هكذا يُهرّب “الدوفيز” الجزائري تحت غطاء استيراد الذهب
شرعت وزارة المالية في تطهير نشاط تجارة الذهب والمعادن الثمينة والمجوهرات، بالتعاون مع المديرية العامة للضرائب ومصالح الجمارك وبنك الجزائر المركزي والمركز الوطني للسجل التجاري.
وأفاد مصدر مسؤول في وزارة المالية في تصريح لـ”الشروق”، إن إلغاء مشروع قانون المالية التكميلي للعام الجاري 2013، لم يوقف عملية التأطير التي شرعت فيها الحكومة لسوق الذهب والمعادن الثمينة والمجوهرات في الجزائر، بعد أزيد من 25 سنة من الفوضى العارمة التي طبعت السوق الوطنية في مجال الذهب والمعادن الثمينة، مضيفا أن تقريرا مفصلا رفع إلى الوزير الأول، كشف أن نشاط استيراد الذهب يعد من الطرق المفضلة لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج خلال السنوات الخمسة الأخيرة إلى جانب استيراد السلع والمنتجات الفاخرة .
وكشف المصدر، أن وزير المالية أمر القائمين على إعداد مشروع قانون المالية لعام 2014 بالاحتفاظ بالبنود الخاصة بتأطير سوق الذهب والمعادن الثمينة المحلي، وتشديد شروط مزاولة نشاط استيراد الذهب من الخارج، مضيفا أن الحكومة قررت اللجوء إلى منع الأفراد الطبيعيين من مزاولة نشاط استيراد الذهب والفضة والبلاتين الخام أو نصف المصنع أو المصنع، لأن هذا النشاط كان يستعمل كغطاء لتهريب العملة الصعبة إلى دبي بالإمارات العربية المتحدة.
وقال المصدر، إن دبي أصبحت هي مصدر 90٪ من الذهب الذي يدخل إلى الجزائر سنويا بسبب عدم دفع رسوم على الذهب الإماراتي المنشأ على عكس الذهب المستورد من أوروبا وخاصة ايطاليا التي يقدر مبلغ الرسم الجمركي عليه بـ12٪.
شبكات تهريب تستعمل دبي قاعدة لإغراق الجزائر بالذهب
وقال المصدر المسؤول بوزارة المالية، إن المعطيات المتوفرة للوزارة كشفت لجوء شبكات جزائرية لتهريب الذهب، لعمليات شراء واسعة لأجهزة صناعة الحلي من ايطاليا نحو دبي لاستعمالها في إنتاج قطع حلي فاخرة جدا يكثر عليها الطلب في الجزائر، مشيرا إلى أن عدد التجار الجزائريين الذين يملكون اعتماد الاستيراد يقدر بحوالي 100 تاجر يزودون حوالي 6000 صائغي وحرفي على المستوى الوطني، كما يوجهون كميات فائضة من القطع والحلي الفاخرة المستوردة نحو السوق الموازية وإغراقها بالذهب الإماراتي.
وتوصلت مصالح وزارة المالية وبنك الجزائر ومصالح الأمن إلى معطيات خطيرة جدا تتمثل في لجوء شبكات التهريب والمستوردين المعتمدين إلى بيع الذهب المستورد بأقل من سعره الحقيقي للتجار المحليين وفي السوق الموازية في ما يشبه السباق ضد الساعة للقيام بأكبر عدد ممكن من عمليات الاستيراد التي تسمح بإخراج أكبر كمية ممكنة من العملة الصعبة.
ونزل سعر الذهب المستعمل في السوق الموازية إلى 280 مليون سنتيم للكيلوغرام، وهذا بضغط من شبكات التهريب التي عملت على كسر الأسعار وإغراق السوق من اجل التخلص من كميات هائلة استوردت من دبي عبر ليبيا وتونس وحتى عبر مطار الجزائر العاصمة مستفيدة من تواطؤ كبير على مستوى المطار، وخاصة بعد تنحية ونقل خبراء كشف المعادن من المطار نحو مصالح أخرى خارج المطار.
وقررت وزارة المالية إعداد دفتر شروط جديد خاص بنشاط استيراد الذهب والفضة والبلاتين، حيث سيتم وضع شروط اعتماد جديدة للشركات التي لا يقل رأسمالها عن 100 مليون دج.
وقال المصدر، إن الشركات التي تملك الاعتماد تقوم منذ فترة بشراء عدد كبير من تراخيص الاستيراد بأثر رجعي، حتى تتمكن من القيام باستيراد كميات اكبر بالشروط الراهنة، مضيفا أن العديد من الشركات وجدت في البنود الجديدة التي سيتضمنها قانون المالية القادم ما يتناسب مع نشاطها، وكأن قانون المالية تم تخييطه على المقاس، لأنها تقوم حاليا باستيراد قطع الحلي الفاخرة من دبي وتقوم بتذويبه محليا وبيعه، مما يبين أن الحاجة لاستيراد الذهب في الجزائر مفتعلة في الحقيقة، وهي مجرد غطاء لتهريب العملة الصعبة وفق قاعدة ما خف وزنه وارتفع ثمنه.
وفي حال عدم تعديل البنود الجديدة المتعلقة بالاستيراد وتشديد الرقابة على المستوردين وخاصة الأجانب منهم، فإن النهب المنظم لاحتياطات الجزائر من العملة الصعبة سيتواصل بتغطية وتزكية من وزارة المالية وبنك الجزائر.
التعامل يكون على أساس الثقة مع تجار ذهب إيرانيين وإمارتيين في دبي
ويتم استيراد الذهب من دبي عبر وسطاء وتجار إماراتيين وإيرانيين وجزائريين في دبي تربطهم علاقات ثقة عالية مع تجار ومهربين في الجزائر وباتنة وسطيف ووهران على علاقة وثيقة جدا بتجار العملة الصعبة أيضا، حيث يقومون بإبرام عقود مبنية على الثقة ويقوم هؤلاء الوسطاء بإرسال الكمية المتفق عليها إلى الجزائر بطريقة سهلة جدا وعادة ما يتم استلامها داخل الجزائر في أماكن يتم الاتفاق بشأنها مع التاجر بعد تسليمه المبلغ المالي بالدينار، بعد أن يكون المرسل من دبي قد بلغته المستحقات.
ويتم الاتفاق بين الشبكة المحلية والبائعين في دبي على زيادة 20٪ من السعر حتى يتم خصمها هناك ومنحها للمستورد لإبقائها هناك أو تحويلها نحو وجهات أخرى خارج الإمارات، ومن الحيل الجهنمية التي أصبحت شبكات التهريب الجزائرية تلجأ إليها لتهريب الاورو نحو الخارج هي اللجوء إلى إعادة تصدير نفس الكمية المستوردة من الذهب واستيرادها مرات عديدة على نفس طريقة السلع المستعملة في تسوية الديون الروسية منتصف تسعينات القرن الماضي، وبالتالي يصبح بإمكان تجار الذهب استعمال كيلوغرام واحد لتهريب مئات الآلاف من الأورو نحو الخارج، وبطبيعة الحال تكون الفائدة مزدوجة وهي الاستفادة من تهريب العملة إلى الخارج، والاستفادة من الفارق بين سعر العملة الرسمي والسوق السوداء الذي وصل إلى 45٪ بالنسبة للأورو، حيث أصبح تهريب الذهب هو المحدد لسعر الأورو في السوق السوداء، مما أشعل حربا غير معلنة بين تجار الذهب وتجار العملة الذين أصبحوا يحاربون من اجل وقف استيراد الذهب الذي أصبح يحقق أرباحا خيالية لشبكات التهريب التي أصبحت المتحكم الفعلي في سعر العملة.