العالم
بين نزعات الثأر ودعوات الحذر

هل تغيّر فرنسا سياساتها بعد هجمات باريس؟

الشروق أونلاين
  • 778
  • 0
ح.م
الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند

لاشكّ أن ما تعرّضت له باريس ليلة السبت من اعتداءات إرهابية غير مسبوقة، ستكون له انعكاساتٌ عاجلة وآجلة على سياساتها الداخلية والخارجية في آن واحد، لأن الكثير يربط بين الاثنين، فالبعض يحمّلها نتائج تدخّلها في الشرق الأوسط، بينما يعتبر اليمين المتطرف الإرهاب في فرنسا ثمرة مرّة لسياساتها المنفتحة على الأجانب من العرب والمسلمين.

وفي بلدٍ ديمقراطي، حيث تحتلّ توجهات الرأي العام مكانة بارزة في المشهد العام، فإن الأحداث الكبرى لها تأثيرٌ بالغ في الحياة السياسية للبلاد، قد تؤدي أحيانا إلى سقوط حكومات ورؤساء من مواقعهم، ما يدفع بهؤلاء دائما تحت ضغط الصدمة إلى إعلان إجراءات وتدابير في منتهى التقدّم، في محاولة لامتصاص حالة الشعور بالغضب وتطويق تداعياته على حركة الشارع، وفي دولةٍ مثل فرنسا، يضاف إليها ردّ الاعتبار السياسي والمعنوي لرمزية تاريخية وعسكرية، ترفض المساس بالهيبة وخدش الكبرياء.

هذا ما يعيش على وقعه الداخل الفرنسي منذ يومين، عقب الهجمات الدموية التي استهدفت سبعة مواقع حسّاسة في قلب باريس؛ إذ خلفّت مئات القتلى والجرحى، وظهرت معالم الصدمة بوضوح على الرئيس الفرنسي وهو يتلو كلمته التي أعلن فيها فرض حالة الطوارئ بكامل التراب الفرنسي، وإغلاق جميع المنافذ الحدودية البرية.. إجراءاتٌ وُصِفت بـالتاريخية، إذ لم تُفرض حالة الطوارئ بكامل أرجاء فرنسا منذ ثورة الجزائر.

هذا التحدّي غير المسبوق للدولة الفرنسية، أضفى على هذه الهجمات طابع الجرأة والاستخفاف بالدولة وبأجهزتها، ما جعل الفرصة سانحة للمعارضة اليمينية المتطرفة لانتقاد أداء الحكومة الاشتراكية، بل طالبت بتحرّكقوي وصارموحظر المنظمات الإسلامية وغلقالمساجد المتشدّدة، ويُحتمل أن تتطور التفاعلات إلى المطالبة باستقالة حكومة مانويل فالس، لأن ما جرىبرأي متابعينليس إلا تعبيرًا عن فشل أمني وقصور في إجراءات الاستعلام، في بلد له من الإمكانيات التقنية والبشرية ما يمكنّه من استباق أي هجوم من هذا النوع، وهي الرسالة التي استقبلها رئيس الوزراء على السريع ليردّ بالقولنحن في حرب، سنتحرك ونضرب هذا العدو من أجل تدميره في فرنسا وأوروبا وسوريا، مؤكدا أن الرد الفرنسي سيكونبالمستوى نفسه لهذا الهجوموأنهذه الحرب تخاض على التراب الوطني وفي سوريا، قبل أن ينبّه إلىتوقّع ردود أخرى من الإرهابيين، لذا يستوجب على فرنساأن تقضي على أعداء الجمهورية وتطرد كل هؤلاء الأئمة المتطرفين، وتنزع الجنسية من أولئك الذين يهزأون بما تمثِّله الروح الفرنسية، مثل ما قال فالس.

وعليه، يتوقع مراقبون أن يتمّ تشديد الإجراءات الأمنية، ومن الممكن أن يحدّ ذلك من الحريات الشخصية للمواطنين الفرنسيين، وللأجانب من أصل عربي. وبالموازاة، ستتصاعد حملاتُ الكراهية والعنصرية ضد العرب والمسلمين، ليتقاطع كل هذا مع تنامي شعبية اليمين الفرنسي في نتائج سبر الآراء الأخيرة، ويمكن التنبؤ من الآنحسب محلّلينبأن يتقدّم اليمين الفرنسي المتطرّف بقية الأحزاب في الانتخابات المحلية المرتقبة، بل سيشمل الانتخابات البرلمانية وحتى الرئاسية، ولا غرابة، تبعًا لذلك، أن تكون زعيمة حزب الجبهة الوطنيةمارين لوبانرئيسة لفرنسا في 2017، في سيناريو يستنسخ ما حدث في إسبانيا بين خوزي ماريا أزنار وخوزي لويس ثاباتيرو بعد عمليةقطارات الموتالتي تبنتهاالقاعدةوقتها.

أثرُ هذه الاعتداءات لن يتوقف عند حدود فرنسا، بل سيمس بشكل جوهري السياسة الخارجية لها؛ إذ من الممكن أن يصبح الموقف الفرنسي أكثر تصلبًا من النظام السوري، فالفرنسيون يدركون جيدًا أنداعشتتغذى من يأس السوريين من أي حل سياسي ينهي نظام الأسد، وعلى هذا الأساس من المتوقع أن يكيّفوا سياستهم في المنطقة، حيث دعا الأكاديمي الفرنسي، جان بول شانيولو فرنسا  إلى مراجعة سياستها الخارجية في الشرق الأوسط، والتي قال إنها أدت إلى ردات فعل، لكن آخرين يستبعدون أن تقوم بتغيير سياستها الخارجية بعد هجمات باريس، ودعوها في المقابل إلى دعم ثوراتالربيع العربيوالوقوف مع الشعوب لا الأنظمة، ويضربون مثلا في هذا السياق، باستقبال باريس للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وبيعه الأسلحة، وهو الذي وصل إلى الحكم إثر انقلاب دموي سافر.

لكن مقابل هذه التوقّعات، فقد دعت الصحف الفرنسية الصادرة صباح أمس الأحد إلى توخي الحذر من ربط الهجمات بقضية اللاجئين أو التأثير في الوحدة الفرنسية بداعي محاربة الإرهاب، في إشارة صريحة إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب، أو استهداف المغتربين بحجة ملاحقة التنظيمات الإرهابية.    

مقالات ذات صلة