت الولايات الحدودية الجزائرية أيضا له أسواقا دائمة في تبسة وسوق اهراس والوادي، نقلت التونسيين إلى الجزائر، والجزائريين إلى تونس.
لكن الأمور تطورت كثيرا، خلال التسعينيات حسب الحاج حمّه العاتري وهو من أكبر تجار الشيفون المعروفين في جنوب تبسة، فأصبحت كميات الملابس المستعملة تهرّب عبر الجبال وعلى ظهور الدواب، لأن الإقبال صار كبيرا عليه. كما ظهر يومها “الشيفون” من “النوعية الرفيعة”، ويتمثل في الألبسة الفاخرة المسروقة أو التي تخلى عنها الأثرياء أو توفي أصحابها، فصار للبضاعة زبائن من الأثرياء.
ومع وجود ثغرات قانونية أصبح “الشيفون” لا يدخل من تونس فقط، بل أصبح تجار جزائريون يجلبونه من أوربا مباشرة، عن طريق رجال أعمال ومستوردين، بعد أن وجدوا تسهيلات بنكية، وأصبح “الشيفون” يستورد بطريقة عادية جدا، والمتاجرة فيه صارت قانونية في بداية الألفية.

“مصانع” و10 آلاف عامل
وأمام الإقبال الكبير على “الشيفون”، تم فتح ورشات صارت تعرف بـ”مصانع الشيفون” التي يتم على مستواها فرز وغسل وتوضيب الملابس المستعملة، وضمت ولاية تبسة لوحدها، نحو 60 “مصنعا”، موزعة على بئر العاتر والشريعة والصفصاف والماء الأبيض، وعاصمة الولاية تبسة، أقيمت في مستودعات ضخمة بإمكانيات كبيرة.
وحسب الحاج حمّه العاتري، فإن عدد عمال تلك الورشات في ولاية تبسة ناهز 10 آلاف بمن فيهم السائقون والناقلون، بين عمل قار وغير دائم.
وحتى أصحاب الشاحنات بكل أنواعها وأحجامها وجدوا فرصة للاسترزاق، وأجّروا شاحناتهم لنقل البضاعة إلى مختلف ولايات الوطن وجهاته الأربع. ولم تقتصر البضاعة على الألبسة، بل تنوعت وشملت لعبا وبطانيات وستائر النوافذ وأغطية السيارات والخيم وغيرها، وهي ليست بالضرورة مستعملة وقديمة، إذ كان منها ما هو جديد ولم يغادر الأكياس التي غلّف بها في المعمل، حيث توجد مصانع عالمية تحوّل المنتجات التي بها عيوب بسيطة، إلى أسواق الرثاثة ومنها من تحوله أيضا إذا خرج من عالم الموضة.
وتحركت تجارة الرثاثة في العقد الأول من الألفية الحالية وأصبحت له متاجر تجزئة، حتى في الأحياء الراقية، لكنها في زوال من يوم إلى آخر، بعد أن تحسن الوضع الاجتماعي العام للجزائريين وتطور الأداء التجاري من خلال عمليات “الصولد” على سبيل المثال، وتمكنت مصانع جزائرية من إنتاج كميات كبيرة من الألبسة والأحذية من كل الأنواع، ولم يبق للشيفون سوى مساحات مناورة في الأسواق الشعبية، أو متاجر قليلة، وكل ما يباع هو إما مهرب، أو هو لباس مستعمل من الجزائريين الذين يتخلون عنه.
وشهدت سنة 2009 إطلاق أولى الرصاصات على “مملكة” الشيفون المتمتعة بالإرث القديم، حيث طالب نواب من البرلمان، بتوقيف استيراد كل ما هو مستعمل وفي مقدمته الشيفون، واعتبروا إدخال “الرثاثة” إهانة، وربطوا الأمر بالظروف التاريخية الممتدة إلى زمن الاستعمار. ورغم مقاومة أصحاب المصانع والحديث عن آلاف العمال والعاملات إلا أن الشعبة، انهارت بسرعة، وأغلقت كل المصانع أبوابها وتم تسريح كل العمال، وتوقفت الحركية نهائيا. وبقي الوضع على حاله مع محاولات من بعض الأشخاص، وهم في الغالب أصحاب المصانع القديمة، من سكان ولاية تبسة استرجاع تجارة الشيفون، لكن من دون جدوى.

لا سجلات تجارية لبائعي “الرثاثة”
ويقول صبري الوافي، وهو مختص في الاقتصاد، واكب ازدهار تجارة الرثاثة واندثارها، لـ”الشروق” إن “الشيفون” في زمن “قانونيته” مطلع الألفية كان يُحدث حركية كبيرة بين البلدين الجارين تونس والجزائر، لأنه لم يكن يستورد فقط بل كان يصدر أيضا المحلي منه.
“الشروق”، سألت مديرية التجارة في تبسة، وهي الولاية التي تضم أكبر عدد من المحلات التي تبيع الملابس المستعملة، عن طبيعة عمل هذه الأخيرة، فقال مسؤول في المديرية، إن كل السجلات قديمة، وتعود إلى ما قبل سنة 2010، وهناك الكثير من الذين تركوا هذه المهنة، ولم يصدر سجل تجاري واحد منذ 17 سنة، يسمح لصاحبه ببيع الملابس المستعملة وبهذا العنوان. أما عن منعه في الأسواق الشعبية في مختلف أنحاء الوطن، فذاك ليس من صلاحيات مديرية التجارة، حسب المصدر، ولا يمكن توقيفه، لأنه يوجد موطنون يفضلون بيع ألبستهم القديمة ولا يمكن منعهم.
ويبقى أن “استعمال المستعمل” من اللباس ظاهرة موجودة في كل دول العالم، ولكن تراجعه دليل على سمو في الذوق وتحسن في المستوى المعيشي للجزائريين، وزيادة في انتشار الوعي الصحي، مقارنة بسنوات وعقود سابقة.

مقالات ذات صلة