الرأي

هل تنجح مخططاتهم لإسقاط العرب؟

صالح عوض
  • 3008
  • 0

في لعبة أسعار النفط يصل الاستهتار الغربي بالمنتجين من دول الجنوب مداه.. وفي كل مرة جديدة يُخرج الحاوي الغربي من جرابه أشكالا جديدة والهدف دوما هو استنزاف المال العربي وتوفير شروط النزف المستمر لإحكام واقع التخلف والانهيار الحضاري على امتنا.. ولا يهم هنا إن كانت العملية من خلال حروب تستدعي أسلحة وذخائر أو تصدير بضائع استهلاكية متنوِّعة.. فالمهم في كل الأحوال أن يظل صاحب المال العربي في مهمة نقل الأموال إلى بنوك الغرب ومصانعه..

 ها هي حروب المنطقة كلها تتكشف عن أسبابها الأساسية؛ أنه النفط كعنوان للمصالح الاستراتيجية الغربية وما يتبع النفط من تحريك للعجلة الاقتصادية الغربية بعناوينها المتعددة.. وهم يسيرون في ذلك كله على خطوط متوازية، فهم من جهة يصنعون أفكارا ويبحثون لها عن معتنقين ويمدونهم بأسباب الظهور ويدعون إليهم بجنود أعدوا للمهمة بإتقان ويسخّرون لذلك وسائل الإعلام والمصطلحات والمفاهيم المعلّبة، ويلقون بذلك كله في المجتمعات العربية يثيرون استفزازها على الصعيد الشعبي وعلى الصعيد الرسمي.

 وفي هذا الإطار نشطت جمعيات “الانجي أوز” أي منظمات المجتمع المدني، ولها مهمات متعددة منها الأمني التجسسي، ومنها الاختراق الثقافي والقيمي، ومنها إثارة النزاع في مواجهات تشتد وتيرتها بين هذه المنظمات وأصحاب الأفكار المصنعة من جهة وتيارات الأصالة ودعاة الأفكار التقليدية من جهة أخرى.. وتجد المجموعات الملقاة في المجتمع الرعاية الإعلامية والسياسية من قبل مصالح متخصصة، لذلك في الغرب حتى يصبح الأمر كأن لها حصانة ضد القانون المحلي وتصبح كثير من الرموز هذه جسرا للتواصل مع المؤسسات الغربية تحمل الرسائل والمطالب ذهابا وإيابا..

هذا الاتجاه يسير جنبا إلى جنب اتجاه آخر يتمثل في خلق أزمات أمنية داخل المجتمع المحلي أو بين بلد عربي وآخر، وسيجدون بالتأكيد مفردات لهذه العملية من واقع الإثنيات المتعددة بحساسياتها الكامنة.. وقد يصل الحد في هذا الاتجاه إلى أن يتم التدخل العسكري الغربي مباشرة لتعفين المناخ السياسي ولتوطين المفاسد السياسية بالتمكين لأدوات التعفن السياسي بأشكاله العديدة.

 إننا خسرنا كثيرا من ثرواتنا، لكن الغرب لم يكسب الحرب معنا؛ إذ لازالت امتنا لم تسلم بعد بخروجها من حلبة الصراع، ولا تزال تلوح بقضاياها في التحرر والنهضة والوحدة والاستقلال.. وهنا يصبح الصمود والمصابرة السلاح الأنجع لمعركة تحسمها الإرادات.

 ويسير هذان الاتجاهان مع اتجاه آخر هو اللعب بالمسألة الاقتصادية، ولأن دول الجنوب ليس لديها إلا الثروات الطبيعية، فهي معرّضة لعملية قرصنة مركّبة حيث تذهب سلعها الأولية إلى مصانع الغرب وتعود بثمن هو يحدده ولا يخضع ذلك إلا لتحكم الغرب في معيار الربح الجنوني.. فمثلا ينخفض سعر البترول ومن المفترض أن تنخفض أسعار مشتقاته والمواد الناتجة منه، إلا أن شيئا لا يحصل وتظل دول الجنوب تستورد المنتَجات التي تصدر عن المصانع الغربية بأسعار ثابتة وقد تزيد.. ثم في الإطار نفسه، يراقب الغرب بلدان الجنوب وكيفية تضخّم المال عندها نتيجة بيع ثرواتها الأولية، يراقب حركة البنوك وكيف تراكمت أموال دول الجنوب في البنوك الأمريكية، فهم لا يكتفون بأن تكون بنوكهم هي مرجعية ثروة الجنوب يستفيدون منها في تشغيل اجزاء معتبرة من اقتصادهم، فهم يتجهون إلى إيجاد صيغ لاستنزاف الأموال بدفع دول الجنوب إلى معارك طاحنة لا أفقَ سياسياً لها، ويضخون الأسلحة والاستشارات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية… وهكذا تكاد لا تنتهي أزمة حتى تولد أخرى أشد ضراوة لاستنزاف أموال العرب لاسيما دول الخليج، فمثلا حرب الأفغان التي استمرت عشر سنوات دامية، ومن ثم حرب العراق وإيران ثماني سنوات، وبعد ذلك الحرب على العراق إحدى عشرة سنة.. أن سلسلة الحروب هذه استنزفت الخزينة في دول الخليج والعراق ولم يكن بالإمكان إقفال الملفات المفتوحة..

وفي إطار النفط  يمكن التأكيد على أن تخفيض سعر النفط إلى أدنى مستويات ممكنة، يسير في الاتجاه نفسه لتحطيم المنطقة العربية، وهكذا تظهر الآن الأزمة بالاتجاهات الثلاثة السابقة في لحظة واحدة وفي منطقة واحدة وبتجنيد فائق المستوى.

الآن ينفق العرب أموالهم الطائلة في حروب يدفعون فيها دماء أبنائهم وأمن أوطانهم، ولكنها حروب بلا عنوان ولا فائدة منها ولا هدف واقعي حقيقي لها.. ولم تعد المنظمات الإقليمية أو الدولية، السياسي منها والاقتصادي، مثل مجلس التعاون الخليجي أو اتحاد المغرب العربي أو جامعة الدول العربية أو منظمة الأوبيك أو منظمة العالم الإسلامي… لم يعد لهذه المنظمات أي فاعلية في صد العملية الغربية متعددة الخطط والجبهات.. وبعد أن سقطت بلدان عربية بشكل ذريع في المخطط كليبيا والعراق، وبعد أن أشغلت بلدان أخرى بأخطار تتهددها مثل تونس والسودان وسوريا، أصبح الخطر يحوم حول بلدان عربية أخرى كالمملكة السعودية، ولعل التقارير الغربية تحاول الترويج لما يريدون من خلقه كمناخ مواتٍ لعملية جراحية خطيرة تتهدد السعودية ودول الخليج لتقسيمها إلى ممالك وإمارات، وليس بريئا ما نسمعه من كلام غربي يتحدث عن إفلاس هذا البلد العربي او ذاك.

لقد واجهت الدول العربية هذه المخططات بلا مسؤولية ودونما توفير مصدات للتيار المعادي الرهيب؛ فظلت الأموال العربية في واد والتنمية العلمية والصناعية والإنتاجية في واد آخر.. تذهب الأموال في الحروب والاستنزافات والعمل غير المفيد، أو في ما يمكن تأجيله من استهلاك أو تحجيمه، فيما تتوقف عجلة النمو والتنمية في عناوين أساسية وفي أحيان يتم فيها تدمير ما باليد من بنية تحتية، وفي نهاية المطاف تجد بلداننا أنها بلا صناعة ولا زراعة ولا إنتاج، وأن كل ثرواتها وكل مشاريعها محصورة في نفط يتحكم الغربيون بسعره.. وهنا تكمن الخطورة التي لا ناتج لها إلا التدهور الأمني والسياسي كما يخطط الغربيون.

هذه هي مخططاتهم وأهدافها، فهل تنجح؟ يمكن بالنظر المتوسط القول إنها تسير في طريق التحقق، ولكن بإعادة النظر إلى كل ما فات وإلى طبيعة الأمة وإمكاناتها العميقة وقضاياها الكبيرة المقدسة وعنوانها.. أنها أمة شاهدة بمنهجها المُعجِز وبإمكاناته الذاتية التي لا زالت تحفظ وجدان الأمة ومرجعياتها الروحية والنفسية، هذا من جهة والإعياء الكبير الذي أصاب النظام الرأسمالي وتدهور آلياته وتحولها إلى عدم القدرة على التوازن في الخديعة، مما نتج عنه أزمات حادة داخل المجتمعات الرأسمالية من جهة ثانية، وتنامي قوى اقتصادية عملاقة وعسكرية خطيرة في جهة أخرى من الكون، الأمر الذي يُحدث حالة استنزاف إجباري للقوى الرأسمالية من جهة ثالثة..

إن هذا كله يعني بوضوح أننا سنقرأ مستقبلا مختلفا عن ذاك الذي تريد أن تروّج له وسائل الإعلام الغربية المرتبطة بالأجهزة الأمنية والاستراتيجية.. أننا خسرنا كثيرا من ثرواتنا، لكن الغرب لم يكسب الحرب معنا؛ إذ لازالت امتنا لم تسلم بعد بخروجها من حلبة الصراع، ولا تزال تلوح بقضاياها في التحرر والنهضة والوحدة والاستقلال.. وهنا يصبح الصمود والمصابرة السلاح الأنجع لمعركة تحسمها الإرادات.

 

مقالات ذات صلة