رياضة
أفنى حياته في خدمة الشبيبة كلاعب ومسير

هكذا ساهم حناشي في صنع أمجاد نسور الكناري

صالح سعودي
  • 703
  • 3
ح.م

عبّر الشارع الكروي الجزائري عن عميق حزنه إثر وفاة الرئيس السابق لشبيبة القبائل محند الشريف حناشي، وهذا بعد معاناة مع المرض، حيث عجت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة لمختلف أنصار الأندية الجزائرية بعبارات الحزن والتعزية والمواساة، بالنظر إلى قيمة الرجل وماضيه الكروي، وهو خدم نسور الكناري كلاعب ومسير ثم كرئيس فريق لمدة تزيد عن ربع القرن، حيث ساهم بشكل فعّال في حصد نصيب هام من تتويجات الشبيبة على الصعيدين الوطني والقاري، وهذا في أوقات حسّاسة مرت بها الكرة الجزائرية والبلاد بشكل عام.

ينظر المحيط الكروي الجزائري إلى الرئيس السابق لشبيبة القبائل محند الشريف حناشي بكثير من الإشادة والتقدير والاحترام، وبصرف النظر عن الخلافات التي تكون قد حدثت له مع بعض اللاعبين والمسيرين القدامى من الشبيبة أو مسيرين ورؤساء أندية أخرى، إلا أن ذلك لم يمنع الجميع من التأكيد على مكانة الرجل ودوره الهام في رفع راية الكرة الجزائرية، من خلال مساهمته الفعّالة في تتويجات نسور الكناري على الصعيدين المحلي والقاري، والحضور النوعي في مختلف المنافسات التي جعلت شبيبة القبائل بمثابة أبرز الممثلين للكرة الجزائرية في المحافل الكروية، بدليل تتويجها بكأس إفريقيا للأندية الحائزة على الكأس عام 1995، والتتويج 3 مرات متتالية بكأس الكاف، ناهيك عن بروز الشبيبة اللافت في منافسة رابطة أبطال إفريقيا، إضافة إلى التتويجات العديدة بلقبي البطولة والكأس، هذا في فترة حناشي رئيسا، دون نسيان المرحلة التي كان فيها مسيرا، آخرها التتويج بكأس إفريقيا للأندية البطلة في زامبيا عام 1990.

ويعد محند الشريف حناشي من الرؤساء القلائل الذين يملكون ماضيا كرويا مهما ومزدوجا في المستطيل الأخضر، بحكم أنه كان لاعبا بارزا في تشكيلة شبيبة القبائل، خاصة في فترة السبعينيات، وذلك موازاة مع ارتقائها إلى حظيرة الكبار، حيث يجمع الكثير على صلابته في الدفاع، وكذا مساهماته النوعية في الطلعات الهجومية، وهو ما كشفت عنه عديد الصور والفيديوهات التي بثها التلفزيون العمومي في وقت سابق، وكذا حنكته في مجال التسيير، بدليل قيادة الشبيبة نحو التألق لسنوات طويلة. وفي الوقت الذي أنهى حناشي مشواره الكروي مع نهاية السبعينيات وعمره لا يتجاوز 30 سنة، فإن تركيزه كان منصبا على مواصلة خدمة الفريق في الشق الإداري، بعدما شغل منصب مسير خلال فترة الثمانينيات، وكان من المساهمين الفاعلين في التتويج الإفريقي عام 1990 في الأراضي الزامبية على حساب نادي نكانا ريد ديفيس بركلات الترجيح، بعدما انتهى لقاء الذهاب بفوز الشبيبة بهدف لصفر، وخلصت مباراة العودة بفوز الزامبيين في ملعب لوزاكا بنفس النتيجة، مثلما كان دوره بارزا منذ توليه رئاسة النادي عام 1993، فخلال فترة توليه هذه المهمة التي دامت ربع القرن، ساهم في عديد التتويجات المحلية والقارية، وفي مقدمة ذلك إحراز لقب كأس الكؤوس الإفريقية عام 1995، بشكل أعاد هيبة الكرة الجزائرية على الصعيد القاري في فترة صعبة وحساسة، دون نسيان الظفر بلقب كأس الكاف 3 مرات متتالية مع مطلع الألفية الحالية، وتزامن ذلك مع الظروف الأمنية والسياسية الصعبة التي عرفتها البلاد ومنطقة القبائل بالخصوص. وفي السياق ذاته، فقد تركت الشبيبة في فترة حناشي انطباعا طيبا في منافسة رابطة أبطال إفريقيا التي ضيعتها في عدة مناسبات لأسباب مختلفة، ولعل أبرزها عام 2010.

تضامن مع قاسمي وضحايا باب الواد ولم ينس عبان
“الجزائر أولا” أبرز شعارات حناشي في التتويجات القارية

لم تكن تتويجات شبيبة القبائل بالألقاب القارية تمر هكذا في عهد الرئيس حناشي، حيث كان في كل مرة يربطها بأحداث ومناسبات ومواقف معينة، بدليل أنه لم ينس ضحايا فيضانات باب الواد الأليمة التي أودت بحياة عدد كبير من الأبرياء عام 2001.

فكان التتويج بكأس الكاف في نفس الفترة على حساب النجم الساحلي بمثابة أفضل هدية تنسي الجزائريين تلك الحادثة المأساوية. كما كان التتويج الأول بهذه النسخة من كأس الكاف هدية لروح المهاجم حسين قاسمي الذي وافته المنية إثر سقوط سيئ فوق أرضية ملعب 1 نوفمبر بتيزي وزو، علما أن قاسمي ارتبط اسمه بشبيبة القبائل التي تألق بألوانها، وكان هداف البطولة بامتياز، بناء على تألقه اللافت الذي جعل الكثير يتنبأ له بمستقبل زاهر، إلا أن الأجل سبقه في ريعان شبابه. وفي السياق ذاته، لم ينس حناشي أن يخصص أحد تتويجات الشبيبة القارية لروح مهندس مؤتمر الصومام عبان رمضان، وهذا من باب رد الاعتبار لهذه الشخصية التاريخية التي يرى أن دورها كبير في تحرير الجزائر مثل بقية قيادات الثورة، رافضا أن تتعرض للإساءة أو التشويه. ومن بين المواقف والتصريحات التي تحسب لحناشي، هو تأكيده في كل محفل قاري بأن شبيبة القبائل تمثل الجزائر في المقام الأول، حيث تنصهر حينها حسب قوله كل الجزئيات، حيث أكد في أكثر مناسبة بأن الجزائر هكذا تكون، أو هذه هي الجزائر. حدث ذلك تزامنا مع البروز اللافت لنسور الكناري في عديد المنافسات القارية، وفي مقدمة ذلك مطلع الألفية، حين تم الظفر بكأس الكاف 3 مرات متتالية، كما عرف حناشي بوقفته الميدانية الحازمة حرصا على مصالح فريقه حتى يكون في مستوى طموحات الجماهير الجزائرية، بدليل الصور المتداولة وهو يشاهد نهائي كأس الكؤوس عام 1995 بكثير من القلق والعصبية إلى جانب المدرب الراحل جعفر هاروني، ناهيك عن حرصه على تهدئة كرسي البدلاء في مرحلة حسّاسة من مجريات البطولة، خاصة بعدما تلقى دفاع الشبيبة هدفا مباغتا في ملعب 5 جويلية، قبل أن يقلب زملاء مناد الموازين، ما مكنهم من إبقاء الكأس في الجزائر.

تلقى عدة صدمات أثرت في نفسيته وكشفت عن إنسانيته
بكى قاسمي وإيبوسي بحرقة وظفر بمواهب محلية وإفريقية نوعية

إذا كان حناشي قد صنع أفراح شبيبة القبائل بشكل لافت، سواء كمسير أو خلال فترة توليه رئاسة النادي منذ العام 1993، إلا أنه مرّ بمواقف صعبة، وصدمات كبيرة أثرت في نفسيته، وكشفت في الوقت نفسه عن حسّه ووقفاته الإنسانية، على غرار ما حدث إثر وفاة المهاجم حسين قاسمي بعد سقوط سيئ في ملعب 1 نوفمبر مباشرة بعد توقيع هدف برأسية في مرمى اتحاد عناية، وكذا الوفاة المأساوية للمهاجم الكاميروني إيبوسي في ذات الملعب، وغيرها من الأحداث والصدمات والضغوط التي تعرض لها حناشي طيلة فترة تسييره وترأسه لنسور الكناري.

امتزجت الأفراح التي ساهم حناشي في صنعها مع شبيبة القبائل مع تعرضه لمتاعب وصدمات مؤثرة، وفي مقدمة ذلك حادثة وفاة الهداف حسين قاسمي إثر سقوطه الصعب على أرضية إسمنتية مباشرة بعد توقيعه لهدف في مرمى اتحاد عنابة برأسية، خلال إحدى الجولات الأخيرة من موسم 99-2000، حيث عمل حناشي ما بوسعه من أجل نقل قاسمي إلى فرنسا للعلاج، إلا أن الأجل كان أسرع. وبعد وفاة قاسمي كان لحناشي مواقف إنسانية مع عائلة الفقيد، حيث لم يتوان في زيارة والدته والاطمئنان على إخوته، وعمل على مساعدتهم في المحنة التي مروا بها، كما كان تحت تصرفهم في عديد المسائل والمناسبات. كما مرّ حناشي بوضعية صعبة أخرى، بعدما توفي المهاجم الكاميروني إيبوسي مطلع الموسم 2014-2015 في ظروف لا يزال البعض يصفها بالغامضة، وهذا خلال المباراة التي نشطتها الشبيبة فوق ميدانها أمام اتحاد الجزائر، وهي الحادثة التي أثرت في حناشي كثيرا، ما جعله يجهش بالبكاء بحرقة أمام الجميع، مشيرا بأن هذا الحدث المأساوي قصم ظهره وأثر فيه كثيرا، خاصة وأنه وجد نفسه وحيدا يواجه متاعب بالجملة في قضية هزّت الرأي العام الوطني والدولي. وفي السياق ذاته فقد تعرض حناشي لجملة من الضغوط التي تحوّلت في بعض الأحيان إلى إهانات من عدة أطراف، خاصة في السنوات الأخيرة من توليه رئاسة الشبيبة، وتزامن ذلك مع الأزمة الصحية التي كان يمر بها، ما جعل الكثير يتمنى لو خرج الرجل من الباب الواسع، وهذا نظير تضحياته الكبيرة من أجل النادي لسنوات طويلة، سواء كلاعب أو مسير أو رئيس فريق.

وبعيدا عن الوضعيات الإنسانية الصعبة التي مرّ بها والضغوط المختلفة التي تمر بها خلال إشرافه على الشبيبة، فإن حناشي كان في مستوى تطلعات أنصار الشبيبة في مختلف ربوع الوطن، خاصة في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية، من خلال الانتدابات النوعية التي كان يقوم بها، والمبنية أساسا على جلب لاعبين يتصفون بالموهبة الكروية، على غرر الهداف فريد غازي الذي كانت الشبيبة بوابة لاحترافه بفرنسا، والكلام ينطبق على برقيقة وموسوني ومختلف الأسماء والمواهب الكروية التي مرت على الشبيبة، كما ظفر بخدمات لاعبين أفارقة من الطراز العالي، بدليل أن بعضهم تصدر قائمة هدافي البطولة الوطنية، في صورة الكاميروني إيبوسي ومواطنه دابو والليبي داوود وغيرها من الأسماء التي برزت عاليا بقميص الشبيبة.

رغم الضغط الذي تعرض لها ومحاولة إخراجه من الباب الضيق
الجماهير الكروية تشيد بإنجازات حناشي وتضحياته في خدمة الشبيبة

لم تتوان الجماهير الجزائرية في الإشادة بالإنجازات النوعية التي حققها الراحل محند الشريف حناشي طيلة فترة إشرافه على شبيبة القبائل، وهذا كمسير أو رئيس ناد، وبصرف النظر عن التنافس الحاد بين الأندية على صعيد الكأس والبطولة، إلا أن ذلك لم يمنع الشارع الكروي الجزائري من وصف حناشي بالرئيس النموذجي الذي يتمنى الجميع أن يتولى أمثاله بقية الأندية.

يجمع أنصار شبيبة القبائل وبقية الجماهير الجزائرية بأن الرئيس الراحل محند الشريف حناشي قد أفنى عمره في خدمة الشبيبة، حيث تأسف الكثير على الحملة الشرسة التي تعرض لها في المواسم الأخيرة من توليه رئاسة النادي، كما تعاطف الجميع معه موازاة مع الوضعية الصحية التي مرّ بها خلال الأيام الأخيرة من حياته. وقد وصف الكثير بأن حناشي يعد رمزا من رموز الشبيبة والكرة الجزائرية، ويشهد له التاريخ والإحصائيات على تفانيه في خدمة فريقه والمساهمة في صناعة أمجاده محليا وقاريا، بدليل أنه قضى 24 سنة كاملة كرئيس لشبيبة القبائل في مشوار كان حافلا بالتتويجات المحلية والقارية، فكانت حصيلتها 10 ألقاب (4 بطولات، 2 كأس جمهورية، 4 كؤوس إفريقية)، وفي الحالات العادية كانت الشبيبة تحتل المراكز الثلاثة الأولى مع مشاركة منتظمة في المنافسات القارية والتي كانت أقواها سنة 2010، قبل أن يغيب في المواسم الأخيرة لأسباب مختلفة، معتبرين أن هذه الحصيلة جعلت حناشي الرئيس الأكثر تتويجا في الجزائر، لتضاف إليها إنجازات إدارية أخرى، بحكم أنه كان صيادا ماهرا للعصافير النادرة على مرّ السنوات الماضية، كما كان مدافعا شرسا عن الفريق لدى مختلف الهيئات الكروية. وخلص الكثير إلى القول بأن حناشي رحل عن هذه الدنيا، إلا أن إنجازاته ستبقى راسخة في ذاكرة الجماهير الجزائرية وأنصار الشبيبة على الخصوص، وهو الذي أفنى حياته وزهرة شبابه في خدمة الشبيبة كلاعب ثم مسير وأخيرا رئيس ناد، ما يجعل حناشي مرتبطا بالشبيبة، مثلما تبقى الكثير من إنجازات نسور الكناري مرتبطة بتضحيات الراحل حناشي.

اعترفوا بطيبته رغم خلافاتهم النسبية في الشق الرياضي
لاعبون ورؤساء أندية يشيدون بمناقب حناشي ويعزون أسرة الشبيبة

لم يتوان المحيط الكروي في تقديم تعازيه والتعبير عن حزنه لرحيل الرئيس الأكثر تتويجا في تاريخ الكرة الجزائرية محند الشريف حناشي، حيث أجمع لاعبون ومدربون ورؤساء أندية على قيمة الراحل والإنجازات التي حققها في سماء الكرة الجزائرية، وبالمرة مساهمته في تألق شبيبة القبائل، حتى أن الكثير ممن اختلفوا معه في الشق الرياضي لم يتوانوا في الإشادة بطيبته وجانبه الإنساني. وفي هذا الجانب أكد الرئيس السابق لشباب بلوزداد والرابطة الوطنية المحترفة قرباج بأن حناشي يعد رمزا من رموز الكرة الجزائرية، وهذا نظير الانجازات التي حققها مع شبيبة القبائل ودفاعه المستميت على فريقه، وهو نفس الكلام الذي ذهب إليه المدرب عزالدين آيت جودي الذي سبق له الإشراف على الشبيبة في عهد حناشي، مؤكدا على تضحيات وحب حناشي للنادي، كما ذهب لاعبون آخرون في عدّ مناقب الرجل، في صورة موسوني وبن حملات وصايب الذين أكدوا جهود وتضحيات حناشي في خدمة الشبيبة لسنوات طويلة. وفي السياق ذاته فقد عبر لاعبون آخرون حملوا أقمصة أندية أخرى عن حزنهم لوفاة حناشي، مثلما عبر عنه حسين بوعيشة وعبد العزيز قشير وغيرهما في مواقع التواصل الاجتماعي، أما الرئيس السابق لشباب باتنة فريد نزار فقد أكد في منشور له بالقول “انتقل إلى رحمة الله شخص عزيز علينا، وهو الرئيس السابق لشبيبة القبائل حناشي. موح الشريف الذي أعطى وضحى بالكثير لفريقه وقدم الأكثر للكرة الجزائرية على المستوى المحلي وعلى المستوى الخارجي، ورغم هذا فكان جزاؤه طعنه من مقربيه دون حياء وتشويه سمعته والشكاوى العديدة المقدمة ضده. هل هذا هو التنافس في بلدنا؟ هل لهذه الدرجة يهان رجالنا من أجل أغراض شخصية بعيدة كل البعد عن المنافسة المشروعة؟ حتى أصيب الرجل بعدة أمراض سببها الوحيد الحالة النفسية المزرية التي كان يعيشها بعدما مورس عليه الضغط والإكراه لإجباره على ترك المنصب الذي لا يدوم لأحد”.

مقالات ذات صلة