هل طُبّق “القرار 2797 ” وماذا سيقول المخزن لشعبه ؟
الآن، ونحن على أعتاب أكتوبر، الذي من المفترض أن يناقش في نهايته مجلس الأمن قضية الصحراء الغربية، يمكن أن نقول بالكثير من الثقة أن قرار السنة الماضية “رقم 2797” لم يُطبَّق، ويبدو جلياً أنه لن يُطبَّق. قبل كل شيء هو قرار يمكن وصفه بأنه غريب، مليء بالفجوات القانونية، وصياغته اللغوية ركيكة، وعامر بالتناقضات على مستوى المضمون.
لنترك هذا جانباً، ونذهب إلى العمق. القرار يقول إن مجلس الأمن يدعم الأمين العام ومبعوثه الشخصي لتسيير مفاوضات بين الطرفين (النقطة الثانية). لكن، للأسف، لم نرَ أي شيء من هذا. الذي رأيناه بدا غريباً -ليس نوعاً ما، إنما غريب جداً- أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي دعت الوفود إلى الاجتماع، وهي التي سيّرت اللقاءات والمفاوضات، ويمكن أن نقول، بكثير من الإصرار، إنها اختطفت القرار من يد الأمم المتحدة. فاللقاءات، في جلساتها الثلاث -21 يناير، و9 و24 فبراير- كان المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، هو متصدر المشهد، وهو قائد ألاوركسترا الفعلي وهو المُخرج والملحن وهو الذي نال الثناء.
والمستغرب أكثر أنه في القرار -يمكن مراجعته- لا يوجد ذكر للولايات المتحدة الأمريكية، لا في التسيير ولا حتى في حضور المفاوضات. تَصدر الولايات المتحدة الأمريكية للمشهد، وحضور ممثل عنها، اعتُبر أنها هي التي أشرفت على المفاوضات وهي التي نظمتها، بينما لم يتم ذكر للأمم المتحدة التي كان من المفترض أن تشرف على تطبيق القرار السالف الذكر، وتنظم المفاوضات.
صحيح، حضر مبعوث الأمين العام الشخصي الجلسات، لكن حضوره كان كالغياب أو يمكن القول أنه كان ظلا للمبعوث الأمريكي. ونتيجة ما حدث تطرح السؤال التالي: هل حضور ممثل الولايات المتحدة الأمريكية للمفاوضات وإشرافه عليها يُعتبر خرقاً للقرار؟ وكيف تسمح الأمم المتحدة، إذا كانت لا تزال موجودة، أن تتدخل الولايات المتحدة وتشرف على تطبيق القرار؟
ماذا سيكتب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره القادم إلى مجلس الأمن؟ هل يقول إن هيئته هي التي أشرفت على المفاوضات، أم يقول لهم إن الولايات المتحدة الأمريكية هي من تولت ذلك؟
المشكلة أن حتى دعوة الولايات المتحدة للمفاوضات، وحضورها وإشرافها عليها، لم يحل المشكلة، ولم يُسهّل تطبيق القرار. بالإضافة إلى أن القرار غير قابل للتطبيق بسبب كثرة تناقضاته الموجودة في النقطتين الثانية والثالثة منه (الحكم الذاتي، تقرير المصير، قبول الأطراف، حل متوافق عليه)، لم تتوفر كذلك في الولايات المتحدة شروط الوساطة الحيادية بسبب دعمها للحكم الذاتي، الذي يعتبر خارج إطار الشرعية الدولية.
أطراف الصراع والقرار
بالنسبة للطرف المغربي، اعتبر القرار نصراً نهائياً وطياً لملف استمر أكثر من خمسين سنة. احتفل المخزن بالقرار في ساحة “جامع الفنا”، وضُربت الطبول، ورقصت الأفاعي، وألقى الملك خطاباً يهلل فيه للنصر، واعتبر يوم صدور القرار -31 أكتوبر- عيداً وطنياً للوحدة.
الآن، ماذا سيقول المخزن لشعبه بعد ما حدث؟ الشعور العام المغربي أنهم خُدعوا، وأن لا شيء تحقق، وأن القرار لم يحل المشكلة، ولم يُطبَّق، وأن ما قام به ملكهم هو مسرحية تراجيدية. والخطأ في الفهم المغربي، عموماً، هو الاعتقاد أن القرار، بما أن الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب هي التي اقترحته وكتبته وقدمته، فقد قُضي الأمر وسيتم فرضه على الشعب الصحراوي.
وعمّق ممثل ترامب إلى إفريقيا والعالم العربي، مسعد بولس، الذي أشرف على المفاوضات، الأزمة المغربية عندما قال مؤخراً لقناة “فرانس 24″، في نسختها الإنكليزية، يوم 25 سبتمبر 2026م: “في الوقت الراهن، لا يوجد لدينا حل وشيك يمكننا أن نلمسه أو نستشعره”.
هذه الجملة تختصر الكثير؛ تقول للمغرب أن عليه أن لا يخلد هذه السنة الذكرى الأولى لعيد “الوحدة الوطنية” لإن المسرحية فشلت، وتقول لمجلس الأمن إن عليه أن يفكر من الآن -شهراً قبل اجتماعه- فيما عليه أن يفعل، لأن قضية الصحراء الغربية ستعود إليه ليناقشها من جديد. والرسالة الأخرى المهمة من هذا التصريح، أو حصراً من الجملة التي ذكرنا، أن مساعي الولايات المتحدة لم تنجح رغم التهليل لها منذ البداية.
بالنسبة لجبهة البوليساريو، نلاحظ أنها لم ترفض قرار مجلس الأمن 2797، رغم التعسف الحاصل فيه، ولم تنتقده بحدة. تنظر جبهة البوليساريو إلى القرار على أنه حقق لها نصراً كبيراً. فمن جهة، حافظ- في أسوأ قرارات مجلس الأمن- على الصفة القانونية للقضية، وهي تقرير المصير. ومن جهة أخرى، وهذا أيضاً مهم، أن القرار فرض على المغرب أن يقدم خطة الحكم الذاتي التي ظل ينمقها ويزوقها على مدى خمس عشرة سنة.
إن تقديم خطة الحكم الذاتي المنقحة والمنمقة إلى الأمم المتحدة، ورفض مجلس الأمن لها كحل وحيد، وربط تطبيقها بتقرير المصير، وبالمفاوضات حولها، وبقبول جبهة البوليساريو لها، يعني أنها-الخطة- فشلت، وأنها غير قانونية وغير قابلة للتطبيق.
بالنسبة للبوليساريو، لم يعد هناك أي مبرر للحديث عن الحكم الذاتي بعد رفض مجلس الأمن له في قرار 2797 كحل وحيد ومقبول. الآن، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن، الذي سيكون وضعه صعباً جداً غداة معالجة قضية الصحراء الغربية في أكتوبر القادم. هل سيسحب بعثة المينورسو من الصحراء الغربية؟ هل سيعود إلى مسلسل المفاوضات العقيمة من جديد؟ هل سيعود إلى جادة الصواب ويستعيد مصداقيته ويعود إلى الشرعية الدولية؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.