الرأي

هل نحن شعبٌ يكره العمل؟!

حسين لقرع
  • 3559
  • 16

في خضمِّ الإضرابات المفتوحة التي تشلّ قطاعيْ الصحة والتربية، كشفت وزارة العمل ضياع 117 ألف يوم عمل في سنة 2017 وحدها بفعل شنّ 112 إضراباً، منها 66 في القطاع الاقتصادي و32 في القطاع الخاص و14 في الإدارة العمومية، وكانت الوزارة نفسها قد كشفت منذ أشهر أنّ العطل المرضية أضاعت نحو 20 ألف يوم عمل في 2016، ولا جدال في أن أغلبَها مزيّف، ويكفي لأيّ عامل أن يعرف طبيبا لا ضمير له ليحرّر له شهادة طبِّية “تُثبت” مرضه و”عجزه عن العمل” ولو كان بصحةٍ جيّدة!

إزاء هذه الوضعية غير الطبيعية في بلدٍ يحتاج إلى كل يومٍ، بل إلى كل دقيقةٍ وثانية من العمل للخروج من تخلّفه المُزمن، يجدر بكل مواطن أن يطرح هذا السؤال: هل يكره الجزائريون العمل بطبعهم؟ 

مبدئياً، لا يكره الجزائريون العمل بطبعهم، ولعلّ والمناخ المعتدل للبلاد يساعد على العمل أكثر من الكسل والتراخي كما يحدث في البلدان الحارَّة، وقد كانت الجزائر تصدِّر القمح في العهد العثماني إلى أوروبا بفضل نشاط سكانها، لكن النظام الريعي الذي قامت عليه البلاد بعد الاستقلال علّم الجزائريين الميل إلى الكسل والبحث عن المال بأقلِّ جهد والميل إلى الاستهلاك وعدم تقديس العمل والإنتاج، وهذه من خلال الاعتماد المفرط على تصدير النفط واستغلال عائداته لاستيراد مختلف السلع التي أنتجتها شعوب العالم بكدّها وعملها، وهو عيبٌ تعاني منه كل شعوب الدول النفطية. 

بمرور الوقت، قلّت قيمة العمل المنتِج عند الجزائريين وطغى عليهم الميلُ إلى الاستهلاك المفرط والرغبة في العيش على الطريقة الأوروبية وإن لم يشتغلوا كالأوروبيين، وأضحى الجميع يريد فتحَ مؤسسات مصغّرة بقروض بنكية تتيح له العيش برفاهية، أو العملَ بأجور عالية مقابل أقلّ جهد، والكثيرُ منهم يرفض العمل في المزارع وورشات البناء ويتركها للأفارقة والأجانب وينتظر مناصب مريحة بأجور أعلى ولو تطلّب انتظارُها البقاء بطالين سنواتٍ عديدة.. 

حتى على المستوى الشعبي، يردّد الجزائريون كثيرا الأمثال الشعبية التي تحثّ على الكسل والتراخي والميل إلى الراحة وتضييع الوقت، ولا يردّدون الأمثال التي تحثّ على العمل وبذل الجهد والقناعة بالقليل من الرزق، فشاع مثلُ “كل عطلة فيها خير”، بينما كاد مثَل “أخدم بدورو وحاسب البطال” يُنسى بسبب ندرة تداوله على الألسنة!

في اليابان يمارس العمال احتجاجاتِهم باللجوء إلى زيادة الإنتاج، وفي الغرب تقدِّس الشعوبُ والحكام معاً العملَ وتحترم مواقيته بدقّة إلى درجة أن وسائل الإعلام العالمية تناقلت منذ أيام قليلة بكثير من الذهول والإعجاب خبر استقالة وزيرٍ بريطاني لأنه تأخَّر 60 ثانية فقط عن اجتماع “مجلس اللوردات”، أما نحن فنضيّع 117 ألف عمل بأكمله في سنةٍ واحدة بسبب إضراباتنا المفتوحة التي لا تنتهي، و20 ألف يوم عمل بسبب عُطلنا المَرضية المزيّفة، ونتأخر عن العمل يوميا بذريعة الاكتظاظ المروري وغيرها، وتحوّل هروبنا الجماعي من مقارِّ العمل قبل انقضاء الأوقات الرسمية الصباحية والمسائية إلى “عادةٍ يومية” نمارسها بلا خجل أو شعور بالحرج، فضلا عن قلة الجهد وتغييب فريضة إتقان العمل، ومع ذلك كله نطمع في أن نتطوَّر ونلحق بالركب الحضاري وننافس الدول المتقدّمة!

مقالات ذات صلة