العالم
بين حرب الصلاحيات ونظام الإكراميات / الجزء الثامن والأخير

هكذا طُردنا من دمشق.. والسفارة الجزائرية التزمت “الحياد”!

الشروق أونلاين
  • 8129
  • 0
الشروق
مطار دمشق

كانت السيدة تقسم أنها خرجت دون ثيابها هربا من الحرب وأنها لا تمتلك أي نقود، بكاء السيدة وافتراش العائلات الأرض وطريقة تعامل رجال الأمن والموظفين معهم، جعلتني أنهار فعلا، أحسستُ بأن صورة النظام تتلخص هنا، في مطار دولي تتحكم فيه مختلف الأجهزة الأمنية.

قرار طرد تعسفي في حق موفدة مؤسسة “الشروق”، هو ذلك الذي كان من قبل جهات عليا في نظام بشار الأسد لم تعرف إلى حد الساعة من تكون. تدخل المسؤول عن الجالية الجزائرية في سوريا كان في وقته، فقد تحدى كل الأجهزة الأمنية والجهات المسؤولة وطالب بتبرير القرار. في تلك الأثناء، كنا نتصل بسفارة الجزائر في دمشق، كان موقفها متوقعا، إذ لم تحرك ساكنا بل التزمت الحياد أيضا   .

 

الجبهات والترسانة الإعلامية

بقينا ليومين داخل الفندق في حلب، كانت إقامتنا شبه إجبارية وتحت مراقبة أمنية لصيقة، بعض الجهات تعاطفت معنا بل وأرادت تحدي القرار، لاحظنا تداخلا في الصلاحيات أو ربما عدم اعتراف بالجهات العليا في دمشق، نبّهني أحدُهم ألا أستغرب لأن حلب تعتبر “دولة” لوحدها، خاصة في ظل وجود قطاعات ليس الجيش مسؤولا عنها، مثل جبهات مطار كويرس التي يسيطر عليها “الأصدقاء”، كما يسمونهم، وهم المقاتلون الإيرانيون الذين اتصلوا بأحد الضباط طالبين منه إحضارنا للعمل معهم، أما باقي الجبهات فقد كانت تحت سيطرة مقاتلي حزب الله.

 كانت قناة “العالم” التابعة لهم موجودة هناك، لاحظتُ أن لكل جبهة إعلامها الخاص، فالقناة الحكومية السورية موجودة مع الجيش ولا يُسمح لها بالتغطية مع الأصدقاء الإيرانيين أو مع مقاتلي حزب الله، في حين لا يُسمح لقناتي “المنار” و”العالم” بالدخول والتغطية مع الجيش السوري، أخبرني أحد المرافقين بأن كثيرا من المراسلين لقوا حتفهم على أيدي قناصة وخطأهم أنهم دخلوا المناطق المحظورة عليهم.

 في نفس الفندق الذي كنا به، كانت بعض القنوات الفضائية العراقية، مهمتها التغطية مع الأصدقاء الإيرانيين، لم أستغرب بعد كل ما رأيت قرار منعي، فقد عرفت أنني دخلت إلى نقطة لا يسيطر فيها النظام بشكل كبير على جبهاته أو حتى منطقته، فالمسيطر الكبير هو الكتائب والميليشيات الداعمة له التي قدّمت لنا كل التعاون في العمل وإظهار الصورة، الأمر الذي لم يرُق المخابرات السورية التي طالبت بترحيلنا الفوري.

التقيت أحد المراسلين هناك، أخبرني هذا الأخير بأنه خلال تغطيته المستمرة للحرب السورية، اكتشف أن الناس يحبون بشار لشخصه، وأن سبب خراب البلاد كان النظام المحيط به من أجهزة أمنية تركها والده حافظ، أجهزة متداخلة يرى كل واحد منهم أنه السيد فيها، وقد راح المراسل إلى أبعد من ذلك عندما تحدّث بأن قرار بقاء بشار ليس بيده، إنما بيد تلك الأجهزة والأجندات الأجنبية التي رفضت تنحيه أو خروجه لمصالح لها، كلام المراسل كان شبيها بالشارع الدمشقي الذي احتككت به، الذي كان مواطنوه لا ينتقدون بشار الابن بقدر كرههم لمحيطه الذي دمّر البلاد.

 

ورقة المرور الخضراء

حاولت بعض الأجهزة الأمنية توفير سيارة وطريق آمن لخروجنا، كان التوجه إلى دمشق في ذلك اليوم شبيها بالقيام بعمل انتحاري، بل كنا أنا والمصور نعتقد أننا لن نصلها أصلا، كان سائقُنا شابا في الثلاثين من عمره ويعمل لدى جهاز أمني قوي، الخروج من حلب جعلنا نقف على صورة أخرى من الدمار والخراب خلفته جبهاتٌ قوية فُتحت في بعض المناطق التي هُجّر سكانها بالكامل. كنت أرى خيما كثيرة منصوبة، كانت خيما من البلاستيك الأسود المثقوب من جهات عدة، وأمامها أطفال حفاة يلعبون بالثلج الذي غطى مداخل عشهم الصغير، لا يشعر هؤلاء بالبرد حتى وهم لا ينتعلون الأحذية أو ربما تعودوا عليه. كما أخبرني السائق، فقد مرت عليهم كل الفصول منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم تتغير حالهم أو يُعرهم أحد أي اهتمام، بعضهم كان يشرب من ماء الثلج، لا دخان يخرج يدل على الطبخ ولا تدفئة، أخبرني مرافقنا أن الحطب غال لا يمكن شراؤه، في وقت استغل فيه أصحاب النفوس المريضة الوضع وزادوا في ثمنه.

وصلنا إلى إحدى نقاط التفتيش، كان عنصر الأمن يطلب من السائقين تغيير الطريق، استغرب السائق الموضوع لأننا دخلنا في مزارع وطرق ملتوية قديمة، كان المرور عبرها يتطلب سيارة رباعية الدفع، وبين أقلّ من كلم واحد يوجد نقاط تفتيش أمنية عديدة مشددة، في إحداها قدم مرافقنا بطاقته المهنية، أخبره أحد الشباب بأن الطريق الرئيسية المؤدية إلى دمشق تم إغلاقها لكونها تشهد اشتباكات ومحاولة لتسلل الجبهة الثانية التي هي ربما “النصرة”. أكملنا طريقنا لنجد تفتيشا آخر. بدأ المصور الذي كان يجلس في المقعد الأمامي للسيارة يتحدث معي بالفرنسية وهو يصرخ: “ناهد إنهم يأخذون رشوة”! دققت معه النظر، لأجد أحد السائقين وقد قدّم مبلغا من المال إلى ضابط حتى لا يقوم بتفتيش سيارته، جاء دور السيارة التي كانت قبلنا، كان صاحبها رجلا ربما تجاوز الخمسين، وداخل السيارة كانت بناته وزوجته، بدأ الضابط يطلب منه الهويات وفتح الصندوق الخلفي للسيارة، فما كان من الرجل إلا أن تقدّم منه وأمام أعيننا قدّم إليه مبلغا من المال، هنا طلب منه الضابط الانصراف.

جاء دورنا، وجاء دور ضابط آخر، فقد لاحظت أنهم يتناوبون على السيارات، طلب منا تقديم الوثائق، وطلب من السائق النزول، بعد قليل عاد الرجل وهو يبحث تحت مقعدي، وأخذ علبتين من الدخان كانتا مخفيتين وقدّمهما إلى الضابط، عندما عاد سائقنا قمنا أنا والمصوِّر بتوبيخه لأننا لم نكن نرغب في تقديم رشوةٍ لأيّ كان، سألته إن كان قد عرّف بنفسه فأجاب بأن الضباط هنا لا يعترفون بأي جهاز، وأنهم تعوّدوا على مثل هذه التصرفات، بل صدمني أكثر عندما قال: “هل ترين الواقفين هناك أمام بوابة التفتيش تحت البرد والثلج؟ إنهم أصحاب المركبات الفقراء الذين لا يملكون إكرامية أو رشوة كما تسمونها، يتم إيقافهم ومنعهم من المرور لساعات، هو أمر يشبه الإهانة لكن لا أحد يتدخل”. كانت هذه الصورة بالنسبة إلي خطيرة جدا، فمرافقنا من جهاز أمني كبير ونحن وفدٌ إعلامي وكان المفترض إخفاء هذه الأمور أمامنا، لكنني أدركت أن كل تلك الأجهزة لا تخاف من أحد أو ربما لن يحاسبها أحد، فحال البلاد والعباد ضاعت منذ خمس سنوات، وما جعلني أبتسم هو الجملة الأخيرة التي استعملها مرافقنا: “يا أختي إذا كان رب البيت يضرب على الطبل فإن كل الأولاد…”.

 وصلنا إلى دمشق ليلا، اتصل بي أحدهم ليخبرني بأن قيادة “الحرس القومي العربي” تريد رؤيتي لمعرفة ما جرى، توجّهنا عند العاشرة ليلا إلى خارج العاصمة دمشق، كان مقر قيادتهم متعددا، ففي المرة الأولى كان صحنايا وفي المرة الثانية كان في جرمانة، التقيت جزائريين هناك فأبدوا تأسفا لِما حدث معي ولم يكن بمقدورهم تقديم يد العون، شرحتُ لنفس القيادة ما حدث معي من محاولة توجيهٍ لعملي وتسييري بما يخدم بعض الجهات.. استغرب هؤلاء الموقف ولم يكن باستطاعتهم سوى تقديم الاعتذار، خاصة أنهم كانوا يطمحون إلى القيام بعمل جيّد معهم.

 

تسيّبٌ داخل المطار

رحلتنا إلى الجزائر كانت مساءً في اليوم الموالي، قصدنا مطار دمشق الدولي، نفس صور الدمار والخراب التي استقبلتنا هي التي تخرجنا، لكن هذه المرة نقاط التفتيش أكثر لأنه الدخول إلى قلب المطار، يأمر الضباط السيارات باتخاذ اليمين للمرور على التفتيش، كان الأمر مهينا للغاية؛ فهؤلاء يفتحون حقائب النساء خارجا أمام إخوتهن أو أزواجهن أو حتى آبائهن لتفتيش أغراضهن، صُدمت لما رأيت، سألت المرافقين الأمنيين الذين كانوا معي؟ فطلبوا مني ألا أقلق لأن هذا الأمر لن يحدث معي، أخبرتهم أنني لا أتحدث عن نفسي إنما عن هذا الأمر غير العادي فهو فعلٌ معيب، لماذا لا يستقدمون بنات لتفتيش أغراض النساء؟ لكن وأنا أكمل خطابي الرنان، كان المصوِّر يضرب قدمي لرؤية طريقة المرور دون تفتيش.. آه أخيرا فهمت: إنها ورقة الألف ليرة الخضراء، الآن معظم السيارات تدخل المطار من دون تفتيش أو فتح حقائب النساء.

عند موقف السيارات، يأتي أشخاصٌ يجرُّون عربات النقل، الموضوع إجباري، لأن الدخول إلى باب المطار يستوجب علينا المرور لدفع رسوم العربة، كنت حينها اشتقت إلى عربات مطار هواري بومدين الدولي التي نأخذها معنا من داخل المطار إلى خارجه، عند مدخل المطار يأتي شخص آخر يأخذ العربة لتمريرها على أجهزة السكانير، أحسست بأنهم مافيا العربات الذين لا يمكن التخلص منهم، تقدم مني ضابط وطلب مني الذهاب معه إلى مكتب الأمن لأننا نملك معدات تصوير، ورغم أنني قدمت ورقة عملنا وإخراجنا للمعدات إلا أن عمل الأجهزة معي لم ينتهِ بعد، كنت حينها أقوم باتصالاتي وما إن وصلت إلى مكتب الأمن حتى طلب مني إكمال الطريق.

وصلنا إلى السكانير الأخير، تقدّم مني أحد الضباط: “”الشروق” مرحبا بكم اتبعوني”، كان مرافقنا مبعوثا من أحد المسؤولين الذي سهّل مرور أجهزتنا، في المرحلة الأخيرة لختم التذاكر وتمرير الأغراض طلب مني الموظف مبلغ 100 دولار، استغربت الموضوع فردّ بأن هذا الأمر متعارف عليه عندهم، كان رفقة زميله، ربما يرون في الأجانب صيدا ثمينا أو ربما اعتادوا هذا الأمر مع التجار الجزائريين، رفضت تقديم المبلغ وكشفت عن هويتنا، وهنا أخبر زميله ضاحكا: “هدول الجزائريين يا رجال مو ممكن اللعب معاهن أبدا”، لكن زميله استدار نحو المصوِّر “ساعتك حلوة عجبتني”، أخبرته بأنها هدية فردّ: “الهدية عندنا تنباع عادي.

 ليس ببعيد عنا كانت عائلاتٌ تفترش الأرض مع أولاد صغار، إنهم الأشخاص الذين لا يملكون الورقة السحرية الخضراء يُطلب منهم الانتظار لساعات، وأمامي جاءت سيدة تبكي وشفتاها ترتجفان لتخبره بأن الموظفة في الجهة الأخرى طلبت منها مبلغا من المال، كانت السيدة تقسم بأنها خرجت دون ثيابها هربا من الحرب وأنها لا تمتلك أي نقود.. بكاء السيدة وافتراش العائلات للأرض وطريقة تعامل رجال الأمن والموظفين معهم، جعلتني أنهار فعلا، أحسستُ بأن صورة النظام تتلخص هنا، في مطار دولي تتحكم فيه مختلف الأجهزة الأمنية.

وصلنا أخيرا إلى مرحلة ختم الجوازات، طلب مني الضابط الذهاب معهم إلى مكتب العقيد الذي طلب مني بدوره تكليف مهمتنا بالعمل، المطلب كان غريبا لأنه لا علاقة للمطار بهذا الأمر ولأنني في مرحلة الخروج النهائية، كان الأمر يتعلق بتركي الورقة مقابل ختم الجوازات، وهنا أدركتُ أن المخابرات السورية كانت تريد التخلص من التكليف الذي قُدِّم إلي من وزارة الإعلام، الذي يثبت شرعية تغطيتي وقرار الطرد التعسفي غير المبرر، رفضت التخلي عن التكليف وأخبرتهم بأنني مستعدّة للعودة إلى دمشق وبدء رحلة أخرى من التحقيقات، أخبرتهم بأن مؤسسة “الشروق” تمتلك نسخة منه، وأنني سأقوم باتصالٍ فوري معهم وأخبرهم بأنني مُنعت من مغادرة المطار لأسبابٍ مجهولة.

إصراري شكّل حرجا للعقيد وضباطه، فما كان منه إلا أن ابتسم طالبا منهم إكمال إجراءات خروجي، لم نتنفس الصعداء إلا ونحن نركب الطائرة ونستنشق آخر نفس من هواء دمشق، هواء الياسمين الذي تحوّل إلى تداخل وحرب في الصلاحيات والمصالح، هواء ممزوج برقابة المخبرين وصراخ المعذبين والمعتقلين وآهات الثكالى ودموع اليتامى وبكاء الأرامل ومعاناة المنكوبين، ربما البعض يحب بشار لشخصه، لكنني أدركت في الأخير أن الجميع يقول: “الله يلعن نظامو لبشار.

مقالات ذات صلة