الجزائر
القضاء يفتح الملف يوم 25 أوت والمحاكمة العلنية ستكشف المستور:

هكذا تحولت المؤسسة العمومية “ألريم” إلى محمية للفساد

نوارة باشوش
  • 608
  • 0
ح.م

عقود مشبوهة وصفقات بالتراضي ونهب للملايير و15 مشروعا في مهب الريح
تضخيم في الفواتير والأشغال المنجزة واللجوء إلى الأفضلية في منح المشاريع

تتواصل فضائح إدارة عملاق الحديد “إيمتال”، لتمس المؤسسة العمومية الاقتصادية الجزائرية لإنجاز التجهيزات والمنشآت المعدنية “ألريم”، والتي تغلغل فيها الفساد بتواطؤ “مقنن” من مسؤولين سابقين عاثوا فسادا في الشركة طولا وعرضا من خلال إبرام صفقات مشبوهة مخالفة للتشريع والقوانين واللجوء إلى التراضي والاعتماد على مبدأ الأفضلية، لتمكين إحدى الشركات الخاصة المفلسة من الظفر بأزيد من 15 مشروعا، بعضها غير مكتمل وأخرى تأخرت في الإنجاز وتاريخ التسليم، ناهيك عن تضخيم الفواتير والدوس على قانون الصفقات العمومية.
وفي التفاصيل، يفتح القضاء يوم 25 أوت الجاري، ملف فساد طال شركة “ألريم”، حث سيمثل المتهمون، وعلى رأسهم رئيس مدير عام للشركة “ط. م” أمام محكمة الرويبة (مجلس قضاء الجزائر)، عن تهم ثقيلة تتعلق بالتبديد العمدي لأموال عمومية، جنحة منح امتيازات غير مبررة للغير بمناسبة إبرام عقود واتفاقيات وصفقات مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية، إساءة استغلال الوظيفة عمدا على نحو يخرق القوانين والتنظيمات بغرض منح امتيازات غير مبررة، إلى جانب التزوير واستعمال المزور في المحررات التجارية وجنحة الاستفادة من سلطة وتأثير الأعوان والموظفين العموميين من أجل الحصول على امتيازات غير مبررة، الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بالمواد 26 فقرة 01، فقرة 02، 29، 33، 520 من القانون المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المادة 35 من القانون المتعلق بالتزوير واستعمال المزور، المادة 42 من قانون العقوبات.

خروقات وتجاوزات بالجملة جرت المؤسسة إلى الإفلاس
وقد انطلقت وقائع قضية الحال بناء على شكوى مصحوبة بادعاء مدني مقدم من طرف المؤسسة العمومية الاقتصادية الجزائرية لإنجاز التجهيزات والمنشآت المعدنية “ألريم “ضد كل من مسير الشركة المدعو “أ. ع” وشركته “EHA CONSTRUCTION”، مفادها أن الجزائرية لإنجاز التجهيزات والمنشآت المعدنية تعتبر مؤسسة وطنية اقتصادية – شركة ذات أسهم تنشط في مجال البناءات المعدنية وكافة النشاطات ذات الصلة بموضوعها وأن شركة “EHA Construction”تعتبر متعاملا اقتصاديا وطنيا ينشط في إطار أشغال البناء وكل ما هو مرتبط به من تركيب وتفكيك وتزويد بالمواد الأساسية التي تدخل في نشاطها وكذا الصيانة، حيث أن شركة “ألريم” تنفيذا لبرنامجها المتعلق بنشاطها التجاري، لجأت إلى إبرام عدة عقود مناولة مع الشركة المتهمة، تناولت في مجمل مواضيعها التزام هذه الأخيرة القيام بأشغال سواء التركيب، التفكيك، البناء، الهدم، التزويد بمواد البناء والتجهيزات المختلفة لفائدة الشركة الوطنية أو عملائها في إطار عقود المناولة.
وبناء على ذلك، فإن الشركة الخاصة “EHA Construction” كشخص معنوي، كان تضمن قائمة المترشحين لنيل الصفقات العمومية المعلنة من طرف شركة “ألريم”، وبعد أن وقع الاختيار على المتعامل الاقتصادي لتنفيذ مجموع الأشغال والأعمال المبرمجة، تم توقيع عدة عقود مع الشركة العمومية، فتبين وجود تجاوزات وخروقات بالجملة، تتمثل في إبرام عقود صورية، الغاية منها مخالصة صاحب الشركة المدعو “أ.ع”، مقابل أعمال لم يقم بها، وفي بعض الأحيان عن أعمال لم يتم تنفيذها بالشكل المتفق عليه، وبالرغم من ذلك يتم تحرير محضر استلام نهائي.
كما تبين أيضا أن بعض العقود تتضمن لوازم ومقتنيات بما لا يتناسب وطبيعة الأشغال والأعمال، وكمثال أول بسيط على هذه التجاوزات، أنه تمت فوترة 20 ثرية بالإضافة إلى 60 مصباحا “spots” على مستوى مكتب واحد بمساحة تقدر بحوالي 40 مترا مربعا، وهو ما يعتبر تبديدا وإهدارا للمال العام.

عروض على المقاس و”أفضلية” في منح المشاريع
بالمقابل، لجأ المسيرون السابقون لشركة “ألريم” إلى إبرام صفقات عمومية عن طريق طلب العروض، أين تقدم المتعامل الاقتصادي المتهم في ملف الحال بأقل عرض في كل مرة، وبعد الحصول على الصفقة ومباشرة الأشغال، يتم إبرام ملحق إضافي تعديلي، أين يصبح مبلغ الصفقة يتجاوز بكثير المبلغ الذي على أساسه تم إعلان العرض، والحصول على الصفقة الأساسية، وعلى سبيل المثال مشروعEMB Gué de Constantine””، “حيث تقدمت الشركة المتهمة بعرض يقدر مبلغه الإجمالي بـ12.138.091,50 دينار جزائري، فيما تقدمت شركة “Bejinet” بعرض قيمته 13.863.970,00 دينار جزائري، وشركة” TP Construction” بعرض قيمته 13.368.270,00 دينار جزائري، في حين تقدمت شركة “AMBL NET”، بعرض تقدر قيمته بـ12.651.120,00 دينار جزائري.
وباعتبار أن الشركة المتهمة هي من قدمت عرضا بأقل تكلفة وأوفر من الناحية الاقتصادية، فقد ظفرت بالصفقة، إلا أنه بعد ذلك تبين أنه تم إبرام ملحق الصفقة وكان المبلغ الإجمالي بـ29, 17.214.363 دج، أي بزيادة تقدر بـ30 بالمائة، وهذا ما يعتبر تلاعبا مقننا وخرقا واضحا لقانون الصفقات العمومية من المتعامل بتواطؤ مع المسؤولين السابقين لشركة “ألريم”.
كما أن التقرير المنجز من طرف مصالح الإدارة الحالية للشركة حول مآل كافة المشاريع التي تحصلت عليها شركة “EHA Construction والتي تطالب بتحصيل مستحقاتها أو حصلت عليها سابقا أزالت الستار على عدة خروقات منها ثبوت عدم بداية الأشغال أصلا، أو عدم إتمامها أصلا، وكذا عدم مطابقتها للمعايير والمقاييس المعمول بها.
وبالرغم من ذلك، فقد تمت فوترتها ومخالصتها بمبالغ لا تتناسب إطلاقا وحجم الأشغال، وأن هذه الأفعال والممارسات تعد تضخيما للفواتير بطريقة صارخة، والتي تقوم على أساسها جريمة “فواتير غير مطابقة”، كما أن الإدارة السابقة لشركة “ألريم”، لجأت إلى إبرام تارة عقود صورية وتارة أخرى عقود لا تحترم مبدأ العقلانية في الحاجيات، أما المتهم “أ.ع”، فقد سعى إلى تحصيل مبالغ مالية من الأموال العمومية للدولة، مقابل عقود صورية، أو عن أعمال لم يقم بها أصلا وبالرغم من ذلك فقد حرر له مسؤولون سابقون للشركة محاضر الاستلام النهائي حتى يخولوا له الحق في المطالبة بالمبالغ المالية، إلا أن إدارة شركة “ألريم” تفطنت لهذه التلاعبات والخروقات بعد إعادة الفحص الدقيق والشامل ومراجعة العقود الممضاة سابقا، والتي كانت مخفية وبشكل بعيد عن أنظار باقي الموظفين بالشركة حتى لا يتسنى لهم إثارة التجاوزات المسجلة أو حتى لا يثار الشك والالتباس لديهم حول الممارسات غير القانونية المرتكبة وما يلي من جريمة تبديد المال العام.

إخلال بالالتزامات التعاقدية وتأخر في تنفيذ إنجاز المشاريع
وكشفت التحقيقات أيضا عن تجاوزات خطيرة بالجملة بخصوص ظروف منح الصفقة، حيث ثبت أن المناول أخلّ بالتزاماته التعاقدية، أبرزها عدم استكمال الأشغال المتفق عليها، من دون اتخاذ الإجراءات التأديبية المنصوص عليها، وعلى رأسها إدراجه في القائمة السوداء للشركة، وهو ما يشكل خرقا صريحا لأحكام دليل الإجراءات.
كما تم تسجيل غياب وثيقة اعتماد شركة المناولة خلافا لما هو منصوص عليه في المادة 04/28 من إجراءات الشراء وإبرام الصفقات المعمول بها والتي تعتبر من العناصر الأساسية التي تعتمد في تقييم واختيار مؤهلات مؤسسة المناولة.
وتم أيضا تسجيل التأخر في تنفيذ وعدم إكمال إنجاز المشاريع الموكلة إليها سابقا، مع العلم أن معدل التقدم المادي في الأشغال لبعض المشاريع أقل من 30 بالمائة، ناهيك عن غياب دفتر الشروط الخاص بالاستشارة، وكذا منح الصفقة مسبقا لشركة” CONSTRUCTION EHA SARL” بحوالي 06 أشهر قبل دراسة عروض الصفقة وهذا يعد خرق صريح المبدأ الشفافية مع مخالفة إجرائية لقانون الصفقات العمومية وتحديدا المادة 162 والتي تنص على ضرورة مسك سجل خاص لتوثيق محاضر فتح الأظرفة وتقييم العروض.
كما أثبتت المعاينات الميدانية والتقييمات للأشغال والأعمال المنجزة لجميع العقود المبرمة بين شركة “الريم” والشركة المتهمة تضخيم الفواتير والمقتنيات، بما لا يتناسب مع طبيعة الأشغال والأعمال المنجزة، حيث يقدر هذا التضخيم بمبلغ 100.770.033 دينار جزائري.

مشاريع وهمية بعقود صورية وتحويل “ألريم” إلى مملكة خاصة
وإلى ذلك، أسفرت التحقيقات الأمنية والقضائية عن عدم إبرام أي صفقات أو عقود بين شركة الريم والشركة المتهمة “CONSTRUCTION EHA “، تخص تموين مشروع إنجاز 5000 مستودع hangars ” ” لفائدة المرقي”ANADE” والتي تبرر استفادة هذه الأخيرة من هذا الشيك المقدر بـ150 مليون دج من دون وجه حق.
كما أن المدير العام الحالي لشركة “ألريم” وبعد الفحص الشامل والتدقيق في جميع العقود المبرمة مع شركة “EHA Construction” لصاحبها “أ.ع”، وما تم إنجازه على أرض الواقع، توصل إلى تسجيل عدة ملاحظات على شاكلة إبرام عقود صورية وأخرى غير منطقية وبعضها غير متطابق مع مبدأ العقلانية في التجهيز واللوازم وغيرها من التجاوزات، بالرغم من أن المعمول به هو أنه لا يتم الشروع في تنفيذ أي مشروع او أشغال، إلا بعد إمضاء العقد بصفة قانونية، مع صدور أمر الخدمة”Ordre de Service – ODS” ، كما أن المؤسسة تعمل وفق مبدأ التحقق والتدقيق المقابل لكل مرافق الأشغال الخاصة، حيث إنه لا يتم إمضاء أي وضعية أو كشف أشغال “Attachement”الخاص بالمناول إلا بعد إمضاء نفس الوضعية من طرف صاحب المشروع “Maître de l’Ouvrage “، مع التأكد من مطابقة الأشغال المنجزة لما هو مصادق عليه.
وعلى هذا الأساس، فإن إمضاء وضعيات أو فواتير المناولة يكون مبنيا وجوبا على وضعيات مصادق عليها مسبقا من طرف صاحب المشروع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إمضاء أو تسديد أي مستحقات خارج هذا الإطار التنظيمي والقانوني. وبناء على ما سبق، فإن إعداد الفواتير، والتحقق التقني والمالي منها، وكذا المصادقة على الأشغال، يدخل ضمن صلاحيات المصالح المختصة وصاحب المشروع.
والأخطر من ذلك، فقد تبين من خلال التحقيقات قيام عدد من المسؤولين السابقين بالشركة المتهمين في ملف الحال إلى إبرام هذه العقود مع الشركة المتهمة بنية اختلاس وسرقة المال العام، بطريقة يبدو للعيان أنها عملية قانونية عادية تدخل ضمن نشاط الشركتين، إلا أنها في الواقع أفعال فساد بامتياز، وكلها تندرج ضمن جنح اختلاس وتبديد الأموال العمومية، سوء استعمال الوظيفة، استغلال النفوذ، جنحة منح امتيازات غير مبررة قانونا في مجال الصفقات العمومية.

مقالات ذات صلة