هكذا هم العلماء الربّانيون
من أكثر ما يؤلم قلوب المسلمين في هذا الزّمان، أنّهم ما عادوا ينتظرون كلمة الفصل في النوازل والمدلهمّات والمشتبهات، من علماء دينهم الذين صدق في حقّ كثير منهم ما صدق في حقّ علماء أهل الكتاب من قبل: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون)) (آل عمران: 187)، حينما اختاروا أن يكونوا موقعين عن البشر ناطقين بأهوائهم صادرين عن أوامرهم، بدل أن يكونوا لله شاهدين وبالقسط قائمين وكلمة الحقّ قائلين!
ليس علماء الأمّة كلّهم على هذا الوصف، فبينهم أئمّة حقّ وصدق يهدون بالحقّ وبه يعدلون، لكنّهم – مع كلّ أسف – قلّة قليلة وعملة نادرة، تسخّر كثير من وسائل الإعلام ومنصّات الذباب الإلكترونيّ وتستنفر بعض الطّوائف لتشويه صورهم وتنفير الشّباب منهم.. والأكثرية من علماء الأمّة الذين تصدّر أسماؤهم بأفخم الألقاب ويمثّلون هيئات إسلاميّة لها وزنها، قد خانوا أمانة العلم، ونبذوا ما علموه من حقائق الدّين وراء ظهورهم، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أتباعا بدلا من أن يكونوا متبوعين، وموقّعي بيانات بدلا من أن يكونوا قضاة حقّ وعدل! سياطا للمعتدين بدلا من أن يكونوا أصواتا للمظلومين!
هذه الحال التي آل إليها أكثر علماء الأمّة، قرّت بها عيون الأعداء الذين لم يكتموا رضاهم عن بعض الأسماء، وأوصت مراكز دراساتهم بدعم وترويج فتاوى بعض العلماء.. لكنّها (أي الحال) كانت -في المقابل- سببا في عزوف كثير من شباب الجيل الجديد عن سماع كلام علماء الدّين، بل كانت سببا في نزوع بعضهم إلى العلمانية وحتى إلى الإلحاد!
ونحن لو تأمّلنا واقع هؤلاء العلماء الذين صاروا فتنة للجيل الجديد من الشّباب، لوجدنا أنّ منهم من أغوته أبّهة المنصب واللّقب والمكسب، فباع دينه بعرض من الدّنيا وأصبح طوع أمر من أغدق عليه بالمنصب والمكسب.. ومنهم من خاف على نفسه فآثر السّلامة وأصبح يجامل في الحقّ متعللا بالحكمة متدثّرا بخوف الفتنة.. ومنهم من أُتِيَ من قلّة اطّلاعه؛ فهو يرى الاهتمام بفقه واقع الأمّة وواقع العالم وحقيقة التجاذبات التي يعرفها، فضولا غير لازم! ومن ثمّ كان من السّهل التحكّم في الفتاوى والبيانات التي تصدر عنه بحسب المعلومات التي توضع بين يديه.. كثير من هؤلاء العلماء لا يتعمّدون تحريف الدّين أو تضليل المسلمين، ولو نظرت في واقعهم لما وجدتهم قد استأثروا بمكسب أو مغنم، لكنّ غيبتهم الكبرى عن الواقع جعلتهم عالة على من يتحكّم في المعلومات التي تصل إليهم!
العلماء الربانيّون لا يخلو منهم زمن من الأزمان؛ فهم ورثة الأنبياء، وهم الشّهداء الذين تقوم بهم الحجّة على العباد، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: ” يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلين”، ويقول –عليه الصّلاة والسّلام-: “إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها”.. ومهما قلّ عدد هؤلاء العلماء وسعت دوائر المكر في طمس أسمائهم وكتم أصواتهم، فإنّ نور الحقّ الذي ينطقون به يأبى إلى أن يظهر ليسلب القلوب الحيّة ويسترعي العقول المنصفة التي تبحث عن الحقّ لتتمثّله ولا ترضخ للنفوس التي تبحث عمّا تبرّر به أهواءها.
علماء الأمّة الربّانيون، لا يبيعون دينهم بعرض من الدّنيا قليل ولا كثير، بل يرقبون الله في كلّ ما يصدر عنهم، لا يخافون في قول كلمة الحقّ لومة لائم.. ليسوا دعاة تحريض أو فتنة، ولا ينقادون لحماس المتحمّسين ولا تستخفّهم عجلة المتعجّلين، لكنّهم –كذلك- لا يرضخون لما يشتهيه المتحكّمون. يشهدون بالحقّ على القويّ كما يشهدون به على الضّعيف، وينهون عن المنكر ولو كان الواقع فيه من أهل الجاه والسّلطان. يلمّحون حيث يكفي التلميح ويصرّحون حيث يجب التصريح.
علماء الأمّة الربّانيون، من أكثر النّاس اهتماما بالاطلاع على مستجدّات الواقع وفهم الصراعات التي تنشب فيه، خاصّة إذا كان المسلمون طرفا فيها، يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: “ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله –صلّى الله عليه وسلّم- في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا”. (أعلام الموقّعين)
علماء الأمّة الربانيون، يهتمّون بتتبّع الأخبار وتحليلها، لكنّهم من أكثر النّاس تثبّتا في قبولها وتمحيصا للتحليلات التي تطرح حولها، خاصّة إذا احتاجوا إلى إصدار مواقف وفتاوى تتعلّق بها، وبصفة أخصّ إذا كانت فتاواهم تترتّب عليها حروب تُعلن ودماء تسفك وأشلاء تبعثر ودور تهدم؛ فهم يستفرغون وسعهم في الوصول إلى حقائق الأمور المطابقة للواقع، ويسمعون في كلّ خلاف من الطّرف الآخر مهما كان معروفا بشنآنه؛ فالله –تعالى- يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون)) (المائدة: 8). وقد عاتب –سبحانه- نبيّه داوود –عليه السّلام- حين حكم بين متخاصمين قبل أن يسمع من الطّرف الآخر، فقال: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب)) (ص: 26).
علماء الأمّة الربّانيون، عندما يتعلّق الأمر بصراع أو خلاف داخل الأمّة المسلمة، فهم لا يقبلون إلا أن يكونوا حداة إصلاح بين المسلمين المتنازعين، يسخّرون مكانتهم ويبذلون جهودهم في إزالة أسباب الشّقاق وزرع أسباب الوفاق، فإن وجدوا أنفسهم أمام طرف باغٍ يرفض الصّلح ويصرّ على العدوان، فعندئذ يصدرون الحكم بقتال الباغي قتالا يراد به كفّ المعتدي وإرجاعه إلى جماعة المسلمين، وليس التنكيل به وإفناؤه. كلّ ذلك عملا بأمر الله –تعالى-: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون)) (الحجرات: 9- 10).
علماء الأمّة الربّانيّون، يتكلّمون حيث يوجب عليهم الشّرع أن يتكلّموا، ويقولون كلمة الحقّ حيث تحتاج إليها الأمّة، ولو كانت لا تعجب من ألِف الاقتيات على الباطل! فليس يليق بالعلماء أن يصمتوا صمت القبور في قضايا مفصلية يهدَّد فيها كيان الأمّة ويموج بها المسلمون وتبلغ قلوبهم فيها الحناجر وهم يرون مقدّساتهم تستباح ودماء إخوانهم تسفك وأشلاءهم تقطّع ونساءهم تشرّد! ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ))؛ ليس يجوز للعلماء أن يلزموا الصّمت المريب عندما تكون خصومة الأمّة مع أشدّ النّاس عداوة لها اليهود، ثمّ إذا تعلّق الأمر بخصومة بين المسلمين، انتخوا فجأة! ليس ليرأبوا الصّدع ويحقنوا الدّماء، ولكن ليصبّوا البنزين على النّار!