الرأي

هل نملك أحلاما؟

التهامي مجوري
  • 4682
  • 0

لا شك أن للإنسان أن يحلم بكل شيء، لأن الأحلام في ذاتها لا تمثل شيئا في واقع الناس المرئي، غير الصورة الذهنية التي تسكن رأس صاحبها: إنسان يحلم أن يكون طبيبا، أو يكون رئيسا، وشعب مستعمر يريد أن يصبح حرا، وفقير يريد أن يصبح غنيا…إلخ، وهذه الحالة يسهل تحقيقها وميسورة لكل من يطلبها، ولكن التعلق بها هو الذي يصنع العجائب، والعالم اليوم توصل إلى أن الأعمال الكبيرة في جذورها كانت أحلاما ذات يوم، فتحولت بفضل تنمية أصحابها لها إلى أعمال كبرى.

هذه الحقيقة لا نراها شيئا بكل أسف في حياتنا؛ لأننا نعتقد أن مقدمات النتائج هي ما نعده من إمكانات مادية وبشرية، وليس فيما نملك من طاقات كامنة في نفوسنا، بينما العالم يضغط علينا لأن يحرمنا من أهمية تلك الإمكانات التي يعرف أهميتها في تحرير الهمم العالية والطاقات الكامنة، واستقلال الشعوب، فيحرمنا من مجرد الأحلام.

عندما تكلم الأستاذ الدكتور سليم قلالة في محاضرته بالجامعة الصيفية الرابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حول التحديات التي تواجه الجمعية خلال السنوات المقبلة، عن تقرير توقع فيه “صندوق النقد الدولي عن إمكانية ارتقاء الجزائر في سنة 2030 إلى المرتبة 20 ضمن دول العالم المصنعة، انطلاقا من الناتج الوطني الخام، المحسوب على أساس تعادل القدرة الشرائية”، ولم يبد اعتراضا على هذا التوقع، وإنما حاول استثماره كحقيقة راجحة الاحتمال، فأثار الموضوع الكثير من التساؤلات، مما اضطره إلى العودة للكتابة عن الموضوع في الشروق، ليوضح ما أراد قوله، وأنا في الحقيقة لم أحضر المحاضرة، وإنما قرأت  موضوعه في الشروق، ففهمت ما يريد وتخيلت ما قاله في المحاضرة، وقد صدق تخيلي بعد ذلك عندما التقيت بعض الذين حضروا المحاضرة ونقلوا إلي المشهد.

ورد الفعل أو المشكلة في تقديري لم تكن في الموضوع ومعالجته، أقصد موضوع المحاضرة، وإنما كانت على صدقية المعلومة التي تضمنت توقع صندوق النقد الدولي، فاعتبر المعقبون ذلك بمثابة التزكية للنظام الجزائري، الذي أثبت عجزه في الكثير من المشاريع، أو هو تبرير لفشل الإدارة الجزائرية في التسيير، في حين أن سوء الظن في المعلومة ليس هو الحل، وإنما لا بد من نقدها أولا، وتحرير الصحيح منها، ثم الانتقال إلى الموقف من النتائج المتوصل إليها.

أما الأستاذ سليم في تقديري قد فصل بين قبوله للمعلومة وموقفه منها، أما قبوله للمعلومة فهو تقرير علمي صادر عن مؤسسة دولية لا يليق رفضه إلا بمستندات علمية، والمستندات العلمية كلها تشهد بصحته؛ لأن إمكانيات الجزائر كبيرة جدا تؤهلها لذلك وأكثر، بقطع النظر عن تأثيرات الفاسدين في النظام ومفسديه، بدليل أن مستوى الفساد الذي بلغته البلاد يسقط دولا، ومع ذلك لا تزال مؤهلة للإقلاع؛ لأن حركة نمو المجتمع وإمكاناته لا تستند إلى مؤسسات السلطة وحسب، وإنما تستمد قوتها من جميع الطاقات الظاهرة والكامنة في المجتمع، كالثروات الطبيعية، وعدد السكان ونسبة الشباب فيه، ونسبة التقنيين منه والعلماء، والمساحات الزراعية والسياحية وهي في البلاد كثيرة ومتنوعة، وفرص العمل والمشاريع الاستثمارية المتوقعة، والموقع الجغرافي ومدى أهميته في السوق العالمية…إلخ.

يبدو لي أن الأستاذ سليم وضع في رأسه جميع هذه الأمور وركز على استثمار المعلومة أكثر من انشغاله بصدقيتها، بوصفه رجل مناضل ويؤمن بهذه الإمكانات الكامنة في المجتمع، فعرض الفكرة –وهي حلم كل جزائري- في شكل أنها صحيحة وقابلة للتحقيق، وذلك ليس لأن طبيعة النظام القائم هي التي ستحقق هذه القفزة إلى مصاف الدول العشرين، وإنما لأن الشعب بقدراته وإمكانات قادر على تحقيق ذلك التوقع، الذي جاء به تقرير صندوق النقد الدولي.

تماما مثلما يحلم أبناء جمعية العلماء بالشعار الذي اختاروه لجامعتهم الصيفية الرابعة، شعار أقل ما يقال فيه أن الجمعية غير مهيئة لذلك،”شباب متميز لجمعية رائدة رجاء 2031″، بما هي عليه الآن، ولكنه غير مستحيل ولا مستبعد، فهو رجاء وحلم ممكن التحقق، رغم أنه غير موجود بالقدر الكافي في صفوف شباب الجمعية اليوم، فالإمكانات والإرادات موجودة وقدر من العلم متوفر، ولكن الذي ينقص هو الطموح والأحلام، لا تزال غير متوفرة بالقدر الذي يمكن الناس من القفزات الرائدة، وذلك ما تعمل قيادة الجمعية على تحقيقه بوضع الرؤية وشرحها وإشاعة وجوب النهوض بالمجتمع..إلخ.         

والذي استحضره الأخ سليم في محاضرته وغاب عن منتقديه في اعتقادي هو هذا المفصل، وهو الطموح والأحلام التي هي نقطة كل انطلاق لتحقيق الفعل، فهو كمناضل يهمه توظيف وتثمين كل ما يعرض من إيجابيات في المجتمع؛ لأنه يمثل الأمل ويطرد اليأس الذي فرضته الطبقة السياسية الفاشلة الفاسدة، ويريد أن يعطي لكل من يقرأ له أو يسمع منه جرعة من الأمل؛ لأن المناضل الذي لا يؤمن بقدرات شعبه ولا يثق في إمكاناته لا خير فيه، على خلاف من انتقدوه، فقد هيمنت عليهم مفاسد الواقع، وألقت عليهم بثقلها، فاستجابوا لنداء اليأس الذي يُسَوِّقه المفسدون في المجتمعات، على حساب التفاؤل والعزم والتوكل على الله، ثم على الحراك الاجتماعي الذي يصنع العجائب في المجتمعات.

فمبدأ الإستقلال في الجزائر في العشرينات مثلا كان حلما، ولم يكن في الواقع ما يسنده، لا إمكانيات مادية ولا بشرية ولا علمية؛ بل لا يوجد في نفوس الجزائريين إلا الحلم والشعار الذي كان “يمثل الجنون” يومها، ومع ذلك اندلعت ثورة ولا تملك من القوة غير “الشعار والحلم”، وتحقق الاستقلال.. ألا توجد قوة استعمارية ضاغطة؟ ألا يوجد خونة؟ ألا يوجد مثبطون؟ كل ذلك كان موجودا، ولكن الإرادة الشعبية والإيمان بالقضية كان أقوى فحقق النصر.

صحيح أن لكل عمل جاد ترجى ثماره في الواقع، في جميع المجالات الخاصة والعامة، لا بد له من قدر لا بأس من العلم والقدرة والإرادة، فالعلم لضمان صحة الفكرة أو القاعدة التي يبنى عليها العمل، والقدرة هي التي تمثل الاستطاعة والإمكانات التي بها يتحقق الفعل المراد تحقيقه، والإرادة أقلها الشعور بانتفاء الموانع من إقامة افعل، وأعلاها الدافعية التي هي النفسية التي تسكن الإنسان المتشوق لإقامة فعل ما، تدفع به لتحقيقه، هكذا فهمت تمازج هذه الثلاثية –العلم، القدرة، الإرادة- في حركية الإنسان في اهتماماته الخاصة والعامة، وأنا أتصور الجدل الذي وقع بين الأستاذ سليم والمعقبين على محاضرته.

هذه الثلاثية في أصولها على مستوى الأفراد تمثل غريزة حب البقاء لدى الإنسان، وتفرض عليه قدرا من تلك الثلاثية يحقق بها غريزته، وينفي بها العجز الذي يقف دون تحقيقه ما يريد في هذه الحياة، أما على مستوى الجماعة فإن الأمر لا يقف عند غريزة حب بقاء الفرد أو النوع الإنساني فحسب، وإنما يتطلب أقدارا أرفع من العلم والقدرة والإرادة؛ لأن المطلوب هو تحقيق مصالح الجماعة العاجلة والآجلة التي أطلقنا عليها لفظ “العمل الجاد”؛ لأن الأمر يتعلق بالشأن العام وليس بشأن الأفراد فحسب.

وللانتقال من القدر البسيط من العلم والقدرة والإرادة الذي تفرضه غريزة حب البقاء، وهو مربط الفرص الذي تدندن حوله جميع حركات الإصلاح، إلى العمل الجاد الذي يحقق مصلحة الجماعة ويرتقي بها إلى المصاف العليا في الرقي والتحضر والرفاه، لا بد من شيء آخر وهو الحلم والطموح والأمنية…

فالخطوة الأولى إذا هي الأحلام والطموحات والأماني التي ينبغي أن تستبد بالإنسان قبل توفر الأسباب الموضوعية في واقع الناس، وإذا غاب هذا المطلب لم يمكن أن نتكلم عن إصلاح وارتقاء وإنما سنكون جزءا من الأشياء التي من حولنا يغيرنا الأقوياء في الواقع كما يريدون لأننا لا نشعر برساليتنا لا ولا بإنسانيتنا كما أٍرادها الله فينا. 

مقالات ذات صلة