هكذا كانت فرنسا تغري الأوروبيين للعيش والتملك في الجزائر
كيف يمكن أن تكون من الأقدام السوداء ولكن ليس من أنصار “الجزائر الفرنسية”؟ هو عنوان شهادة لأحد الأوروبيين الذين ولدوا في الجزائر إبان حقبة الاحتلال الفرنسي، وغادروها مكرهين بعد الاستقلال خوفا من وضع جديد مجهول بالنسبة لهذه الفئة التي استأثرت بثروات الجزائر بدعم من الجيش الاستعماري، وتركت أصحاب الدار عزلا من كل ممتلكاتهم.
إنها شهادة لأحد الأقدام السوداء يدعى جون لوي ميجران، وهو من أبناء منطقة عين الحديد بولاية تيارت حاليا، في حوار على موقع الصحيفة الاستقصائية الفرنسية الشهيرة “ميديا بار”، وقد حاول نقل بعض المشاهد المأساوية التي تعرض لها الشعب الجزائري تحت نير نظام ظالم ووحشي كما سماه الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند.
وفي هذا الحوار توقف جون لوي ميجران عن حيثيات بداية بناء السلطات الفرنسية سياسة استعمارية في الجزائر المحتلة منذ 1830، قوامها سيطرة الجيش على أراضي الجزائريين، ثم تحويلها إلى عائلات كانت في البداية فرنسية، قبل أن تتوسع لتشمل العديد من الجنسيات الأوروبية، من ألمان وسويسريين وإيطاليين وبلجيكيين وبرتغاليين وإسبان.
يقول جون لوي ميجران: “في البداية كان الأمر مركزا على أبناء الجنوب الفرنسي من الفقراء والمساجين. كانت السلطات الفرنسية يغرونهم بتمليك أراضي شاغرة في الجزائر، وهي في الحقيقة لم تكن شاغرة، لأنها نزعت بالقوة من قبل جيش الاحتلال الفرنسي مباشرة بعد السيطرة عليها”.
والغريب في الأمر هو أن الجهات المعنية بتوزيع الأراضي “غير الشاغرة” على الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين، كانوا يستقدمون عائلات بأكملها للعمل في الأرض التي يملكونها لهم، ثم يستقدمون عائلات جزائرية ليساعدوا هؤلاء المعمرين لخدمة الأرض، التي هي في الأصل أرض جزائرية وكانت بحوزة جزائريين، قبل أن تنزع منهم بالقوة.
لقد كانوا يوهمون الفرنسيين والأوروبيين بأنهم عندما ينتقلون للعمل في الجزائر سيصبحون أغنياء، لأنهم سيحصلون على المال والنقل المجاني، ثم بعد ذلك يصبحون ملاك أرض، وتزامن هذا مع ووجود توجيهات من قبل السلطات بتحويل وجهة الهجرة من القارة الجدية (أمريكا) إلى شمال إفريقيا لاعتبارات سياسية ودينية.
ومن بين صيغ الإعلانات التي كانت تلصق لإغراء الفرنسيين والأوروبيين، كشف جون لوي ميجران، عن نسخة قديمة، من بين ما تضمنته “من أجل الحصول على امتياز تملك أراضي في الجزائر يتعين توفر ما يلي: أن تكون فرنسيا، رب عائلة، لديك معارف في النشاط الزراعي، لديك الأموال الكافية لخدمة الأرض التي منحت لك، تلتزم بالإقامة لمرحلة معينة على قطعة الأرض التي منحت لك، يستحسن أن تكون عائلة كثيرة العدد”.
ويؤكد جون لوي ميجران أن هذه الأراضي الممنوحة هي تلك التي نزعت من الأهالي، وأن والده حصل على 224 هكتار، بالإضافة إلى أراض غابية لقطع الخشب وصناعة الفحم من أجل توفير الحاجيات المتعلقة بالطاقة، وهو ما حافظ على استمرار نشاط هذه العائلات الفرنسية (الكولون).
ويشير هذا المعمر المولود بعين الحديد في تيارت إلى أن هناك معمرين من جنسيات أوروبية مختلفة، ألمان وإيطاليين وبلجيكيين وسويسريين وإسبان حصلوا على آلاف الهكتارات من الأراضي سلبت بالقوة من الجزائريين، بداعي مبررات توسعية وحسابات سياسية بعيدة المدى.
ومن بين هذه المبررات التي كانت أيضا وراء احتلال الجزائر، تصدير السكان من فرنسا إلى الجزائر ومحاولة التأثير على طابع الديموغرافي، والبحث عن الثروات الطبيعية والموارد الأولية التي تفتقد إليها فرنسا، وتوسيع النفوذ الفرنسي إلى ما بعد السواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
ويقف وراء هذا التوجه سياسة استعمارية يمثلها اليوم اليمين المتطرف، الذي ينتمي إليه الكثير من الأقدام السوداء الذين غادروا الجزائر بعد استقلالها في سنة 1962 خوفا على حياتهم، وذلك بالرغم من ترهيب منظمة الجيش السري الإرهابي (OAS)، التي عملت بكل قوة من أجل بقاء الأوروبيين في “الجزائر الفرنسية” لتبرير استمرار كفاحها من أجل الجزائر الفرنسية.