جواهر
شاركته أعباء النفقة ولم يشاركها أعباء البيت وتربية الأبناء:

هل خسرت المرأة باختيارها للعمل خارج المنزل؟!

أماني أريس
  • 3651
  • 21
ح.م

يرمي الواقع بثقله أمام أفراد مجتمعنا فتتهاوى العديد من مفاهيمهم وقناعاتهم التقليدية، وعلى أنقاضها تتشكل مفاهيم و أنماط حياتية جديدة تخضع لممليات الظروف، أحد وجوه هذا التغير نلمحه في مسؤولية الإنفاق التي كانت توكل للرجل وحده حسب رأي العرف والشريعة، قد أصبحت في عصرنا مهمة المرأة أيضا، والرجل الذي كان بالأمس يستحي من اعتماده على المرأة جزئيا أو كليا في هذه المسؤولية التي ينتفي بانتفائها معنى القوامة شرعيا، قد أصبح اليوم لا يجد حرجا في طلب المرأة الثرية أو الموظفة، أما الأصوات التي مازالت تحتفظ بالنظرة التقليدية للموضوع فتعتبر تغريدا خارج سرب “الواقعيين” وما أكثرهم!

لكن الإشكال الذي يتمخض عن هذا التحول المشهود هو الوضع المؤسف للمرأة؛ التي وجدت نفسها أمام مطرقة التمسك بحق العمل والتأمين على عيشها الكريم من جهة واثبات الذات ومواكبة الحياة العصرية من جهة أخرى، وسندان الرجل الذي يكيل بمكيالين في التعامل مع قضية مشاركتها له في النفقة، ومشاركته لها في الأعمال المنزلية، حيث يعتبر الأول واجبا فرضته ظروف العصر، بينما يعتبر الثاني انتقاصا من رجولته. وهو ما أكدته لنا شهادات بعضهن حول الموضوع.

يعتبره إهانة

رفيدة هي أستاذة اجتماعيات في الطور المتوسط، وهي أم لطفلة لا يتجاوز سنها أربع سنوات، تقول أنها تعود مساء من عملها فتجد زوجها بدوره قد عاد من عمله، وبينما يغتسل ويؤدي صلاته ثم يتناول وجبته ويخلد للراحة، تبدأ هي معركة أخرى أكثر صعوبة وإرهاقا من مهنتها في التعليم، ويعتبره انتقاصا من رجولته. وفي ردها عن سؤالنا حول إمكانية تقديمه ليد المساعدة لها في أعمالها المنزلية الكثيرة، تقول أن الأمر يثير غضبه ويعتبره إهانة له كرجل.

لا يقدر تعبي ولا يتخلى عن مرتبي

ولا يختلف الوضع مع سماح وهي موظفة في فرع بلدي يتوافد عليه عشرات المواطنين يوميا، لدرجة أنها لا تكاد تجد وقتا لتريح رقبتها وبصرها وهي تحضر الوثائق وتقدم الخدمات المطلوبة، تقول: “كلما أعود إلى منزلي منهكة أجده (أي زوجها) قد عاد من عمله قبلي، وأحدث الكثير من الفوضى في البيت الذي تعبت في ترتيبه وتنظيفه قبل ذهابي صباحا إلى العمل، كثيرا ما تحدث بيننا مناوشات بسبب هذا التصرف منه لأنه لا يقدر تعبي ويعتبر عمل المنزل ليس مجهدا كما أدّعي، كما أنه لا يستطيع التخلي عن مرتبي فمدخوله متواضع”.

حساب عسير

أما وضع فيروز فهو الأسوء على الإطلاق، فليس هناك أتعس من امرأة ابتليت بزوج يفتقد لأدنى مقومات الرجولة المعنوية ويرى أن فحولته ومورفولوجيته وحدهما كافيتان لفرض الزعامة. فالسيدة فيروز أم لثلاثة أطفال متزوجة من رجل عاطل عن العمل، لكنه لا يخلف موعد ضخ المرتب الشهري لزوجته، حيث يتولى بمفرده سحبه والتصرف فيه كما يشاء، وفوق كل ذلك يحاسبها حسابا عسيرا إن قصّرت في القيام بشؤون البيت والاعتناء بالأبناء.

هل خسرت المرأة بخروجها للعمل خارج البيت؟

هذا السؤال الذي يتكرر طرحه يعتبره أهل الإختصاص خاطئا من أصله، لأن عمل المرأة لم يعد خيارا بقدر ما أصبح ضرورة، فبعد ان كان مقترنا بالضرورة والحاجة في وقت مضى، أصبح اليوم هو الضرورة التي فرضها شكل الحياة العصرية وتزايد متطلبات الفرد، وولادة مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية، لذلك أي محاولة لفرملة وتيرة تشغيل المرأة في مختلف ميادين العمل، تؤدي إلى اختلال الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

من جهة أخرى؛ المرأة العصرية الحاصلة على مؤهلات حِرَفية وشهادات علمية، ترفض رفضا قاطعا أن تختزل نجاحها وحياتها في دوريها الأمومي والزوجي فقط، بل تسعى لتكون سيدة مجتمع فاعلة، هذا فضلا عن السبب الأهم للعمل والمتمثل في تحقيق الاستقلالية المالية التي تضمن حياة كريمة.

وبناء على ما سبق، حل المشكل يبدأ من تبديد المعنى الخاطئ المترسخ في ذهن الرجل، والمتمثل في اعتباره مساعدة زوجته في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال انتقاصا من رجولته، وتلقين الأبناء منذ الصغر أن الرجولة الحقيقية تكون بالتواضع والمشاركة بين الرجل والمرأة، اعتمادا على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان في مهنة أهله حسب الحديث الشريف يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته.  

مقالات ذات صلة