هل سيؤدِّي التعديل الدستوري إلى إصلاح البرلمان؟
الدستور هو الوثيقة التأسيسية والمرجعية التي تحدِّد عمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهي الدرجة التي لا ترتقي إليها أيُّ وثيقةٍ أخرى في مجال إدارة شؤون الدولة والمجتمع. وكون الدستور وثيقة تأسيسية يعني أن كل القوانين والتشريعات الأساسية مستمَدَّة منه، وهو الذي يضع ويحدد آليات الرقابة على هذه القوانين والتشريعات حال ممارستها أو عرضها على المؤسسات الدستورية المخولة، ومنها المؤسسة التشريعية الممثلة في البرلمان بغرفتيه السفلى والعليا.
إن الدستور الجزائري المعدل يمنح البرلمان بغرفتيه -مع مراعاة درجة كل غرفة واختصاصاتها التشريعية- صلاحياتٍ تشريعية ورقابية محدَّدة بصفة إجمالية في الفصل الثاني في المادة 98: “يمارس السلطةَ التشريعية برلمانٌ يتكون من غرفتين، وهما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وله السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه”. وكذا في المادة 99: “يراقب البرلمان عمل الحكومة وفقا للشروط المحددة في المواد 80 و84 و133 و134 من الدستور، يمارس المجلس الشعبي الوطني الرقابة المنصوص عليها في المواد من 135 إلى 137 من الدستور”•
هناك صلاحيات حصرية مكفولة دستوريا للبرلمان تصل إلى حد مراقبة عمل الحكومة ومطالبة رئيس الجهاز التنفيذي بعرض حصيلة السياسة العامَّة للحكومة على البرلمان للمصادقة عليها، وهذه الصلاحيات لا تتأثر بطريقة التشريع بالأوامر في حالات مخصوصة ومحدودة، وهي حالة شغور المجلس الشعبي الوطني وحالة العُطل النيابية التي وردت في المادة 124 من الدستور والتي يؤخذ فيها برأي مجلس الدولة، والحالات الاستثنائية المتعلقة بالأوامر التنظيمية غير القانونية التي يتخذها مجلس الوزراء ويضطلع الوزير الأول بتطبيقها كما ورد في المادة 93 من الدستور.
يجب أن تعي هذه الأحزاب أن سياسة الكرسي الشاغر لا تخدمها لا من قريب ولا من بعيد، ولا يمكنها أن تحل مشكلتها مع أحزاب السلطة أو مع السلطة، إن قبول هذه الأحزاب بدخول البرلمان يفرض عليها الانتقال من المعارضة السياسية المفتوحة إلى المعارضة النيابية التي تتأتى داخل قبة البرلمان.
إذا كان الدستور يمنح البرلمان هذه الصلاحيات، فما هو تفسير رؤية بعض أحزاب المعارضة، سواء الممثلة في البرلمان أم غير الممثلة على الإطلاق، ومفادها أن البرلمان لا يمارس سلطته السيادية في إعداد القوانين واعتمادها بالصيغة التي ينص عليها الدستور؟ هل الخلل في عمل البرلمان في هذا الجانب تتحمله هذه الأحزاب؟ أم تتحمله الأحزاب مجتمعة؟ أم أن الأمر خارجٌ عن نطاق هذه الأحزاب جميعا وتتحمله الحكومة وبعض الذهنيات البرلمانية التي لا تتمتع بالثقافة النيابية المطلوبة التي تؤهِّلها لأداء وظيفتها النيابية على الوجه الأكمل الذي ينص عليه الدستور؟
الحقيقة أن الخلل يتحمّله الجميع، يتحمّله الجهازُ التنفيذي في حالة ثبوت تدخُّله في عمل المؤسَّسة التشريعية أو إعاقتها عن أداء مهامها الدستورية، وهذا أمرٌ لا يمكن الجزم به لأنه لم يثبت ولم يتقرر بالرغم مما يرد في تقارير بعض الأحزاب من إشارةٍ إلى تعطيل العمل بالمادة الدستورية القاضية بواجب رئيس الجهاز التنفيذي في عرض حصيلة السياسة العامة للحكومة على البرلمان، وهو في اعتقادنا واجبٌ متأخر وليس ممتنعا، وبالتالي لا يمكن عدّه خرقا للدستور بل إرجاء في التنفيذ لسبب من الأسباب، كما أن إخطار المجلس الدستوري عنه من قبل الأحزاب متاح بنص الدستور، وبالتالي فإن هذا يحمِّلها جزءا من مسؤولية الإخلال بعدم الإبلاغ عن هذه الحالة.
والخلل تتحمله أيضا الأحزاب السياسية التي تعلم أن الصلاحيات المحددة في الدستور يجب ممارستها بالطريقة السياسية وليس بالطريقة الإعلامية التي تعالج الخلل بخلل أكبر منه من خلال التعبئة الاجتماعية والدعوة إلى الانسحاب أو مقاطعة التصويت، إن هذه الأحزاب مطالبة بالتحلي بالرؤية السياسية المتَّزنة التي تقتضيها الممارسة النيابية التشاركية والمعارضة في إطارها النيابي والسياسي وعدم اللجوء إلى المعارضة من أجل المعارضة التي من شأنها أن تؤثر على العمل النيابي والسياسي تأثيرا سلبيا لا يخدم المؤسسة التشريعية ولا يخدم المصلحة الوطنية.
وهذا الخلل تتحمله أيضا بعض الذهنيات النيابية التي تفتقد إلى الثقافة النيابية المطلوبة التي تؤهِّلها لأداء مهامها النيابية وتجعل منها أداة ضغط فاعلة في فرض وجودها بطرق دستورية لا بطرق استعراضية.
إن الدستور المعدَّل في المادة 99 مكرر يمنح المعارضة السياسية داخل البرلمان حق المشاركة الفعلية في الأشغال البرلمانية وفي الحياة السياسية، ولاسيما منها: حرية الرأي والتعبير والاجتماع، الاستفادة من الإعانات المالية الممنوحة للمنتخبين في البرلمان، تمثيل مناسب في أجهزة غرفتي البرلمان، إخطار المجلس الدستوري طبقا لأحكام المادة 166 (الفقرتان 2 و3) من الدستور بخصوص القوانين التي صوَّت عليها البرلمان، المشاركة في الدبلوماسية البرلمانية.
هذه الحقوق التي يمنحها الدستور المعدَّل تقطع الشك باليقين بشأن موقع المعارضة في البرلمان وفي الخريطة السياسية بصفة عامة، ويبقى على المعارضة أن تُحسن الدفاع عن نفسها وممارسة حقوقها الدستورية باللجوء إلى الآليات الدستورية ومنها إخطار المجلس الدستوري بشأن كل القوانين التي تمّ التصويت عليها بدلا من اختيار بديل المقاطعة والممانعة والانسحاب الذي تتخذه في كل مرة والذي لا يمكن أن يكون حلا ناجعا لمشكلتها مع “أحزاب السلطة” كما تسمِّيها أو مع السلطة في بعض الأحيان.
يجب أن تعي هذه الأحزاب أن سياسة الكرسي الشاغر لا تخدمها لا من قريب ولا من بعيد، ولا يمكنها أن تحل مشكلتها مع أحزاب السلطة أو مع السلطة، إن قبول هذه الأحزاب بدخول البرلمان يفرض عليها الانتقال من المعارضة السياسية المفتوحة إلى المعارضة النيابية التي تتأتى داخل قبة البرلمان ووفق النظام والتنظيم الذي يحكمه ولا تتأتى خارج المؤسسة التشريعية.
من المسائل التي جاء بها الدستور المعدَّل لتحسين أداء البرلمان وجعله مؤسَّسة تشريعية فاعلة، ما نصَّت عليه المادة 100 من أن واجب البرلمان، في إطار اختصاصاته الدستورية، أن يبقى وفيا لثقة الشعب، ويظلّ يتحسّس تطلعاته، كما يلزم النائب أو عضو مجلس الأمة بالتفرغ كليا لممارسة عهدته، وفي حالة التخلي عن هذا الواجب أو الإخلال به أو الغياب عن أشغال اللجان وعن الجلسات العامة فإن ذلك يقع تحت طائلة العقوبات التي يتضمنها القانون الداخلي للبرلمان.
من المنتظر أن يحل هذا القانون ظاهرة سلبية متكرِّرة في البرلمان وهي الغياب شبه الجماعي عن الجلسات، والذي يعطي صورة سلبية عن عمل البرلماني الجزائري، في مقابل الاحتجاجات والإلحاح في المطالبة بتحسين الوضعيات المهنية والاجتماعية، إن الطبقة السياسية الممثلة في البرلمان يجب أن تفقه دورها وتُراجع سياستها في أداء مهامها داخل البرلمان، ومن ذلك فقه الموازنة بين الحقوق والواجبات لأنه هو السبيلُ لإصلاح المؤسسة التشريعية.