الرأي

هل الإصلاحات التربوية هي التّمكين لما أخفق فيه الاستعمار؟

الشروق أونلاين
  • 3422
  • 6
ح. م

المدرسة هي أخطر مؤسّسة اجتماعيّة لما لها من أدوار تأسيسيّة في تكوين وتنشئة الفرد المتعلّم. وهي ليست مجرّد وسيط محايد لنشر المعرفة والقيم، أو مكان يتمّ فيه الاتّصال بين المعرفة والتّلاميذ، بل هي فوق كلّ ذلك تعبير عن الإيديولوجيا السّائدة في المجتمع، وأحد الأدوات الهامّة لنشرها والتّبشير بها.

لكي نعي ما يُثار اليوم من جدل بخصوص ما اصطلح على تسميته “الجيل الثّاني من الإصلاحات التربوية”، حريّ بنا التّذكير بتجربة الجزائر المُستَعمَرة، كون ما يُتَدَاول في الإعلام المكتوب والمرئي، يكاد يتطابق مع هذه التّجربة، وخاصّة من ناحيتين: الغايات، والمسألة اللّغوية. ولما كنت مطّلعا على موضوع التّعليم في الجزائر  المستعمَرة ومن منظّريه الاستعماريّين، ارتأيت أن أٌّقدّم، وباختصار غايات المشروع التّعليمي المراد تحقيقها، ووسيلتها.

انطلق المحتلّ الفرنسي في تخطيطه لمشروعه التّعليمي من تحديده لواقع المجتمع الجزائري، والذي لخّصه كالآتي:

 1- »(…) الجهل الذي يحجب عنه جميل الحضارة الغربية ومزاياها، وهو الذي يُلقي به إلى التعصّب، وهو نتاج التّعليم التقليدي«.

 2- »(…) إنّه كأوروبّا قبل نهضتها، صحيحٌ إنّنا في غمرة القرن 16م، لكن من الواجب عدم فقدان الأمل أيضا: إنّنا نعلم السّبيل التي سلكتها فرنسا لبلوغ ما هي عليه اليوم، فلنتوسّل إذن الطّريق نفسه مع العربي، لكن، ليكن ذلك بحيث يقطعها بكلّ الوسائل السّريعة التي خلّفتها لنا تجربة أسلافنا (…) لقد استغرقت الحضارة الأوروبّية قرونا عديدة لتطوير نفسها؛ إذ يمكننا أن نُجنّب الشّعب العربي الكثير من البطء، فنجعله يجتاز قرونا في سنين قليلة«.

وعن السبيل إلى تحقيق ذلك، يقول “دو لاكروا”:» (…) إنّ التعليم وحده الكفيل بالتّمهيد لا لانطلاق هذه السّفينة الرّاسية في مرساها منذ قرون، فحسب، بل إنّه سيعمل على محو هذا اللاّفهم وامتصاصه.« . وعلى هذا الأساس، ينبغي على المجتمـع أن يضرب صفحا عن تاريخه وحضارته، شريطة كما يرى “ألفرد بل” مدير مدرسة تلمسان »(…) أن يتمّ ذلك دون دراية منه، أن لا يلحظ الطّريق التي قطعها إلاّ بعد أن يكون قد بلغ غايتها«.  

وبخصوص الآلية، أو القناة، فقد حدّدها المفتّش “لوبيشو” العام 1848 قائلا: »(…) أعتقد أنّه بإمكاننا أن نشرع اليوم في غزو الأهالي أخلاقيا بواسطة التّربية، إنّ الحاجز بيننا وبينهم ليس بغير القابل للاختراق، إنّه في تناقص مستمرّ، وسوف يزول تماما حينما تُكلّمنا الأجيال القادمة بنفس اللّغة؛ اللّغة الفرنسية«.   

لقد كُلّف المفتش “ديتري” والجنرال “بيدو” بمهمّة اكتشاف كيفيّة تعليم الفرنسية للعرب، طالبا بضرورة تحديد “لغة فرنسية قاعدية” أو ما سمّياه نوعاً من الذخيرة من الكلمات المختارة والمفهومة جيّدا وبعض أشكال الاتّصال البسيطة والدقيقة، وأنّ اللغة الفرنسية يجب أن تُعلّم بطريقة مغايرة للأجانب، مقارنة بتلك التي يتمّ تلقينها في دولة المتروبول، لأنّه لا يمكن للأطفال ما بين 8 و10 سنوات الخضوع لوتيرة تعلّم لغة جديدة. ومن ثمّ، ضرورة الشّروع في هذا التعليم بين 2 و6 سنوات في قاعات الملاجئ، التي ستكون بمثابة مهد لتحضير وتمدين الأهالي، وذلك عبر الأغاني والألعاب والتّمارين الخاصّة التي يفهمها الطفل في هذه السنّ؛ إذ من السّهل أن ينفتح الطّفل ليس على تعلّم كلمات جديدة فقط، بل حتى نمط حياةٍ بكامله. 

قال المفتّش “لوبيشو” العام 1848: “(…) أعتقد أنّه بإمكاننا أن نشرع اليوم في غزو الأهالي أخلاقيا بواسطة التّربية، إنّ الحاجز بيننا وبينهم ليس بغير القابل للاختراق، إنّه في تناقص مستمرّ، وسوف يزول تماما حينما تُكلّمنا الأجيال القادمة بنفس اللّغة؛ اللّغة الفرنسية”.  

إنّ المتأمّل في تصريحات القيّمين على مشروع التّعليم في الفترة الاستعماريّة، تُحيل إلى أنّ غاياتهم، لا تنمّ عن عداء للثقافة العربيّة الإسلاميّة في حدّ ذاتها، بقدر ما هو تعبير عن سخطهم لـ”جمودها”، كما يزعمون. وبعبارة أخرى، فإنّ ما كان  يؤرّقهم، هو تلك البنية الثقافيّة المتجذّرة التي يأبى المجتمعُ التخلّي عنها، وبالتّالي، الحيلولة دون تسويق ثقافتهم التي ارتكزت على فكرة فصل الرّوحي عن الزّمني، والمدنيّ عن الدّيني. وفي نظرهم، فإنّ هذا المنحى، سيسمح لهم بتسهيل العلاقات بين رعايا مسلمين،  ودولة  بنظام حكمها، ليست كذلك. 

ومن ثمّ، فمن بين ما كان يرومه المحتلّ من تعليم “الأهالي” هو السّعي إلى جعل النّشء/ مواطني الغد يفرّقون بين الشّؤون الدُّنيويّة، والدّين، وذلك ما عبّر عنه الجنرال “تريزل” بكلّ وضوح حين كتب قائلا:» (…) علينا أن نستبدل مدارس التّعليم العربيّ الحرّ التي تسير عكس مصالحنا، بمدارس خاضعة كليّا لتصوّر الإدارة التي تعمل على فرض أولويّة المصالح المدنيّة على المصالح الدينية«. ومن جهته، ساند الحاكم العام “فيالا شارون” هذا الرّأي، حيث جاء في تقرير له في 30 ماي 1849 ما يلي: »(…) إنّني مهتمّ أساسا بالتّعليم من الدّرجة الأولى، واعتبرته وسيلة سياسية ذات أهميّة قصوى، وقد بدا لي أنّه إذا تمكّنت الإدارة الفرنسية من استمالة “الطُّلبَة” (المعلمين) إلى صفّها، فإنّها ستُحقّق خطوة معتبَرة في طريق غزو العقول وضمان  المستقبل«.  

في هذا الإطار، وبقرار من الحاكم العام في 03/08/1849 تمّ تشكيل لجنةٍ خاصّة بإعداد الكتب المدرسية الموجّهة لتعليم “الأهالي”، وضمّت عميد أكاديمية الجزائر “دولاكروا” ومحافظ مكتبة الجزائر “بوربريغر” وأستاذ كرسي اللّغة العربية بمدينة الجزائر “برينيي”  والمترجم الرئيسي للجيش “دوسلان”.  وقد قدّم “دوترون” توجيهات للجنة، قائلا: »(…) قبل أن تكتبوا أيّ شيء اقرؤوا القرآن، وينبغي التحلّي بقدر من الزّهد فيما يخصّ تضمين جوانب حياة الرّفاهية في الجمع والتأليف (…) أرجو المعذرة من العديد من إخواننا المواطنين في إفريقيا، إنّه من المستحيل عليّ أن يكون لي مثل نظرتهم للأمور، إنّ تعزيز غزونا يكمن في ازدهار عاداتنا الباريسية بين أسوار مدينة الجزائر. إنّ على المبشّرين بالحضارة (…) إذا ما رغبوا في النجاح بين سكّان أجانب، أن يتحلّوا ما أمكنهم ذلك بخصالهم الظّاهرية . ثمّ حدّد الهدف الذي ينبغي أن يتحقّق من خلال هذه الكتب المدرسيّة قائلا: » (…) إنّ وزير الحرب يرغب في تفحّص النّصوص المقترحة قبل اعتمادها. إنّ ما يهمّه من هذه الأخيرة، محتواها وليس قيمتها الأدبية. ومن جانبي، أُنوّه بمساهمتكم في هذا العمل الذي باشرناه، ونسعى من خلاله إلى تدريب المجتمع العربي على أنوارنا وتهيئته شيئا فشيئا لاستقبال الإلهامات الحسنة للحكومة.« 

من جهته، أوضح الحاكم العام “دوتبول” الأهداف التي ينبغي أن تعكسها الكتب المدرسية، في مذكرة له بتاريخ 05/04/1851 حين يقول: (…) من ضمن المسائل الخمس الكبرى ذات العضوية والتي شهدت تقدّما معتبرا من حيث الدّراسة، بل شرعنا في البعض منها، وهي، الدين، القضاء، الملكية، التعليم العمومي. 

وهذا الأخير هو من الأهميّة بمكان من حيث النتائج السياسية، فهو الذي يقدّم الحلول لهذه المسائل. إنّ الأمر لا يتعلّق بالجيل الصاعد، بل حتى الجيل الحالي، بمعنى، الأطفال كما الرّجال، المستقبل كما الحاضر (…) يجب أن يكون لكلّ قرية ودُوّار مُدرّسٌ معترف به من قبل السّلطة الفرنسية، تُمنح له مزايا من طرف الحكومة، يتمتّع بها أو يفقدها على قدر تماهيه مع أفكار السياسية الفرنسية (…) ألا يعدّ وسيلة كبيرة للتأثير في هذه البلاد؟ إنّ مُدرّس المدرسة العربية، الشيخ، يلعب دورا فعليا في المجتمع الأهلي، إنّه ليس العالم فحسب، بل العالم الوحيد، الضوء، الوحي الإلهي، إنّه ساحر القبيلة. فهل نحرم أنفسنا من وسيلة تأثير كهذه«؟. 

لقد سعى الاستعمار عبر المشروع التّعليمي، إلى قلب المفاهيم السّائدة في المجتمع، وبالتّأكيد مفاهيم مستمدّة من المرجعية الإسلامية، وبالتالي، يجب هدمها والاستعاضة عنها بقوانين وضعيّة. بعبارة أخرى قولبة الجيل الناشئ بخاصّة بما يتماشى وهذه القوانين الوضعيّة.

 

 الخلاصات:

1- ظلّ الجزائريون مرتابين في شأن التّعليم الفرنسي، حيث كان الأعيان المتمسّكون بالتقاليد يتوجّسون خيفة من هذا النّوع من التعليم الذي أقصى تعليم القرآن من مناهجه تماما وترك حيّزا ضيّقا أو يكاد لتعليم العربية، ولم يكن لا “جانمير” ولا “كومينيس” موافقين على تدريس هذه الأخيرة، وكلاهما كان يعتقد أنّه “لا أمل مطلقا في نسج روابط مشتركة ولا خلق أحاسيس تضامنيّة بين الأوروبيين والأهالي، إن لم تكن هناك وحدة في الفكر والخطاب”، وهو ما أشار إليه “كامبس” أمام مجلس الشيوخ في 5/4/ 1892 حين قال: »(…) إنّ الشرط الأساسي الذي لا محيص عنه لتحقيق المصالحة هو استعمال لغة واحدة”. 

2- ركّز المحتلّ على النَّشء “مواطني الغد”، لقولبته وفق منظومة قيم لا صلة لها بمرجعية هذا “المتوحّش الصغير” على حدّ تعبير “غ. بونوا” مدير التعليم في قسنطينة بعد أن أصبحت معروفة بجزئياتها بفضل تلك الدراسات التي أجهد “المستعربون” أنفُسهم فيها، حتّى يتمكّن من هدم هذه الرّموز عند اصطياد هذا النّشء إلى فضاء “التّنوير” و”غسل” مُخّه ممّا قد يحمله منها جرّاء احتكاكه اليومي بمحيطه الأسري وبأقرانه وبيئته؛ لأنّ المجتمع الذي ينتمي إليه هذا النَّشء هو نتاج حضارة كانت سبباً في “تخلّف” أجداده و”جمودهم”، ومن ثمّ، لا مخرج له من ذلك، سوى تقمّص “البديل” الوافد والتّماهي معه. ولا يغيب عن البال، أنّ هذه الدراسات والخلاصات، “علمية” لا يطالها الباطل، وجاءت في زمن عملت فيه ظاهرة الانبهار بالآخر فعلها في بعض المثقّفين في العالمين العربي والإسلامي، وغدت رؤى ومفاهيم هذا الآخر حقيقة أسمى، لا شيء قبلها أو بعدها.

3- اعتقد المحتلّ أنّ تلقين الفرنسية لـ”الأهالي” سيسمح لهم أيضا بالاطّلاع على مخزون الثقافة الوافدة، تمهيدا لأن يحاكوها، ولمَ لا تكون بديلا لثقافتهم. علماً أنّ تلقين هذه اللغة لأبناء “الأهالي” لا يُنظَر إليها على أنّها تلقينٌ لمفردات وتراكيب نحوية، أو مسألة تتعلّق بالتّواصل والتّفاهم، وإنّما النّظر إليها كوعاء لثقافة وعادات وقيم أهلها (أي الفرنسيّين) وما يترتّب على ذلك من تأثير على وجدان المتعلّم بعد تمكّنه منها، وقد يدفع به ذلك إلى تبنّي هذه اللغة الوافدة وثقافتها، خصوصا إن لم يتشبّع بلغته وثقافته، وهو ما حصل لبعض الجزائريّين أواخر القرن 19 ومطلع القرن العشرين.

4- أنّ نشر اللّغة الفرنسية، لم يكن غاية في حدّ ذاته، بل مرحلة مُمهّدة لانغراس بذور الفكر والثقافة الفرنسيتين في عقول الجزائريين، مرتبطين لغويّا وفكريّا وعاطفيا بفرنسا، بعد إزاحة “الجدار الصّلب” المتمثّل في الدّين، والتي تشكّل اللّغة العربية الفصحى الإسمنت المسلّح له.

5- بالموازاة مع مسعى التّمكين للغة الفرنسية، خصّ اهتماما باللغة الشّفهية؛ عربية عامية  وبربرية، ولم يكن ذلك لأسباب موضوعية، بل لمحاربة العربية الفصحى، وسيكون المتعلّم عاجزا عن فهم القرآن والوقوف على مضامينه، ومن ثمّ سينزوي، وتحويله في أحسن الأحوال إلى مجرّد آيات تُتلى في زوايا المسجد والمناسبات الدّينية، شأنه شأن الكتب السماوية الأخرى.

  وأخيرا، تلك هي إستراتيجية المحتلّ الفرنسي، السيادة للّغة الفرنسية في التّعليم، وفي شتى الوظائف والمؤسّسات، وعامّية عربية، ولهجة بربرية خاصّة بالحياة اليومية للأهالي. وقد يكون المحتلّ يومها – أو من يسير في الاتّجاه ذاته اليوم – يدركان: إنّه من المؤكّد، أنّ تغيير لغة التّفكير، لا لغة الكلام فحسب، هي التي تكون النّقلة الكبيرة في منهج التّفكير العامّ للإنسان، بل إحساسه أيضا؛ فاللّغة هي ضابط الإحساس، كما هي ضابط الفكر. 

مقالات ذات صلة