-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل نعتذر لكم أيضا عن ثورة أوّل نوفمبر؟

حسين لقرع
  • 1163
  • 3
هل نعتذر لكم أيضا عن ثورة أوّل نوفمبر؟

يبدو أنَّ الكثير من الفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر خلال المراحل الأخيرة للاحتلال، وكانوا معمِّرين أو جنودا حاربوا الثورة، لم يتقبّلوا إلى الآن فكرة استقلال الجزائر عن فرنسا، وضياع الفردوس الجزائري بعد قرن وثُلث قرن من الاستعمار، ولا زالوا ينظرون إلى الجزائريين بنظرتهم القديمة المليئة بالاستعلاء والاحتقار، فهم لا يكتفون بالضغط على حكومتهم لدفعها إلى رفض الاعتراف بجرائم الاستعمار، والاعتذار عنها، بل أصبحوا لا يخجلون من مطالبة الجزائر بأن “تشكر فرنسا على ما تركته من انجازات في الجزائر بدل البصق عليها كلّ يوم ومطالبتها بالاعتذار” كما قال المدعو جيرار تاردي، عميدُ رؤساء بلديات فرنسا، وأحدُ قدماء المحاربين!

صحيحٌ أنّ فرنسا تركت بعد دحرها من الجزائر في 1962 بنية تحتية متقدّمة، لكنّها شيّدتها للمعمِّرين الفرنسيين والأوروبيين أساسا بنيّة الخلودِ فيها باعتبارها “جزءا لا يتجزّأ من فرنسا”؛ أي أنها كانت تتصرّف بمنطق الاحتلال الاستيطاني الذي يريد البقاء في الجزائر إلى الأبد، وكانت فرنسا تعتقد بعد إخماد كل الثورات الشعبية في القرن التاسع عشر، أنّ قوتها العسكرية ستُحقق لها الخلود في الجزائر، فقامت بتعميرها لتوفير رغد العيش لمليون معمِّر، في حين كان الجزائريون غارقين في البؤس والتخلّف والجهل، ولو استطاعت فرنسا بعد الاستقلال نقلَ “انجازاتها” من مبان وبنيةٍ تحتية حتى لا يغنمها الجزائريون ولا يستفيدوا منها، لما تردّدت لحظة واحدة.

ومع ذلك، ماذا تساوي المباني الفرنسية وبنيتُها التحتية عموما، أمام ملايين الشهداء الذين قتلتهم فرنسا طيلة 132 سنة من الاستعمار، وأمام ملايين اليتامى والأرامل والجرحى والمصدومين والمتضرِّرين بشتى الأشكال من همجية جيش الاحتلال؟

وما هي قيمتُها مقارنة بحجم ما نهبته فرنسا من ثروات الجزائر وخيراتها ومناجمها واستغلال أراضيها الفلاحية لتصدير القمح والخمور ومنتجات زراعية أخرى إلى أوروبا خلال قرن وثُلث قرن؟ وماذا تساوي مقابل هذه الفترة الطويلة من معاناة ملايين الجزائريين من القتل والتعذيب الممنهج والتشريد ونزع الأراضي والتفقير والنفي والاستعباد والإذلال، فضلا عن محاربة دينهم وحظر تعليم لغتهم العربية وتجهيلهم ومحاولة طمس هويتهم…؟

لو نُصِّبت لجنةٌ لإحصاء جرائم فرنسا جميعا لما أنهت عملها في سنوات، وآثارُ هذه الجرائم مستمرّة إلى الآن، ومنها بترُ أعضاء مئات الجزائريين بفعل انفجار الكثير من الألغام التي خلّفها الاستعمارُ في مناطقنا الحدودية مع المغرب وتونس، وكذا مخلّفات إشعاعات التجارب النووية التي لا تزال تنشر السرطان والتشوُّهات الخلقية والعقم والأمراض الجلدية في جنوب البلاد، أبعد كلِّ هذا تريدون أن نشكركم على ما بنيتموه لمعمِّريكم بِنيّة الخلود في بلادنا؟!

ما صرّح به هذا المسؤولُ الفرنسي يعبّر عن حالة الهوان التي بلغناها بعدم حزمنا في مطالبة فرنسا بالاعتراف بجرائمها والاعتذار والتعويض عنها، في كلّ مرة تخطو فيها البلادٌ خطوة إلى الأمام بهذا الصدد، تعود القهقرى خطوتين.. ليس هناك حزمٌ ولا متابعة جدّية للموضوع، ولا تصوّرٌ واضح لكيفية الضغط على فرنسا لإجبارها على الاعتراف والاعتذار، حتى مقترح القانون الذي أعدّه بعض النواب منذ سنوات لتجريم الاستعمار، يُستظهَر أحيانا بعض الوقت للضغط على فرنسا بشأن ملفٍّ ما، ثم يختفي في كلّ مرة في ظروفٍ غامضة. ثم، انظروا فقط إلى المكانة المميّزة التي لا تزال اللغةُ الفرنسية تحظى بها في بلادنا بعد مرور 59 سنة كاملة على الاستقلال، وكيف يصرُّ بعضُ المسؤولين على مخاطبة الشعب بها، لتعرفوا أنّ ما أظهره هذا المسؤولُ الفرنسي من تبجُّحٍ واستعلاءٍ واحتقار لنا وهو يحدِّثنا عن “انجازات” فرنسا طيلة 132 من الاحتلال، ناجمٌ في الواقع عن هواننا وتصاغرنا وتبعيتنا، وإذا استمرّ هذا الهوان فلا نستبعد يوما أن يدعونا هذا المسؤول المتعجرِف أو غيرُه إلى تقديم اعتذار صريح لفرنسا عن ثورة أول نوفمبر 1954 التي طردتها من الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • م/ب اولاد براهيم

    و الله انني كمواطن جزائري انتمي الى الاسرة الثورية عشت الثورة التحريرية في مرحلتها الاخيرة , عشت المحتشدات تحت اسماء مستعارة وادي رحمه الله كان مناضلا ثم مجاهدا في ج ت و . تولد لدي هذا الكره للدولة الاستدمارية ( لا للشعب الفرنسي.) نتيجة المجازر التي اقترفها عساكرها ضد نا. ولم يسلم منها لا الحجر. ولا الشحر. ولا البهائم الرتع. ولهذا أكون اشد فرحا؛ وابتهاجا لما تنقدنا فرنسا الاستدمارية او احدى وسائل اعلامها.. فتختلط علي الامور . هل أقول لفرنسا الاستدمارية , شكرا أكثري ونوعي نقدك للجزائر حتى تتسع الهوة ويقع التباعد ؛ وتزداد الفجوة في الاتساع ..؟ ام أقول لحكام بلدي أكثروا من الاخطاء حتى تنقدكم فرنسا واذا نتقدكم اعلمو النكم في الطريق الصحيح ..؟

  • بن طالب

    المؤرخين الجزائريين متواطئون مع الاستعمار الفرنسي الي يومنا هذا المؤرخين الجزائريين ساكتون صامتون لا تهمهم مجازر ولا جرائم فرنسا بالجزائر المؤرخون لم يكونوا جمعية وطنية لمطالبة فرنسا بالاعتراف والاعتذار رسميا عن جرائمها بالجزائر . المؤرخين الجزائرين يملكون مصالح بفرنسا هم وعائلاتهم لهطذاا لا يريدون الخوض في هذه اللعبة

  • حقيقة مرة

    الاعتذار يجب أن يكون لهذه الأرض التي تبكي الدماء بعد الدموع لما ارتكبناه في حقها من جرائم و دمار وخراب .... الى درجة أن الجزائري مستعد للهجرة والهروب وحتى لو كان ذلك مغامرة مجهولة العواقب عبر قوارب الموت .