هكذا تخلى نجوم “الأفلان” عن الاحتراف واختاروا مجال الكفاح
لا يزال فريق جبهة التحرير الوطني محافظا على بريقه على مر السنين، ورغم مرور 60 سنة عن تأسيسه في عز الثورة التحريرية، إلا أن تاريخه يشهد بقيمة تضحياته لرفع الراية الوطنية في المحافل الدولية، بدليل النتائج التي حققها زملاء مخلوفي وزيتوني وكرمالي في ملاعب أوروبا وآسيا، بشكل حول مباريات كرة القدم إلى ممارسة سياسية تفوق قيمتها جهود السياسيين أنفسهم، وهذا باعتراف رئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس، خلال حديثه مع نجوم “الأفلان”.
إذا كان المجاهدون قد أعطوا دروسا للعدو الفرنسي في الجبال والمدن، وللسياسيين دور بارز في تسيير أمور جبهة التحرير الوطني من النواحي الإدارية واللوجيستيكية وصولا إلى مرحلة المفاوضات الحاسمة، فإن الكثير لا ينسى الجهود الفعالة لأبطال فريق جبهة التحرير لكرة القدم الذي كان بمثابة أول بذرة زُرعت في حقل الألوان الوطنية لتنضج ثمارها، وتقدم قربانا لثورة التحرير المباركة. ويؤكد الكثير من المتتبعين على الارتباط الكبير بين كرة القدم والثورة التحريرية، فالمباريات التي كانت تجرى بين الفرق المسلمة والأخرى الفرنسية كانت في حقيقتها صراعات سياسية، وكل فوز محقق من طرف الفرق المسلمة كان بمثابة إبراز للشخصية الجزائرية وتحقيق نوع من الانتصارات المعنوية الذي تمهد لنزع الحرية بالقوة، وكانت الأسرة الرياضية الجزائرية كثيرا ما تفاجئ المستعمرين بظهورها فوق الحلبة والملاعب والقاعات بالألوان الوطنية مثل ما حدث في عدة ولايات جزائرية. وفي عام 1956 أصدرت جبهة التحرير الوطني قرارا يمنع كل الفرق المسلمة من المشاركة في مختلف البطولات والمنافسات، وهذا هو أكبر دليل على الهدف السياسي للرياضة الجزائرية، وقد لبى الجميع النداء، في الوقت الذي مالت الإستراتيجية بعد ذلك إلى تأسيس منتخب يجمع بين المحليين والمحترفين حتى يكون أفضل سفير لرفع راية الثورة الجزائرية في المحافل الدولية.
بومزراق وراء التأسيس.. عميروش وبورقيبة حضرا الانطلاقة
يعود تأسيس فريق جبهة التحرير الوطني إلى تاريخ 13 أفريل 1958، في إطار مساعي تفعيل رسالة الجهاد الثوري والدبلوماسي ضد المستعمر الفرنسي، حيث كان أول ظهور لفريق جبهة التحرير الوطني في الأراضي التونسية خلال الدورة الكروية الاحتفالية التي نظمها النادي الإفريقي التونسي بمناسبة اليوم العالمي للشغل 1 ماي 1957، وكان أول لقاء للجزائريين ضد نادي فاس المغربي المدعم بنجمه العربي بن بارك، وقد حضر اللقاء النهائي لهذه الدورة الشهيد العقيد عميروش والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي أمر برفع العلم الجزائري إلى جانب راية المغرب وتونس وليبيا، وتعتبر هذه المشاركة بمثابة الانطلاقة الحقيقية لمشوار كبير وهام ميزه 32 جولة بعدة دول أوروبية وإفريقية وشرق أوسطية وآسيا في الفترة ما بين 1958 و1962. ويعد السيد محمد بومزراڤ صاحب فكرة تأسيس الفريق، لتتبلور بمرور الوقت إلى مكسب مهم منح متنفسا جديدا للثورة التحريرية في المحافل الكروية الدولية والإقليمية.
زيتوني ومخلوفي وكرمالي وآخرون.. نجوم تخلوا عن الاحتراف واختاروا الكفاح
وحسب الكثير من العارفين والرياضيين القدامى، فقد تشكل تعداد فريق جبهة التحرير من عناصر بارزة رفضت عروضا مغرية من أندية فرنسية، على غرار زيتوني ومخلوفي وكرمالي وغيرهم، حيث فضل جميع اللاعبين رفع راية الجهاد تحت لواء فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم، حيث تولى حراسة المرمى كل من بوبكر وعلي دودو وعبد الرحمان إبرير، وفي الدفاع نجد كل من مصطفى زيتوني وقدور بخلوفي ومحمد سوكان وشريف بوشاش واسماعين إبرير وعبد الله ستاتي، ويتشكل وسط الميدان من مختار عريبي وسعيد حداد وعلي بن فضة ومحمد بومزراڤ وحسن بورطال وعمار رواي وحسن شبري، فيما لعب في الهجوم عبد الحميد كرمالي وعبد العزيز بن تيفور وعبد الحميد بوشوك ورشيد مخلوفي وسعيد براهيمي ومحمد معوش وأحمد وجاني وأمقران واليكان وعبد الرحمان سوكان وعبد العزيز معزوز ومحمد بوريشة وعبد الكريم كروم وحسين بوشاش وسعيد عمارة وعبد الحميد زوبا. وخلفت هذه الخطوة ضربات موجعة للشرطة الفرنسية التي لم تتمكن من اكتشاف مسألة مغادرة العديد من النجوم الكروية الجزائرية للتراب الفرنسي، وشكلت انتصارا لجبهة التحرير في فرنسا، خاصة وأن العديد من اللاعبين يعدون من أبرز الأسماء الناشطة في البطولة الفرنسية، وكان بعضهم مؤهلا للعب مع المنتخب الفرنسي المتأهل إلى كأس العالم بالسويد 1958، وفي مقدمة ذلك اللاعب مصطفى زيتوني.
فريق “الأفلان” أعطى صفعة حقيقية للفرنسيين
وبناء على لغة الأرقام، فقد خاض فريق جبهة التحرير الوطني حوالي 62 مقابلة ما بين 1958 و1962 حقق فيها 47 فوزا و11 تعادلا ومني بـ4 هزائم فقط، وسجل الخط الهجومي 246 هدف فيما تلقى الدفاع 66 هدفا، وقد لعب رفاق الهداف مخلوفي (42 هدفا) مقابلات هامة ضد منتخبات معروفة مثل الاتحاد السوفيتي (4 مقابلات) ويوغسلافيا (5 مقابلات) وتشيكوسلوفاكيا (4 مقابلات) ورومانيا (4 مقابلات) والمجر (4 مقابلات) وبلغاريا (6 مقابلات) والصين (5 مقابلات) والفيتنام (4 مقابلات) والمغرب (7 مقابلات) وتونس (4 مقابلات) وليبيا (مقابلتان) والعراق (6 مقابلات) والأردن (3 مقابلات)، حيث تمكن من الفوز بنتائج عريضة في عدة مباريات على غرار ما حدث أمام يوغسلافيا (6-1) والمجر (5-2) وتشيكوسلوفاكيا (4-1) والصين (4-0) وتونس (9-0) والأردن (11-0) والعراق (11-0) والفيتنام (11-0)، وقد انهزم زملاء مخلوفي أمام بلغاريا (4-3) ويوغوسلافيا (2-0) وتشكيلة روستوف من الاتحاد السوفيتي (2-1)، وشكلت هذه العملية صفعة حقيقية للاستعمار الفرنسي الذي حاول بشتى الطرق والوسائل عرقلة مهمة الفريق، حيث طلب من “الفيفا” معاقبة البلدان التي تستقبل فريق “الأفلان” وتسليط عقوبات صارمة قد تصل إلى حد الطرد من الهيئة الدولية.
نجوم الجبهة ساهموا في تأطير شؤون الكرة بعد الاستقلال
ولم تقتصر مهمة عناصر فريق جبهة التحرير الوطني على البروز في الفترة ما بين 1958 و1962 في إطار التعريف بمغزى وهدف الثورة التحريرية، حيث واصلوا التحدي بعد الاستقلال بعدما تحول أغلبهم إلى إطارات لها ثقلها في المنظومة الكروية، من خلال اتصالهم الدائم بالميدان الرياضي، وإشرافهم على أندية ومنتخبات حققوا معها نتائج مميزة، بدليل إحراز رشيد مخلوفي ميداليتين ذهبيتين خلال النصف الثاني من السبعينيات، الأولى في منافسة الألعاب المتوسطية أمام المنتخب الفرنسي وأخرى في إطار الألعاب الإفريقية، وكان كرمالي وراء التتويج الوحيد للمنتخب الوطني بلقب كأس أمم إفريقيا عام 1990 والكأس الأفرو آسيوية في العام الموالي أمام إيران، كما تألق عبد الحميد زوبا ومختار عريبي اللذان تحصلا على كأس إفريقيا للأندية البطلة، الأول عام 1976 مع مولودية الجزائر، والثاني مع وفاق سطيف عام 1988، وتمكن مختار لعريبي بعد الاستقلال (عام 1963) من انتزاع أول كأس جمهورية، وجعل من وفاق سطيف اختصاصيا في منافسة السيدة الكأس، حيث أضاف إلى سجل نسور الهضاب كأسين أخريين عامي 68 و1980، وكان وراء انتزاع لقبي البطولة (68 و1987)، وكأس إفريقيا للأندية البطلة في ديسمبر 1988، كما خاض عريبي عدة تجارب مهمة خارج الوطن كمدرب، بإشرافه على النادي الصفاقسي التونسي موسم 64-65 ومنتخب ليبيا نهاية الستينيات. إضافة إلى وصول رواي إلى الدور النهائي لذات المنافسة عام 1989 حين كان على رأس مولودية وهران، إضافة إلى مساهمة معوش في تأهيل المنتخب الوطني لأول مرة لنهائيات كأس العالم، وتجربة زوبا ولموي وعريبي وغيرهم في مجال التدريب داخل وخارج الوطن.
زوبا لـ”الشروق”: “فريق الأفلان خدم الثورة وفرحات عباس أشاد بتضحياتنا”
أوضح اللاعب الأسبق المدرب المعروف عبد الحميد زوبا لـ”الشروق” أن الهدف الأساسي من ظهور فريق جبهة التحرير إلى الواجهة هو توسيع دائرة الثورة الجزائرية وإسماعها في الدول العربية وفي أوربا وآسيا، مؤكدا أن الفريق المذكور حقق أهدافا مهمة، داعيا جيل الاستقلال إلى أخذ العبرة والعمل على خدمة الكرة الجزائرية وتفادي كل ما يؤثر على سمعتها وتاريخها. وقال عبد الحميد زوبا في سياق حديثه إلى “الشروق” إن الغاية من تأسيس منتخب جبهة التحرير الوطني ليس لعب الكرة والفوز بالمباريات، ولكن هناك هدف أسمى حرص عليه القائمون على جبهة التحرير الوطني، وهو توسيع دائرة الثورة، وإسماعها في مختلف البلدان، سواء في الدول العربية أم في آسيا وأوربا، وهو الأمر الذي حرصنا على تجسيده، من حيث النتائج الإيجابية والوجه الطيب الذي جعل الفريق يبرز من يوم إلى آخر. وبخصوص رفضهم مواصلة الاحتراف في فرنسا رد قائلا: “كنا واعين بالقضية الوطنية، بدليل أن هجرتنا إلى فرنسا كانت لأسباب اضطرارية، وهو البحث عن العمل، وحين طلب منا تشكيل فريق جبهة التحرير الوطني لبينا النداء دون أي شرط. أما عن الجوانب التي كان يركز عليها مسؤولو الثورة حين يتحدثون معهم، فقد قال في هذا الجانب: “كانوا يدعون إلى ضرورة خدمة الثورة كل حسب موقعه، وبحكم أننا نلعب الكرة، فكان علينا أن نعطي صورة مشرفة حتى تعرف الشعوب الأخرى وضعية الجزائر وقضيتها العادلة ضد الاستعمار الفرنسي، بدليل أننا نلنا تعاطف مختلف الشعوب والسياسيين في البلدان التي زرناها”.
“كنا نتلقى منحة لا تتعدى 10 دنانير ولما تألقنا أضافوا لنا دينارين”
على صعيد آخر، أوضح عبد الحميد زوبا أن فريق جبهة التحرير الوطني قام بدور رياضي ودبلوماسي في نفس الوقت، وقال إن الزعيم فرحات عباس قال لهم ذات مرة: “نحن السياسيين لما نتكلم يسمع لنا 200 شخص، أما أنتم حين تبرزون في الملاعب فيشاهدكم الآلاف، وهو ما يسهل نقل القضية الجزائرية في أوسع نطاق”. وبخصوص المنح والمكافآت المقدمة لهم نظير الفوز، فرد علينا عبد الحميد زوبا بابتسامة عريضة قائلا: “كنا نتلقى منحة تقدر بـ 10 دنانير فقط، ولما سمع فرحات عباس بتألقنا في دورة كروية بالخارج زاد لنا دينارين، في تلك الفترة لم يكن همنا المال، لأن مسؤولي “الأفلان” يطالبون بالتضحية من أجل إيصال رسالة الثورة إلى أبعد حد ممكن، كما كنا ننام على أسرة عسكرية”.
قائمة اللاعبين الذين شكلوا تعداد فريق “الأفلان”
عبد الرحمن بوبكر (موناكو)، علي دودو (اتحاد بونة)، عبد الرحمن إبرير (أولمبيك مرسيليا)، مصطفى زيتوني (موناكو)، قدور بخلوفي (موناكو)، دحمان دفنون (أونجي)، محمد سوخان (لوهافر)، شريف بوشاش (لوهافر)، سماعين إبرير (لوهافر)، عبد الله سطاطي (بوردو)، خالدي حمادي (الملعب التونسي)، مختار لعريبي (لانس)، سعيد حداد (تولوز)، علي بن فداح (أونجي)، رشيد مخلوفي (سانت إيتيان)، أمقران وليكان (نيم)، عبد الرحمن سوخان (لوهافر)، عبد العزيز معزوز (نيم)، محمد بوريشة (نيم)، عبد الكريم كروم (تروا)، حسين بوشاش (لوهافر)، سعيد عمارة (بيزييرس)، عبد الحميد زوبا (نيو)، محمد بومزراق (لومان)، جمال بورطال (بيزييرس)، عمار رويعي (أونجي)، حسان شبري (موناكو)، عبد العزيز بن تيفور (موناكو)، عبد الحميد كرمالي (ليون)، عبد الحميد بوشوك (تولوز)، سعيد براهيمي (تولوز)، محمد معوش (ريمس)، أحمد وجاني (لانس).