هكذا نتفادى الانزلاق..
نعيش اليوم ظرفا حسّاسا، ينبغي أن نتصرَّف خلاله بكل الرزانة اللازمة. ينبغي ألا ننزلق نحو العنف أو محاولة منع هذا الشعب من التعبير عن رأيه.. ملايين المواطنين والمواطنات يطالبون بجزائر جديدة من غير رموز الماضي البائد، ومن حقّهم ذلك؛ لأننا لا يمكن إطلاقا أن نُقنِع أيّا كان بأننا بالفعل سنعرف مرحلة إصلاح حقيقي إذا كُنَّا سنقوم بذلك من خلال رموز المرحلة السابقة التي ثار الشعبُ ضدها وأراد أن يخرج منها إلى مرحلة أخرى، يبني فيها بلده ويُعيد فيها الأملَ لشبابها بالدرجة الأولى ولجميع فئاتها الاجتماعية الأخرى.
نعيش اليوم ظرفا حسّاسا لأننا رأينا أول أمس بداية تحوُّل في أسلوب التعامل مع المواطنين والمواطنات السلميين المتحضِّرين في خرجاتهم.. ليس هناك أي مبرر لاستخدام الغاز المُسيل للدموع تجاه هؤلاء، وليس هناك أي مُبرر لمنعهم من التعبير بأيِّ وسيلةٍ حضارية أخرى، بل ليس هناك أي مبرر لعدم الاستجابة لمطالبهم في عدم قيادة المرحلة القادمة بوجوه المرحلة السابقة. مِن حقهم ذلك وهذا ليس مَطلبا تعجيزيا البتة. وعلى أعلى السلطات أن تستجيب لهذا المطلب.
جميعنا، لا يريد للدولة أن تبقى بلا مؤسسات، وجميعنا نُريد أن نَتمسَّك بالحل الدستوري الذي يَحمينا هو الآخر من سيناريوهات أكثر سلبية من الذي نعرفه اليوم، ولكننا جميعا أيضا لا نستطيع أن نقبل بإشراف أشخاصٍ يرفضهم الشعب على المرحلة المقبلة.
صحيح أن تحديد تاريخٍ للانتخابات أمرٌ مهمّ، وخطوة إيجابية في طريق الحل، وليس هناك أفضل منها، وعلينا التمسُّك بذلك باعتباره مخرجا دستوريا سليما، ولكننا ينبغي ألا نترك من يرفضه الشعب يُشرِف ويُعلِن الفائز في هذه الانتخابات. علينا في أقرب الآجال واليوم قبل الغد أن نُبادر إلى تأسيس اللجنة الوطنية المستقلة للإشراف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، وأن نضع على رأسها نزهاء يثق الشعب في مصداقيتهم ووطنيتهم، وما أكثرهم، ونُشرك أفضل شبابنا في هيئاتها المركزية والمحلية لكي يكونوا العين الحارسة على إجراء انتخابات نزيهة وشفافة وديمقراطية.
وهذا ممكن في القريب العاجل، وسيثق الناس في هذه الهيئة، وستُحقِّق أهدافها، إذا ما وَجَدت الدعم اللازم من أعلى السلطات، وسيضمحلُّ تدريجيا دور الرسميين الذين يرفضهم الشعب يوما بعد يوم إلى أن تنقضي الفترة التي تفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية التي يُمكن تقديمُها بأسابيع إذا اقتضى الأمر.
إننا في حاجة إلى مقاربة من هذا النوع للحل، بدل مقاربة التخويف أو المواجهة التي لا طائل من ورائها سوى الدخول في نفقٍ مظلم، وتحطيم أمل شعبٍ أراد صادقا النهوض ببلده.
وإني أكاد أجزم بأنها ستكون لحظة تاريخية بحق إذا ما تم اتخاذ قرار، ليس باستبعاد “الباءات الثلاثة” فحسب من الإشراف على المرحلة القادمة، إنما باستبعاد كل من تَحَمَّل مسؤولية سياسية عالية في العقدين الماضيين، على الأقل لمدّة خمس سنوات قادمة، لنترك المجال فسيحا أمام أجيال جديدة تبني بلدها كما تريد وتستعيد أملها كما تريد.