-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ميلوني تحل ببلادنا هذا الأربعاء والغاز في صدارة الاهتمامات

هل “تتوب” أوروبا عن أخطائها الطاقوية تجاه الجزائر؟

حسان حويشة
  • 513
  • 0
هل “تتوب” أوروبا عن أخطائها الطاقوية تجاه الجزائر؟
ح.م

باستثناء إيطاليا التي سارعت إلى زيادة إمداداتها من الغاز الجزائري منذ 2022، وأيضا ضخت الأموال في عدة مشاريع كبرى، عمدت معظم دول القارة الأوروبية إلى زيادة مشترياتها من غاز الولايات المتحدة ودول أخرى رغم فارق الموثوقية والمخاطر وأيضا السعر، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران جاءت لتكون بمثابة فرصة جديدة لتتوب القارة العجوز عن أخطائها الطاقوية تجاه الجزائر والمضي قدما في ضخ استثمارات في بلد أثبتت التقلبات والأزمات المتلاحقة بأنه الشريك الأكثر موثوقية وأمانا.
في هذا السياق، تحل رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي بالجزائر هذا الأربعاء في زيارة عمل رسمية، بحسب ما أعلنت عنه الحكومة الإيطالية في أجندتها الأسبوعية على موقعها الرسمي، وهو التنقل الثاني من نوعه لها منذ توليها مقاليد قصر كيجي الحكومي خريف 2022، بعد زيارتها للجزائر في 22 و23 جانفي 2023. ووفق ما أفاد به مصدر على صلة بالزيارة، فإن هذا التنقل سيكون طاقويا بالدرجة الأولى، إضافة إلى شق يتعلق بالفلاحة وتحديدا بمركز إنريكو ماتاي للتكوين والبحث والابتكار في المجال الزراعي بولاية سيدي بلعباس، الذي ينتظر أن يدشن رسميا. وخلال الزيارة، يؤكد المصدر ذاته، سيتم بحث سبل إمداد روما بكميات إضافية من الغاز الطبيعي باعتبارها الخيار الأول بالنظر للقرب الجغرافي وتوفر منشآت النقل، خصوصا أن الظرف المناخي يسمح بذلك من خلال عدم وجود استهلاك كبير محليا في التدفئة بالنظر لدرجات الحرارة وأيضا في حرق الغاز لإنتاج الكهرباء لمواجهة الطلب على المكيفات الذي يكون عادة في الصيف.
ووفقا للمصدر ذاته، فإن مسألة إمداد روما بكميات إضافية من الغاز بالنظر للظروف الدولية الراهنة تلقى إجماعا بين الطرفين يجد إجابته في عدة نقاط. النقطة الأولى، حسب المصدر، وهي أن إيطاليا حافظت على نفس وتيرة شراء الغاز الجزائري منذ 2022، حيث ورغم تراجع الكميات بشكل طفيف، إلا أنها بقيت فوق 20 مليار متر مكعب سنويا، ما يمثل أكثر من ثلث واردات البلاد.

“إيني”.. الأكثر توسعا
النقطة الثانية تتمثل في كون إيطاليا ومن خلال شركة “إيني”، تعتبر الوحيدة من بين الشركاء الأجانب لـ”سوناطراك” التي وسّعت تواجدها في الجزائر وتحديدا في نشاط المنبع، أي إنتاج الغاز والنفط. وقامت “إيني” في هذا الصدد بشراء حصة “بريتيش بتروليوم” البريطانية في حقلي عين أمناس وعين صالح، وعمدت بعدها إلى الاستحواذ على أصول “نبتون إينرجي” البريطانية في حقل توات غاز بولاية أدرار، علما أنه يعتبر من بين أهم الحقول المنتجة بكميات سنوية تقدر
بـ4.5 مليار متر مكعب، حيث تكفل الطرف الإيطالي بالشراكة مع “سوناطراك” بتطهير وحدة معالجة الغاز التي تلوثت بالزئبق وتوقف إنتاجها منذ خريف 2021.
وقبل أيام فقط، قام عملاق الطاقة الإيطالي أيضا بشراء جزء من حصة “إنجي” الفرنسية في حقل توات غاز قوامه 8 بالمائة لرفع حصته إلى 43 بالمائة، بعد أن وافقت السلطات الجزائرية على الصفقة من خلال مرسوم رئاسي. وفي إطار نشاط المنبع أيضا، ظفرت شركة “إيني” بمناقصة لتطوير حقل رقان 2 الغازي بالشراكة مع PTTEP التايلاندية في إطار جولة العطاءات الدولية التي أطلقت في 2024 وجرى فتح أظرفتها في جوان 2025. وخلال الصيف الماضي، وقّعت “إيني” على عقد مع “سوناطراك” لتطوير حقل غازي بمحيط إيليزي بقيمة مالية تقدر بـ1.35 مليار دولار.

روما أول زبون للغاز الجزائري
إضافة لكل هذه الاستثمارات، فإن إيطاليا من خلال “إيني” وشركات أخرى، هي أكبر مشتر عالمي للغاز الجزائري، بكميات تفوق 20 مليار متر مكعب سنويا منذ 2022. ولا تبدو زيارة رئيسة الوزراء الإيطالي إلى الجزائر مجرد تحرك ثنائي معزول، بل تأتي كإجراء استباقي وفق ما نقلته صحيفة “لاريبوبليكا”، حيث تخشى روما من توجه دول أخرى، من بينها إسبانيا، نحو الجزائر في حال تفاقمت الأزمة الدولية، ما يفرض التحرك مبكرا لتأمين موقع متقدم في العلاقة مع الشريك الجزائري.
وتكشف معطيات نقلتها الصحيفة ذاتها أن إيطاليا لم تستغل كامل قدراتها في استيراد الغاز الجزائري خلال العام الماضي، إذ لم يتجاوز الاستخدام نحو 80 بالمائة من الحجم المتاح ضمن العقود، وهو ما يعني وجود هامش فعلي لرفع الإمدادات من دون الحاجة الفورية إلى اتفاقيات جديدة، بل عبر تفعيل الإمكانات القائمة.
ومقابل هذا الحضور الإيطالي وضخ الأموال في استثمارات كبرى وشراء كميات ضخمة من الغاز الجزائري، فقد سلكت عدة دول أوروبية نهجا مغايرا وارتمت في أحضان الغاز الأمريكي بشكل غريب رغم مخاطره المرتفعة من حيث البعد والسعر المرتفع جدا، فضلا عن شح الاستثمارات في نشاط المنبع بالصحراء الجزائرية لجل شركات أوروبا. وقامت إسبانيا في هذا الصدد برفع وارداتها بشكل غريب من الغاز الطبيعي والمسال من الولايات المتحدة ودول أخرى منذ 2022، رغم سعره المرتفع، بحيث صارت واشنطن منافسا مباشرا للغاز الجزائري الأقل سعرا والأكثر موثوقية من حيث الإمدادات بالنظر لوصوله عبر خط أنابيب “ميدغاز” الذي يربط البلدين مباشرة عبر البحر المتوسط.

المبررات الأوروبية تسقط في الماء
وعلى نفس النهج سارت فرنسا إذ دأبت على شراء كميات أكبر من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة منذ 2022، فضلا عن مغادرة شركة “إنجي” العملاقة لحقل توات ـ غاز بولاية أدرار. ونفس الأمر ينطبق على بريطانيا التي غادرت شركتها “بريتيش بتروليوم” الجزائر قبل سنوات وتخلت عن أصولها في عين أمناس وعين صالح إلى العملاق الإيطالي “إيني”. وفي خضم كل هذا، وتحت ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رضخت بروكسل العام الماضي لشروط واشنطن لشراء كميات إضافية من المواد الطاقوية الأمريكية وخصوصا الغاز الطبيعي المسال “جي أن أل” بقيمة تقدر بأكثر من 700 مليار دولار، رغم سعره المرتفع ومخاطر نقله وتوقف المنشآت خصوصا خلال فترات الأعاصير والعواصف.
وإذا كان تحجج أوروبا بعدم قدرة الجزائر على تلبية الطلب الأوروبي الكبير من الغاز، وهو معطى يمكن تفهمه، إلا أن تخلفها عن ضخ الاستثمارات مثلما ينص عليه اتفاق الشراكة بين الطرفين والوعود التي قدمت بعيد الحرب الروسية – الأوكرانية، يجعل كل المبررات الأوروبية تسقط في الماء، لأن بروكسل لو انخرطت في مسعى تعزيز أمنها الطاقوي بالشراكة مع الجزائر و”سوناطراك” وضخت الأموال ودفعت شركاتها للاستثمار، لكان عدد من المشاريع اليوم قد بدأ في الإنتاج فعليا خصوصا أن عدد الاكتشافات الغازية في السنوات الأخيرة كان لافتا وأغلبها لا يحتاج لعمليات استكشاف بل مشاريع تطوير مباشرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!