هكذا رفض الطاهر بن عيشة شيكا أمريكيا على بياض
بعد تأبينية “الشروق”، التي نظمت عقب وفاته بأسبوع فقط، ارتأت وزارة الثقافة إقامة ندوة فكرية تكريمية بالمكتبة الوطنية بالحامة، بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة الكاتب والإعلامي الطاهر بن عيشة، بحضور عديد المثقفين والكتاب يتقدمهم وزير الثقافة عزالدينى ميهوبي والوزير الأسبق لمين بشيشي وعدد من أصدقاء الراحل. ورصدت “الشروق” على هامش الندوة مجموعة من الشهادات المثيرة حول المناضل المشاكس والمثقف العنيد والزيتوني الفقيه، وصاحب سلسلة الروبورتاجات والتحقيقات عن الحضارة الإسلامية في القارة السمراء والاتحاد السوفياتي.. كيف كانت علاقته مع أسرته والكتاب؟ وكيف شكا الملحق الثقافي بالسفارة الأمريكية بالجزائر إلى الرئيس بن بلّة؟.. وغيرها من زوايا الظل في حياة المرحوم الطاهر بن عيشة.
قال إن الوزارة ستطبع أعماله وتحضر لإطلاق اسمه على مؤسسة ثقافية
ميهوبي: بن عيشة أجبرني على قراءة الشعر بالبدلة العسكرية وهذا ما قاله بوتفليقة للبابطين عنه
قال وزير الثقافية عز الدين ميهوبي إن وزارته قررت طبع أعمال الرحالة والصحفي الراحل الطاهر بن عيشة إلى جانب إطلاق اسمه على إحدى المؤسسات الثقافية، وهذا اعترافا بما قدمه الرجل للساحة الثقافية والإعلامية في الجزائر طيلة أزيد من خميسن سنة قضاها رحالة وباحثا وكاتبا. عز الدين ميهوبي اعتبر بن عيشة “فلتة” في الثقافة الجزائرية “اتسم بالشجاعة والجرأة والعناد وباحترام الرأي وآداب الاختلاف.
وأضاف وزير الثقافية على هامش ندوة تكريمية احتضنتها المكتبة الوطنية أمس في الذكرى الأولى لرحيل الطاهر بن عيشة بحضور عائلته وعدد من المثقفين وأصدقاء الراحل . قال ميهوبي إنه تعرف على بن عيشة في ثمانينات القرن الماضي في اتحاد الكتاب الجزائريين أين كان بن عيشة محاورا ومناقشا لمختلف الفاعلين في الحقل الثقافي والأدبي كبارهم وصغارهم وفي جميع التخصصات والحقول كشف ميهوبي أن في إحدى تلك الجلسات التي حضرها كجندي في الخدمة الوطنية في بني مسوس الطاهر بن عيشة أجبره على قراءة الشعر على منصة الاتحاد باللباس العسكري.
وزير الثقافية الذي تأسف لكون أغلب انجازات بن عيشة غير مدونة وإلا كانت ستملأ مجلدات، وقال إن الرئيس بوتفليقة أصر على تقديم بن عيشة بنفسه لعبد العزيز سعود البابطين وقال عنه “هذا أقدم يساري في التاريخ، سقط جدار برلين وهو لم يغير رأية” و هذا على هامش الجلسة التي استقبل خلالها بوتفليقة المثقفين العرب والجزائريين بعد انتخابه. هذا وقد تم على هامش الندوة التي تضمنت شهادات من رفقاء درب الرجل شريط وثقافي يستعرض مسيرة الطاهر بن عيشة ولا سيما سلسلة رحلاته “حراس التراث” في أوروبا الشرقية باحثا وكاتبا عن الحضارة الإسلامية.
محمد تين:
“رفض صكا على بياض لملحق السفارة الأمريكية بالجزائر”
“مآثر شخصية المرحوم الطاهر بن عيشة كثيرة تبدأ من الثلاثينيات ورحلتي المشتركة معه التي تقارب الـ50 سنة، ويمكنني القول إنّ ذلك المناضل العنيد المتمسك بمبادئه حملها أكثر من ستين سنة، ولم تتغير أبدا سواء قبل أو خلال أو بعد الثورة، وكان يقف إلى جانب المستضعفين والبسطاء”.
وقال محمد تين رئيس جمعية “الجاحظية” لـ”الشروق” أنّ بن عيشة بدأ نضاله السياسي في الأربعينيات وبالأخص في 8 ماي 1945، كما كان مسيّرا لفرقة مسرحية كانت تجوب قبل الثورة البوادي والمناطق الريفية في الجزائر ونقدم أعمالا تحسيسية، لذلك ففي تلك الفرقة المسرح كان ملتزما، حيث كونت الفرقة معظم رواد المسرح الجزائري وأذكر مصطفى كاتب وفنانين آخرين، مثل الفنانة سلوى، إضافة إلى مواقفه الثورية التي لا يتسع المجال لذكرها لتعقيداتها غير أنّه لابد من التنويه ببعض مشاركاته مع المرحوم الطاهر وطار وعثمان شبوب وعلي مروج في إصدار الطبعة العربية لجريدة “العمل” الجزائرية الناطقة باسم الاتحاد العام للعمال الجزائريين وهي الجريدة التي أوقفت بعد صدور ثلاثة أعداد بعد تدخل الحكومة التونسية لأنّها اتهمتهم بما كانوا يحملونه من أفكار قومية ووطنية ومغاربية وتتهم بأنّهم على صلة مع صالح بن يوسف المناوئ للحبيب بورقيبة آنذاك. وبعد الاستقلال شارك مع المرحوم وطار في إصدار جريدة “الجماهير” ثم تولى إدارة صحيفة “الثورة والعمل” وأثناء ذلك سجل موقفا قويا بعد الاستقلال وهو أنّ الملحق بالسفارة الأمريكية المكلف بالنقابات أغراه بشيك على بياض من أجل العدول والتخلي عن مواقفه بل ورفضه وطرده وتدخل عند الرئيس المرحوم بن بلّة وشكا إليه تصرف الملحق بالسفارة معه، وبالتالي الملحق رحلّ وحسب الطاهر بن عيشة سافر الملحق إلى الفيتنام.
وحدث هذا بمناسبة عشية انعقاد النقابات الإفريقية وكانت السفارات الأمريكية تدفع الإتحاد العام للعمال الجزائريين إلى الانضمام في “السيزل” (النقابات الحرّة). وهذا لم يكن موقف الجزائر.
الأمين بشيشي وزير سابق
قال لمين بشيشي إن الطاهر بن عيشة كان يجسد الثقافية حتى في حديثه العادي ونكته، كان صديقا للثقافة والكتاب خاصة، حيث أشار وزير الإعلام السابق أن من حظ الطاهر بن عيشة أن مكتبته التي لا تبتعد كثيرا عن المكتبة الوطنية كانت مرتبة في رفوف وإلا كان مصيره سيكون مثل مصير الجاحظ وستدفن كتبه. وأضاف بشيشي على هامش الندوة التكريمية للذكرى الأولى لرحيل الطاهر بن عيشة أن الرجل ظل دائما وفيا لمساره وخطه. كان له النفس الطويل في الجدال والمناقشة العميقة كان يحترم المخالفين له ومتشبثا برأيه.
الإعلامي عبد الرزاق جبالي:
“بن عيشة واحد من أعمدة التاريخ”
يقول الإعلامي عبد الرزاق جبالي أإّه عرف الطاهر بن عيشه رحمه الله في ستينيات القرن الماضي، عندما كان طفلا لكونه ابن منطقته ويعتبر أستاذه لأنه وجهه للإذاعة الجزائرية عندما بدأ مشواره الإذاعي وهو بمرحلة الثانوية. وذكر أنّه شارك في الكثير من البرامج التي كان يعدها بقلمه الرائع، وكان يقدم له لتلك البرامج منها “لكل سؤال جواب” وبرنامج “آفاق الشباب” وغيرها من البرامج التي كان له فيها باع كبير ومستمعون كثيرون.
وبعدما أكمل دراسته في السبعينيات لفت المتحدث لـ”الشروق” أنّه كان لا يفارقه رفقة المرحوم الطاهر وطار الذين كان صديقه وكان ينهل من منبعه في التاريخ والقصة لاسيما عندما يحاول كتابة شيء معين. وأشار المتحدث أنّ بن عيشة كان يشجعه ويوجهه بنوع من النقد الأدبي الساخر. مؤكدا أنّ بن عيشة يعدّ واحدا من أعمدة التاريخ والبحث في الجزائر وبفقدانه فقدت الجزائر ركيزة في التاريخ رفقة الكثيرين ممن عايشوه كالطاهر وطار وآخرين.
ومن الطرائف التي حدثت له مع المرحوم روى: “ذات يوم كنا في المقهى وطلبت حليبا، فقال لي بن عيشة قل لأمك تعطيك حليبا.. هنا لا يوجد حليب”.
سليمان جوادي:
“بن عيشة اكثر المثقفين شعبية واليساريون اعتبروه متفقها في الدين”
يعتبر الطاهر بن عيشة أكثر المثقفين شعبية، حيث يعرفه المثقفون والدارسون والمواطن البسيط الذي لم يدخل المدرسة فكان ظاهرة في الثقافة الجزائرية وكان شعلة من الذكاء وله ذاكرة قوية فقلما نجدها لدى غيره من المثقفين، إنّه موسوعة في كثير من المجالات، ومتفقه في الدين، فضلا على أنّه خريج “الزيتونة”، وأيضا من عائلة دينية ومحافظة، ويعتقد اليساريون أنّه لا يعرف في الدين، بل العكس تفقه في الدين ويكفي أنّ المحاضرات التي كان يقيمها في المركز الثقافي الإسلامي علي منجلي أكبر دليل على ذلك.
وعن علاقته مع المرحوم، لفت جوادي أنّها كانت أسرية، حيث يطمئن الإثنان على بعضهما ويتزاوران، حيث وفي نهاية السبعينيات كانا مع بعض في لجنة ثقافية كانت تابعة لاتحاد الكتاب الجزائريين أيام مجده كان وقتها العربي ولد خليفة رئيسا للاتحاد، وكان جوادي مع بن عيشة رفقة أعضاء آخرين منهم عبد الرزاق قسوم، حيث كان الجميع يشكل عضوية اللجنة، فكانوا تقريبا دائما مع بعض، فكان بن عيشة يوصله بسيارته. واكدّ جوادي أنه تأثر كثيرا لموته وفقد واحدا من أصدقائه الأعزاء.
علي ذراع:
“بن عيشة لا يناقش في اللغة العربية والإسلام”
قال الكاتب والإعلامي وممثل مجمع “الشروق للإعلام” علي ذراع إنّ المرحوم الطاهر بن عيشة من الذين يحبون مناقشة الأفكار، ومعرفتي به تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، كنّا نختلف في الكثير من القضايا ونتفق في أكثرها في الوقت نفسه.
وأضاف علي ذراع أن هذه القضايا كانت اجتماعية وسياسية والقضية التي تعتبر القضية الأم هي اللغة العربية.
وأشار المتحدث أنّ المرحوم الطاهر بن عيشة لا يناقش عندما يتعلق الأمر باللغة العربية لكونه عربيا إلى النخاع، كما لا يُناقشُ في الإسلام كإسلام، لكن يناقش ويجادل في طبيعة الإسلام من خلال مواضيع مختلفة تطرح للنقاش. ولفت المتحدث أنّ النقاش كان يدور بينهم في الوسط الجامعي وفي مقاهي الجامعة منها مقهى “لوتيس”، حيث شاءت الأقدار يضيف علي ذراع أن يعين على رأس مجلة الوحدة، حيث فتح الباب أمام الكتاب والإعلاميين الكبار للكتابة على صفحاتها على غرار الطاهر وطار ورشيد بوجدرة وآخرين، والمجلة كبرت بالطاهر بن عيشة وعديد الكتاب.
وقال علي ذراع مازحا في الندوة التكريمية التي نظمتها وزارة الثقافة بالتنسيق مع المكتبة الوطنية أمس، للمرحوم الطاهر بن عيشة أنّه كلّما التحق كاتب بالمجلة سواء الطاهر بن عيشة أو غيره لا بد من السؤال عنه، حيث عندما التقى الشريف مسعدية قال له سي الطاهر سيلتحق بنا فماذا تقول عنه، فردّ لا يمكن أن يتلحق بكم الطاهر؟. وأضاف: “أجبته لقد التقيته في مقهى “لوتيس” وقال لي غدا سأكون عندكم في المقر وأحضر لكم أولّ مقال، فقال هذا انتصار للمجلة ولجبهة التحرير الوطني، فالطاهر بن عيشة مناضل بأفكاره”.
ليلى بن عيشة:
“نفكر في التأسيس لجائزة وجمعية باسمه”
أكدّت ابنة المرحوم الطاهر بن عيشة ليلى أنّها تتذكر سوى الأشياء الجميلة والطيبة عن والدها فكانت تسميه “أطيب خلق الله”، ولم تشهد طوال حياتها نبرة غضب منه تجاههم، نشأت على دروسه وقصصه الحكيمة. وتعتبره إنسانا فريدا من نوعه مع أسرته والآخرين، وكان ينصحهم بالاقتراب من قاعدة الناس البسطاء.
وأشارت أنّه غالبا ما يجلس في المقاهي الشعبية وعندما يسأل عن ذلك يردّ أفعل هذا لأعرف الناس البسطاء واسمع مشاكلهم اليومية، وعندها يحس بهم ويكتب عنهم بموضوعية وصدق. كما كان غالبا ما ينصحهم بأنّ الكتابة الصحفية لا تكون من داخل الصالونات، بل تستمد من الواقع.
ولم تخف المتحدثة أنّ والدها كان لا ينام في الليل سوى ساعتين أو ثلاث باعتباره يستغرق وقتا طويلا في قراءة الصحف والكتب: “أنام وأتركه يقرأ الكتب والصحف وعندما أستيقظ أجده كذلك وعندما ننصحه بالتوقف قليلا يقول لنا الجهل يناديني، أتحبون أن اترك متعة القراءة والكتابة وأبقى في الجهل”.
وبخصوص بعض الطرائف معه، قالت ليلى: “هي كثيرة، لكن المهمة انّه ذات يوم مازحته والدتي بحرق الكتب المتناثرة في كل مكان فغضب وقال ونحن نضحك: “المغول يهجم، المغول يحرق مكتبة بغداد من جديد… يتميز بروح الدعابة والفكاهة”.
وتأمل بن عيشة ليلى في التأسيس لجمعية ثقافية تعنى بمجال الكتابة في مجالات مختلفة وتأسيس جائزة تحمل اسمه وتمنح للمبدعين الشباب في مجالات الثقافة والفن والإعلام.
محمد بوعزارة:
“بن عيشة قامة فكرية وثورية ومدافع شرس عن أفكاره”
أكدّ الكاتب والإعلامي محمد بوعزارة أنّ الطاهر بن عيشة يبقى قامة فكرية وصحفية وموسوعة شاملة في مختلف مجالات الفكر والثقافة، وقال: “عرفت المرحوم بن عيشة منذ أوت 1971، الرجل تسكنه حالة ثورية، دائما تجده مناقشا شرسا ومدافعا عما يؤمن به من أفكار سواء في قضايا التحرر أو القضايا الإنسانية أو ما يطلق عليه بـ”العدالة” وفق مفهومه.
وأضاف بوعزارة أن بن عيشة يوصف باليساري المسلم ومن بين ما يتذكره ذاك النقاش الذي دار عقب محاضرة ألقاها بن عيشة في بداية السبعينيات بالمركز الثقافي بالعاصمة وكان وقتها المرحوم مولود قاسم وزيرا للتعليم الأصلي والشؤون الدينية حول “اليسار في الإسلام”، حيث جندت له مجموعة من المشايخ والعلماء وعند انتهاء المحاضرة تواصل النقاش إلى ثلاثة أيام متتالية.
وتابع المتحدث قائلا: “وعندما لم يتمكن المشايخ من تغليب حججهم على الطاهر بن عيشة، قال له الشيخ حماني “كل الأولاد ينسبون إلى أبائهم إلا أنت يا سي الطاهر تنسب إلى أمك”، فردّ عليه بن عيشة “إنني ثاني اثنين عيسى بن مريم والطاهر بن عائشة”. وأشار بوعزارة أن المرحوم كان خفيف الظل والدعابة وثوريا ومفكرا من طراز متميز، ترك العديد من الآثار يأمل بوعزارة أن تطبع فضلا عن انتاجاته الإذاعية الغزيرة منها “صوت العمال” و”نافذة على إفريقيا” وسلسلة التحقيقات الكبرى التي أعدها حول الحضارة الإسلامية، فكان يقول: “نابغة شخصية نادرة في أفقه وثقافته وبعد نظره”.
ولم يخف بوعزارة خفة روح وظل بن عيشة أنّ المرحلة الشبانية في القرن الـ20 كانت تتميزي باليسارية أو الظاهرة التقدمية، فروى للحضور منهم الكاتبة زهور ونيسي والراحل عبد الحميد مهري وعدد من المثقفين وقال أنّ “حسنين هيكل قال لشاه إيران يا صاحب الغبطة لقد قرأت أنكم تأثرتم عندما كنت طالبا بالجامعة بالأفكار اليسارية وربما أيضا بالشيوعية، فابتسم شاه إيران وقال ليهكل اسمع: من لم يتأثر باليسارية دون سن العشرين ليس بإنسان وكذلك بعد سن العشرين، وهنا استدار لي الطاهر بن عيشة وقال أنظر بنفسك”.
محمد عباس:
“المرحوم بن عيشة كان مناضلا يساريا ورجل مسرح وفكر وصحافة”
أبرز المؤرخ محمد عباس أنّ بن عيشة رجل يجمع ميادين ثقافية وعلمية وفنية كثيرة، فكان رجل مسرح وصحافة ودين وفكر، فواجهاته كثيرة، كان مناضلا يساريا بدأ في حركة انتصار الحريات الديمقراطية أواخر الأربعينيات، ثم التحق بالحزب الشيوعي الجزائري، ثم عاد إلى الحركة الوطنية والثورية، وفي عام 1954 التحق بالثورة وكان متحمسا بالرغم من أنّه لم يكن مهيكلا، وكان يعرف عبد الكريم هالي ابن منطقته والذي أصبح واحدا من قيادي الثورة في تونس. ولم يخف المتحدث أن علاقته كانت أخوية واحترام متبادل لكونه أخا وصديقا، وكانوا يلتقون في مقهى “لوتيس الشهيرة” بساحة أودان.







