هكذا جاء سعداني .. وهكذا رحل
فعلها عمار سعداني، السبت، أمام أعضاء اللجنة المركزية، وقدّم استقالته “طواعية” من الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني، القرار فاجأ البعض، لكنه كان متوقعا لدى آخرين، ومنذ وقت طويل.
بعيدا عن الأسباب الحقيقية التي دفعت بالرجل إلى رمي المنشفة، لأنّ فهم ما يجري داخل “جهاز” تاريخي للحكم أمر يستعصي على القراءة التحليلية العلمية، وتبقى أسرار الأحداث في صدور صناعها إلى إشعار آخر، ومع ذلك، فإنّ مرور عمار سعداني على رأس الأفلان، سيُكتب في تاريخ الحزب بلون مغاير، سواء اتفق البعض معه، أو اختلفوا حول خطابه ولغته وطريقة إدارته للصراع.
وصول الرئيس الأسبق للغرفة السفلى للبرلمان، رافقه حديث واسع عن وصاية عليا يحظى بها لدى “أهل الحل والعقد”، وبذلك جاء معزّزا للأمانة العامة، واستمرّ مكرّما في إدارة دفة “الحزب العتيد”، فلم يجرؤ أحد على نقده أو الاعتراض على أسلوبه السياسي، ومن فعلها دفع الثمن عاجلا.
لم تمرّ سوى أشهر قليلة عن تزكيته أمينا عام في أوت 2013، حتّى فجّر سعداني “قنابل” سياسية خطيرة، بانتقاده لمدير المخابرات وقتها الجنرال “توفيق”، وتحدّث عن أدائه الأمني بنبرة لاذعة، في موقف غير مسبوق بتاتا في الجزائر من طرف حزب “حاكم”، لتتوالى بعدها طلقاته الناريّة في حقّ الرجل حتّى مغادرته المنصب، وآخرها قبل أسبوعين.
أما خصومه السياسيون، من داخل الحزب وخارجه، سواء في “التحالف” الحكومي أو في أطياف المعارضة، فقد طالهم قاموس التخوين والاتهامات والتشكيك، ولم يسلم منهم أحد، من المجاهدين في صورة “مجموعة 14” إلى زعماء الأحزاب مثل أحمد أويحيى ولويزة حنون، مرورا برفقاء النضال، على غرار عبد العزيز بلخادم ومن دار في فلكه، فضلاً عن تشكيلات المعارضة التي يرتاب سعداني في ارتباطها بأجندات خارجية.
وحتّى الوزراء والمسئولون الذين انتقد عمار سعداني أداءهم القطاعي، غادروا سريعا مناصبهم في أول تغييرات أعقبت تصريحات الرجل “النافذ” في السلطة، وليس عمار غول وسيد أحمد فروخي ومحمد لكصاسي سوى عينة من هؤلاء، أمّا من سوّلت له نفسه الوقوف في وجه سعداني، فقد خرج من الباب الضيّق، وصار أثرًا بعد عين، وما مثلُ رشيد حراوبية وعمّار تو والهادي خالدي والطاهرة خاوة عنّ الساحة ببعيد.
بتلك “القوة” والخطابات الحادّة، أصبح حديث عمار سعداني لوسائل الإعلام في حدّ ذاته حدثًا، وإذا نطق الرجل، ولو لم يقل شيئا، صنع “الشو” السياسي، وصرف الأنظار عن كل ما يجري في البلد، قبل أن يعلن “التنحّي” في خطوة ستكون لها تداعياتها وما بعدها في حزب الأغلبية، وهو يستعدّ لخوض غمار انتخابات برلمانية، كل المؤشرات ترشّحها لتكون مختلفة عن سابقاتها.
التاريخ وحده سيحكم على عهدة سعداني على رأس الأفلان، لأنّ البعض يعتبره شجاعًا و”ثائرا” يبوح بما يجب أن يقال، ويسمّى الأشياء بمسمياتها من دون لفّ ولا دوران، في حين، يراه منتقدون، أنه “متهوّر” وهاوي سياسة يدير الصراع بمنطق تصفية الحساب.