الجزائر

هل تلد الأزمة الهمّة؟

الشروق أونلاين
  • 755
  • 0

أتى على الجزائريين حينٌ من الدهر لم يعُد يذكرهم أحدٌ إلا بما يُشين تاريخهم الوطني الحافل بالبطولات الأسطوريّة، بل إن القريب قبل الغريب لم يتورّع عن نعتهم بما يحطّ من منزلتهم المجيدة في التاريخ القديم والحديث، بعد ما سقطوا في أتون المأساة الوطنيّة، فلم يشفع لهم السبقُ العربي في التطلع إلى اللحاق بركب الأمم المتمدّنة في كنف الحريات والديمقراطيّة، لأنهم فشلوا في العبور بسفينتها إلى شاطئ الأمان.
ويوم هبّت رياح “الربيع العربي” العاصف على المنطقة، كان لشعب المعجزات تقديرُه المختلف، فرفض ركوب الموجات المشبوهة، لفطنة فطريّة وخبرة تاريخيّة، علّمته أن يصنع التميّز في كل المسارات التي يخطّها، حتّى ظنّ النافخون في نيران الأوطان به سوءًا، حين فشلوا في تطويعه لأجنداتهم.
أمّا اليوم، وبفضل الحراك الشعبي الباهر، فقد نجح الجزائريّون في كسر تلك الصورة النمطيّة السلبيّة التي أراد الغيورون والحاقدون أن يُلصقوها به عن جهل أو عن سوء قصد، لأن أشواق الحرية والكرامة تسكننا، بل ربّما نحن من الشعوب القليلة عبر تاريخ الإنسانيّة التي استنزفت مسارها الحضاري منذ عشرين قرنًا منافحةً عن عزّتها وشرفها وأرضها.
مهما انقسم الناس حول مطالب الشارع الجزائري والمخارج الممكنة الآن، فلا ينكر أحدٌ مدى الفخر الذي تملّكنا جميعا أمام العالم، وشعبنا يخرج بالملايين في منتهى السلميّة والتحضّر، يهتف بشعارات جزائريّة خالصة، يأبى أن يقلّد غيره ولو في الكلمات العابرة، ويرفع صوت النّكير ضدّ التدخل الأجنبي، متآزرين رجالا ونساءً، كبارا وصغارا، جنبا إلى جنب، ترفرف رايات الوطن فوقهم، ويحوطهم أعوان الأمن برفق وسلام، يتبادلون معهم العناق والورود، ثم إذا انفضّ الجمعُ الحاشد من ساحات المدن انبرى متطوِّعون لتنظيفها، في مشهدٍ تاريخي لم تعشه الجزائر منذ الاستقلال.
لقد فرضت تلك المظاهر الاستثنائية على كل المجتمع الإقليمي والدولي، إعلامًا ونخبًا وساسةً ومسؤولين، أن ينظروا إلينا بعين الاحترام والانبهار، ويتعاطوا مع حراك الجزائريين بحذر وترقّب، دون أن يتجرَّؤوا على توجيه الدروس والإملاءات، لأنهم يدركون تمامًا أننا شعبٌ مختلف ولا فخر.
لكن، هل يكفي الآن تسجيل هذه اللحظة التاريخيّة الخالدة دون استشراف مآلات الوضع والتفكير في المستقبل بواقعيّة وعقلانيّة ترفع الوطن، بكل ما يمثّله من أمانة وأمل وأمن، فوق كلّ الحسابات؟
إنّ الرهان الأصعب ينطلق من الذروة الاحتجاجية، لأنّ التصعيد فوقها، من أي طرف، يضع البلاد على كفّ عفريت، وخير دليل على ذلك حالة الهلع التي أفزعت الجزائريين على وقع الإضراب المجهول الذي قد يطوّره متآمرُون إلى عصيان مدنيّ يجرّ العباد إلى مستنقع الفوضى.
وعليه، فإنّ الوضع العامّ هذه الأيّام لا يحتمل التأخير إطلاقًا في توافق النخبة الوطنيّة، في هرم السلطة والطبقة السياسيّة والرموز المستقلّة للحراك الشعبي، على إيجاد المخارج الآمنة التي تصون استقرار الوطن وتحمي مصالحه العليا، وتنسجم مع مطالب المتظاهرين، حتى نضمن توحّد الجزائريين حول التطلّع المشترك نحو غد أفضل، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو الانتقام أو تصفية الحسابات أو ليّ الذراع أو “بعدي الطوفان”، لأنّ الجزائر يُعلي صروحها الجميع، مهما باعدت بينهم الخلافات السياسيّة.
لقد دخلنا نفق الأزمة الأخيرة، والتي قد تطول شهورا وحتّى سنوات، غير أنّنا نتوسّم في حكّامنا وساستنا ومسؤولينا وشعبنا الغيرة على الوطن، مهما عظُمت الأخطاء، فالأزمة تلد الهمّة ولا يتّسع الأمر إلا إذا ضاق بأهله.

مقالات ذات صلة