هكذا ستصبح العطلة الصيفية مستقبلا
يقترح المختص في شؤون التربية والخبير في المناهج التربوية، وابل محجوب، على القائمين على وزارة التربية الوطنية، طرقا حديثة وعملية لكيفية استغلال العطلة الصيفية، لكي تحقق أهدافها التربوية وحتى تكون متطابقة مع الشروط الأساسية لقواعد العلم، وذلك من خلال تخصيص الشهر الأول للراحة والشهر الثاني للاستثمار الثقافي والنشاط الترفيهي المخطط له، ويجزم في هذا الشأن بأن العطلة الحقيقية يجب ألا تتجاوز الشهرين، لكي لا نكون بحاجة إلى إعادة إدماج التلاميذ مدرسيا خاصة صغار السن، الذين أضحوا ينسون حتى الحروف بعد العودة إلى مقاعد الدراسة، بسبب طول العطلة والتي تصل إلى أربعة أشهر “من تاريخ 22 ماي إلى 21 سبتمبر”.
تخصيص شهر للراحة وآخر للاستغلال الثقافي
ودعا الخبير التربوي في تصريح أدلى به لـ”الشروق”، إلى ضرورة الإعلان الرسمي عن بداية السنة الدراسية القادمة، حتى يتسنى للمؤسسات التربوية وضع خطط التكفل بإجراءات الدخول من جهة، ومن جهة ثانية، ليتمكّن أولياء الأمور من احتساب مدتها بدقة وكيفية استغلال أيامها بشكل منتظم، واقترح في هذا الشأن طرقا عملية وحديثة لكيفية الاستثمار في العطلة الصيفية، حتى لا تفقد أهدافها التربوية، وذلك بداية بتخصيص شهر واحد للراحة المطلقة، في حين يبرمج الشهر الثاني في الاستغلال الثقافي والنشاط الترفيهي المخطط له “أي الهادف”، بالاستعانة بأربعة حلول متاحة، ويتعلق الأمر بالمكتبات المتنقلة التي تجوب الأحياء خاصة في المناطق النائية، إلى جانب تنشيط دور الشباب والمكتبات، فضلا عن بعث الفضاء المسرحي ولو عن طريق فرق هاوية، علاوة على الاستفادة، على نطاق واسع، من الخدمات التي تقدّمها المؤسسات المسجدية، من دورات لتحفيظ القرآن وتنظيم مسابقات لتحفيز المتعلمين على الانخراط في هذا الجو المتنوّع.
وفي هذا الإطار، لفت الخبير في المناهج التربوية، إلى أن هذه المبادرات يجب أن تكون شاملة وتخضع لخطة مدروسة، تعد وفق شروط تربوية تكون مكمّلة لأبعاد وأهداف المناهج الدراسية، وتتطلب بذلك إستراتيجيات خاصة يكون ظاهرها ألعابا وترفيها ومضمونها تربويا هادفا، وينخرط فيها أولياء الأمور “الأسرة بصفة عامة”، والمجتمع المدني على سبيل المثال وليس الحصر، من دون تدخل المدرسة هنا، حتى لا يشعر أبناؤنا التلاميذ بأنهم يمارسون نشاطات ثقافية مباشرة.
وذلك لأجل تحقيق عدة أهداف في آن واحد، من أبرزها تمكين المتعلم من استرجاع نشاطه بعد الراحة مباشرة، ليقبل بذلك على مشروع هادف ومتواصل، وذلك على اعتبار أن العطلة الصيفية التي تتجاوز مدتها الشهرين، تصبح مملة وغير نافعة وتكون لها نتائج عكسية على العموم، وتصير مصدرا مسبّبا للقلق بالنسبة للأولياء والتلاميذ والمحيط بصفة عامة.
وذلك، لأنه مهما كانت إمكانات العائلة الجزائرية باختلاف فئاتها، لا يكون في مقدورها تغطية عطلة طويلة بهذا الشكل، وبالتالي، يمكن للجميع أن يتصور فيما يستغل فضاؤها الزمني، ومن ثمّ، فإن الأجدر أن يتدخل أهل الاختصاص لإبداء الرأي السديد بكل حرية ونزاهة ومهنية حول هذا الملف الحسّاس، يضيف محدثنا.
وبناء على ما سبق، أبرز محدثنا بأن انخراط المجتمع في بعث فضاءات هادفة مغايرة، من شأنها ترقية الحس المدني والمساهمة في تنمية روح المواطنة، وإدماج الموارد المختلفة، وهذا يدخل ضمن أبعاد مناهجها وإستراتيجياتها.
وأما بالنسبة للأستاذ، فأشار وابل محجوب، بأن ما يقال عن التلميذ ينطبق أيضا عليه، وبالتالي، فالمربي الذي قضى عطلة طويلة حسب الظروف والإمكانات المتاحة له، يحتاج إلى مباشرة العمل حتى تستغل طاقاته بصفة عقلانية، ويجد بذلك متسعا من الوقت لتوزيع مجهوداته حسب وتيرة السنة الدراسية، وأي خلل في ذلك يسبّب ضغوطات إضافية وتكون سببا مباشرا في الوصول إلى قناعة بأن المناهج تحتاج إلى تخفيف، والحقيقة غير ذلك.
مطالب باستغلال “الفسحة الضائعة” في تكوين الأساتذة
وفي هذا الصدد، اقترح محدثنا استغلال “الفسحة الضائعة” من الزمن، في تكوين الأساتذة، عن طريق مشاريع تستجيب لمعايير دقيقة، خاصة وأن التوظيف المباشر لآلاف المربين، أصبح يطرح إشكاليات حقيقية، مما يحتّم إعادة النظر في إستراتيجيات التكوين وتكوين المكونين.
“كثافة المناهج”.. مغالطة كبيرة وجب تصحيحها
وأما بالنسبة لإشكالية المناهج الدراسية، فأكد الخبير التربوي، وابل محجوب، أن الحكم عليها بأنها “كثيفة”، يدخل ضمن المغالطات أو على الأقل، فهو “حكم صوري”، لا يعتمد على معايير علمية ودقيقة، وذلك لأن المشكل يكمن في الفضاء الزمني المخصّص لها، والذي يعد غير مناسب وغير كاف، بحيث جرت السنة الفائتة عملية تقييم مكتسبات تلاميذ أقسام الخامسة ابتدائي في ظرف 27 يوما، مما أدى إلى التوقف عن الدراسة اضطراريا لمدة قاربت الشهر، وضاع بذلك الوقت المخصّص لاكتساب المعارف.
وبالتالي، فأي تخفيف للبرامج الدراسية، يساهم، لا محالة، في إحداث فجوات تعود بالسلب على مستوى التلميذ، ما يسبّب ضغوطات للأساتذة الذين تجدهم يبذلون مجهودات أكبر لإكمال البرنامج في ظرف قياسي.
وفي هذا السياق، تساءل محدثنا عن مصير هذه التقييمات الخاصة بالمكتسبات، وعن مجال توظيفها واستغلالها، وذلك على اعتبار أن “التقويم” يعد وسيلة لتحديد الاختلالات بعد التشخيص الدقيق، والقيام بإجراءات لتحسين الأداء وتطوير عناصر المنظومة.
5 أسباب تدعو لإعادة هيكلة المدرسة العمومية
وبالاستناد إلى ما سبق، أكد وابل محجوب أن هيكلة المدرسة أصبحت أكثر من ضرورية في ظل التحوّلات التي تفرض نفسها، وخاصة الضغوطات المتراكمة على الأساتذة والمتعلمين والأولياء نتيجة لخمسة أسباب رئيسية، ويتعلق الأمر، أولا، بسنة دراسية غير مضبوطة، وثانيا، تقليص مرحلة التعليم الابتدائي إلى خمس سنوات، وثالثا، هيكلة المواد والنشاطات من خلال اعتبار بعض النشاطات مواد ضاعفت المجهودات وأرهقت الأساتذة، ورابعا أنماط التقييمات المتتالية وبرمجتها بهذه الأشكال ساهم في تضييع المكتسبات وليس تقييمها، وخامسا حذف بعض المواد والنشاطات كالتربية العلمية، والمدنية في بعض المستويات.
وهو ما يعد بمثابة “تخفيف صوري”، والأجدر أن تدمج مفاهيم هاتين المادتين في سندات أو تعالج ضمن الوضعيات بأشكال غير مباشرة وهذا من شأنه إثراء آفاق المتعلمين، وتنمية رصيدهم المعرفي بصفة عامة، يشدّد محدثنا.