الرأي

هل إقصاء المنتخب الوطني هو الكارثة؟!

حسين لقرع
  • 2927
  • 4

الضجة الكبرى المثارة في الأيام الأخيرة إثر الإقصاء المبكِّر للمنتخب الجزائري من كأس إفريقيا، تدعو إلى التعجّب والاستغراب؛ فقد عجّت الفضائيات والصحف بانتقادات الرياضيين والإعلاميين وحتى الأنصار، ووصلت بعض الانتقادات إلى درجة وصف ما حدث بـ”المأساة” و”الكارثة”، و”النكسة” و”الصدمة الكبرى” مع أن الأمر لا يتعلق إلا.. بمبارياتٍ رياضية!

المفارقة أن هؤلاء الذين يُحسِنون الاستثمار في “انجازات” المنتخب، يحسنون أيضاً الاستثمار في هزائمه وتحويلها إلى “كوارث وطنية” ينبغي أن تُفتح بشأنها تحقيقاتٌ ويعاقَب المتسبّبون فيها، مع أنَّ الكوارث الحقيقية ببلادنا كثيرة، وهي التي ينبغي أن تثير اهتمامنا وأن لا نقبل بتحويل أنظارنا عنها من خلال هذا الاهتمام المفرَط بنتائج منتخبنا لكرة القدم.

لقد عجزت البلاد طيلة 55 سنة من الاستقلال عن تحرير الاقتصاد من طابعه الريعي وتبعيته الخطيرة للمحروقات وإقامة اقتصادٍ تنافسي قائم على الإنتاج والعمل، وأنفقت آلاف ملايير الدولارات في مشاريع غير مُنتِجة، وفي النهاية صرّح أويحيى بأن البلاد قد تكون بعد سنةٍ واحدة فقط من الآن عاجزة عن دفع أجور موظفيها. أليست هذه كارثة حقيقية؟ أليس العجزُ عن إقامة اقتصاد تنافسي قوي هو المسؤول عن تفاقم البطالة وهروب شبابنا إلى أوربا في قوارب الموت، وتصاعد معدّلات الفقر وغلاء المعيشة؟ أليس تكريس الاقتصاد الريعي هو المسؤول عن تفشي الفساد واحتلال الجزائر المرتبة 108 عالميا في آخر تقرير لمنظمة “شفافية دولية”؟ أليس الفساد هو الذي فوّت على البلاد كل الفرص للخروج من تخلفها وأهدر ثرواتِها بلا طائل؟

أليس تفشّي البيروقراطية والإرهاب الإداري و”الحقرة” والتعسُّف والتهميش والمحسوبية واستعمال النفوذ وتغييب العدالة الاجتماعية.. مظاهرَ أخرى للفساد لا تقلّ خطورة على التماسك الاجتماعي من انتشار مظاهره المعروفة من تزوير ونهبٍ للمال العام وإبرام صفقات مخالفة للقانون ورشوةٍ.. وغيرها؟

الكارثة هي أن تنتشر المخدِّرات بشكل خطير حتى في الوسط المدرسي ويتعدَّى عددُ المدمنين عليها المليون مدمن، وتتفشى الجريمة والعنف في المجتمع، ويُقتل التلاميذُ داخل مدارسهم، وتستشري الانحرافات والآفات ويتراجع الوازعُ الأخلاقي، وتخترق كل المِلل والنحل والطوائف الوافدة شبابَنا بسهولة كبيرة، على ما فيها من خطورةٍ على مرجعيتنا الدينية ووحدتنا.

المأساة هي أن نُمنَع من إقامة ديمقراطيةٍ حقيقية قائمة على تداول الحكم، وتخلُد أحزاب الموالاة في السلطة بالتزوير المزمن، وتغزو الانتهازية و”الشكارة” والمال الفاسد القوائمَ الانتخابية، وتزداد نسبة المقاطعة الشعبية من موعدٍ انتخابي إلى آخر بسبب تكرّس الاقتناع بعدم جدواها.

الطامّة الكبرى إذن هي أن نحاول توجيهَ أنظار المواطنين عن مشكلاتهم الحقيقية وإلهاءَهم عنها بالنفخ في كرة القدم وتهويلِ انجازات المنتَخب، أو تحويل إخفاقاته إلى مأساةٍ كبرى، والاستثمار فيها، ومحاكمة المسؤولين عن كرتنا ونسيان المسؤولين عن كوارثنا في مختلف المستويات، والتي ينبغي فتحُ الباب لمناقشتها بعمق والعمل على معالجتها، وصدق الإمام جمال الدين الأفغاني حينما قال: “ضاعت رؤوسُنا فلم نحزن، وغرقنا في الجدال عند فقدان النِّعال”.

مقالات ذات صلة