هل دخل الأسد الجزائري المخدع التونسي؟
تولي وسائل الإعلام التونسية هذه الأيّام أهمية كبرى لما يراه البعض دورًا جزائريا في الوضع التونسي، سواء كانت “وساطة” أو هي”وصاية” تشمل حركة النهضة وحركة نداء تونس وتدفع بهما نحو تهميش الأحزاب الأخرى أو حتى”الاستحواذ” على الحكومة بالكامل، الإعلام التونسي، وإن راح حدّ النقيضين في قراءة الدور الجزائري وعلاقة هذا الجار بتونس، إلا أنّه مُجمع على اعتبار زيارة كل من راشد الغنّوشي والباجي قائد السبسي إلى الجزائر في مرّتين، دليلا لا يقبل المناقشة على علاقة كل من الرجلين بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك الأهميّة التي يوليها العقل السياسي والأمني الجزائري للجار التونسي، وخصوصا ما يجري فيه وبالأخصّ الاحتمالات التي قد تؤول إليها الأوضاع في البلد الذي أشعل ما يسمّى”الربيع العربي”.
يرى عالم الاجتماع والباحث المختص في سوسيولوجيا الدولة والمجتمع، الدكتور بالجامعة التونسية المنصف ونّاس، في تصريح لإذاعة “موزاييك” أن “بعد جيل من الثورات والانتفاضات، لم يعد يوجد وضع خاص بهذا البلد أو ذاك، كل الأوضاع الداخليّة متفاعلة مع الخارج، الوضع في تونس مرتبط إلى حد كبير بالوضع في ليبيا من جهة، وكذلك بالوضع في الجزائر”، مضيفا أن “الجزائر قد لا تكون مرتاحة لوجود حزب إسلامي لقيادة الحكومة في تونس، إلا أن هناك ما يمكن تسميته في السياسة الدولية “الواقعيّة”، أي القبول بالأمور وتخفيف النتائج”، مستخلصا أن “تلك هي سياسة الجزائر، التي بعد معاناتها على حدودها مع ليبيا، لا تريد، لا سمح الله أن ترى ليبيا جديدة في تونس”، خاتمًا قوله بأنّ “اختيار كلّ من راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي (من قبل الجزائر) لم يكن بريئا”.
الجزائر أسد في المخدع التونسي
الهاشمي الحامدي رئيس تيّار “المحبة” (العريضة الشعبية سابقًا)، في لقاء هاتفي مع إذاعة “موزاييك” من منفاه في لندن، عاب على رئيسي حركتي النهضة راشد الغنوشي ونداء تونس الباجي قايد السبسي ما قال إنّه “إدخال الأسد الجزائري إلى غرفة النوم التونسية”، محذرا من “تبعات هذا التدخّل” مشبّها إياه بما “كان يحدث في لبنان حين كان السفيران السعودي والسوري يتحكمان في هذا البلد لفترة طويلة”، متسائلا “هل أدخلت الجزائر المغرب مثلا في الجدل الذي أثير في الفترة الأخيرة والمتعلق بالتجديد لبوتفليقة للترشح لولاية رئاسية رابعة؟”، مستطردا في لهجة التحذير “استبداد بورقيبة أو بن علي أهون علينا من إقحام الجزائر في شؤوننا الداخلية”.
ثلاثة مقالات دفعة واحدة
يوميّة “الشروق” أفردت لموضوع”الدور الجزائري في تونس” ثلاثة مقالات دفعة واحدة، في نسخة يوم الثلاثاء 19 نوفمبر، جاء الأوّل تحت عنوان “خبراء لـ”الشروق”: الوضع في ليبيا عجّل بالوساطة الجزائرية!”، بقلم الصحفيّة أسماء سحبون، حاولت من خلاله إيجاد أجوبة للأسئلة التالية: “بماذا عاد الشيخان من الجزائر؟ وما الذي تعهدا به للرئيس الجزائري بوتفليقة؟ وبماذا تقدمت الجزائر من مقترحات وحلول لضيفيها قصد المساعدة على إخراج تونس من مأزقها السياسي؟”.
أحد الخبراء الدكتور رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف (تونسي) يرى أنّ “الجزائر تدخلت بحثا عن وساطة”، بسبب “الوضع السياسي التونسي الذي وصل إلى مأزق بين كتلتي النهضة من جهة ونداء تونس من جهة أخرى، ولأن محاولة الرباعي لترتيب الحوار تبدو فاشلة إلى حد الآن وبسبب تعذّر وجود قناة تواصل داخليّة”، مضيفًا أنّ “تدخل الجزائر مرده معرفتها الدقيقة بأن ليبيا منهارة وأن تونس مهددة بالفوضى الليبية ولأنّ استقرار تونس سيحافظ على استقرارها السياسي، لذلك تدفع باتجاه إخراج تونس من مأزقها السياسي، فليبيا تؤرّق الكل”.
التلميح الفصيح؟
المقال الثاني بقلم الصحفي خالد البارودي، جاء “هادئا ورصينًا” أقرب إلى “الافتتاحيّة”، استند صاحبه إلى تصريح “السيد زياد العذاري الناطق الرسمي باسم حركة النهضة” الذي اعتبر أنّ اللقاء بين راشد الغنوشي والرئيس بوتفليقة “جاء في إطار الأخوة والصداقة التي تصل البلدين، وقد تم خلاله إطلاع الإخوة في الجزائر على تطورات الوضع الانتقالي في بلادنا والوضع بصفة عامة”، ثمّ يضيف الصحفي أنّ “مصادر مطلعة عبّرت عن رغبة كبيرة من الطرف الجزائري في المساعدة على حلحلة الوضع السياسي المتعطل في بلادنا (أيّ تونس)، خاصة أن عديد المخاطر محدقة بالمنطقة نتيجة تقلب الوضع الأمني في ليبيا وإمكانية تعفنه أكثر، لذلك ازداد الحرص على التعجيل بإنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى مرحلة الاستقرار السياسي للقطع أمام التحديات الممكنة في مجال محاربة الإرهاب وتجاوز الصعوبات الاقتصادية”.
من الغريب أن تحرك الصحفي هويّة أو ماهيّة هذه “هذه المصادر” مجهولا، حين لم يذكر إن كانت جزائرية أو تونسية، من داخل السلطة أو من خارجها، ثمّ يضيف “أنه تم في هذا المجال التأكيد على ضرورة الابتعاد عن التعطيل والتمطيط الذي لن يفيد إلا الأطراف التي لا تريد المصلحة للبلاد، خاصة أن التنازلات التي أقدمت عليها الأطراف الرئيسية هامة ومشجعة وتدل على حسن نية ورغبة في تحقيق الوفاق”. لم يذكر الصحفي إن كان مفهوم “الأطراف الرئيسية” يشمل كلّ الأحزاب المشاركة في الحوار الوطني، أم حركة النهضة وحركة نداء تونس، حصرًا؟؟؟
الفرض أم الفريضة؟
المقال الثالث بقلم الصحفي فاضل الطيّاشي، تحت عنوان “بعد لقاء الغنّوشي والسبسي مع بوتفليقة: فرج تونس.. من الجزائر؟”. مدخل المقال جاء ملخصا له وحامل لكلّ معانيه:”بعد اشتداد الأزمة وتعقدها بين الفرقاء السياسيين باتت الأنظار تتطلع إلى الجزائر عسى الفرج يأتي من هناك.. خاصة بعد توالي زيارات الغنّوشي والسبسي ولقاءاتهما بالرئيس بوتفليقة”.
يطرح الكاتب ثلاثة احتمالات تفسّر “الدوافع الحقيقية من وراء “تحركات” الغنوشي وقائد السبسي على الصعيد الدّولي”.
“الفرضية الأولى هي أن الدوافع هي فقط مبادرات شخصية من الغنوشي وقائد السبسي بحثا عن النصيحة والإرشاد، وهذا ما أكّده سابقا السفير الجزائري بتونس بمناسبة اللقاءين الأولين اللّذين جريا في سبتمبر الماضي بالقول إنه لا توجد وساطة جزائرية، بغرض المساعدة في حل الأزمة بل فقط من باب التعاون والوفاق الذي يميز الدولتين منذ القدم على حد قوله”.
“الفرضية الثانية هي أن هذه اللقاءات فرضتها الأعراف السياسية الدولية المتعارف عليها والمتعلقة بوساطات الدول لحل الأزمات السياسية الداخلية في دولة أخرى”.
“أما الفرضية الثالثة فهي أن القوى الأجنبية هي التي فرضتها من تلقاء نفسها رغبة منها في ضرب عصفورين بحجر واحد: من جهة المساعدة على حل الأزمة القائمة في تونس، ومن جهة أخرى المحافظة على استقرار الشأن الداخلي التونسي بهدف المحافظة على مصالحها الإستراتيجية.
وهي فرضية تحيلنا إلى خبر عدم خروج السفيرين الجزائري والأمريكي في إجازة سنوية إلى حدّ الآن رغم انقضاء فترة الإجازات (الصيف) وقد يكون ذلك حرصا، بل وتشبث، منهما بإيجاد مخرج للأزمة السياسية التونسية في أقرب الأوقات”.
يوميّة “الصريح” لذات اليوم، أوردت هي الأخرى مقالا تحت عنوان “وساطة بوتفليقة بين الإنكار في تونس والتلميح في الجزائر، بوتفليقة يسعى للتقريب بين الغنوشي وقائد السبسي”، في حين جعلت يوميّة “الصباح” مقالها، لليوم ذاته تحت عنوان “فرضها الفشل والوضع الإقليمي: هل مات الحوار الوطني سريريا في انتظار معجزة قد تأتي من وراء الحدود؟” إضافة إلى مقالات أخرى في الصحف الصادرة في تونس.
قلق “الذات” أم طغيان “الآخر”؟؟؟
في تجاوز للتباين الطبيعي للقراءات التونسيّة للدور الجزائري، سواء كانت وساطة أو وصاية، يمكن الجزم أنّ لا أحد من هذا المعنى أو ذاك جاء واضحًا بما يكفي، سواء على مستوى المعنى أو التأويل أو الإسقاط، أو حتّى المعاني الخفيّة أو التلميحات بجميع أصنافها، ليكون التراوح بين مسألتين على قدر كبير من الأهميّة: تفعيل هذا “الدور الجزائري” ضمن إعادة الترتيب الذي يصاحب إنشاء كلّ سلطة جديدة، سواء على مستوى العلاقات بين الأطراف.
النهضة ونداء تونس ضمن هذه الحالة، وكذلك ــ وهذا لا يقلّ أهميّة ـ إعادة تشكيل “الذات” (الوطنيّة) من خلال “تشخيص الطرف المقابل” دون الرغبة أو هي القدرة في تونس راهنًا على تحديد هذه “الذات” بمعزل عن وجود هذا “الآخر” حين ارتفعت وتيرة الخلافات بين الأطراف جميعها حدّا محا أو هو ألغى الرابط الجامع بين مكوّنات “الذات” التونسيّة، الذي أسّست له “الثورة” افتراضا، على اعتبارها في الآن ذاته مشروع هدم للنظام السابق وأساس النظام الجديد والقائم… غابت”الذات” الثائرة، ليكون السعي لتشكيل هذه “الذات” (المريضة والقلقة) من خلال “مرآة” “الآخر” (الجزائري) ضمن هذه الحالة.