الرأي

هل يتكرّر سيناريو الحوثيين في لبنان؟

حسين لقرع
  • 126
  • 0

الآن وقد شرع لبنان في مفاوضات مباشرة بواشنطن مع الكيان الصهيوني، برعاية أمريكية، ومن دون أن تكون لديه أيّ ورقة ضغط، لم يعد هناك أدنى شكّ في أنّه سيعترف في غضون أسابيع أو أشهر قليلة بما يسمّى “دولة إسرائيل”، وينضمّ إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” التي دشّنتها الإمارات والبحرين والمغرب في أواخر 2020، وهذا مقابل “وعد” يقدّمه الاحتلال بالانسحاب من “الشريط الأمني” جنوب لبنان فور تحقّق شرط تجريد “حزب الله” من سلاحه.
تصريحات المسؤولين الصهاينة جميعا، وفي مقدّمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تؤكّد أنّ المفاوضات المباشرة التي شرع فيها الكيان ولبنان منذ أسبوع بواشنطن وتعقد جولتها الثانية غدا الخميس، ترمي إلى تجسيد هدفين: تحقيق “سلام” دائم مع لبنان ونزع سلاح “حزب الله”، ما يعني أنّ كلّ ما يهمّ الجانب الصهيوني من هذه المفاوضات هو الحصول على اعتراف ثامن دولة عربية به، بعد كلّ من مصر والسلطة الفلسطينية والأردن والإمارات والمغرب والبحرين والسودان، وكذا توريط الجانب اللبناني في الصّدام المباشر مع “حزب الله” بغرض نزع سلاحه.
الرئيس اللبناني جوزيف عون قدّم في 9 مارس الماضي مبادرة من عدة نقاط أبرزها دعوة الحلفاء الغربيين إلى تقديم دعم لوجيستي للجيش لحصر السلاح بيده وتجريد “حزب الله” من سلاحه، وهذه الدعوة تنطوي على خطر كبير؛ إذ قد تقدم الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أخرى على تسليحه وتدريبه وتأهيله خصّيصا للصّدام مع الحزب قصد نزع سلاحه بالقوة، تماما مثلما فعلته أمريكا مع السلطة الفلسطينية منذ نحو 20 سنة؛ إذ سلّحت 60 ألف من عناصر الأمن الفلسطيني ودرّبتهم في الأردن للقضاء على المقاومة بالضفة الغربية باسم “التنسيق الأمني”، وهو ما تحقّق إلى حدّ كبير هناك، لكنّ السلطة الفلسطينية لم تحصل على أيّ مقابل، ولا يزال الاحتلال يمعن في تهميشها وإذلالها واستباحة الضفة الغربية كل يوم ويرفض إقامة دولة فلسطينية ولو كانت منزوعة السلاح.
هذا السّيناريو الذي تحضّر له السلطات اللبنانية وتتحمّس له أمريكا وفرنسا، قد يعرّض لبنان لخطر الدخول في حرب أهلية طاحنة، لأنّ “حزب الله” لن يكون لقمة سائغة للجيش اللبناني أو لغيره، وقد أثبت خلال الحرب الأخيرة (2 مارس- 16 أفريل) أنّه تعافى من حرب الـ14 شهرا (8 أكتوبر 2023- 27 نوفمبر 2024)، وتمكّن من استعادة معظم قدراته، واتّضح ذلك جليا من خلال الضربات النوعية التي كان يكيلها لمستوطنات الاحتلال طيلة 49 يوما من الحرب بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلا عن التصدّي بنجاح لغزوه البري والوقوف أمام 100 ألف جندي صهيوني وإلحاق خسائر كبيرة بشرية ومادية بالاحتلال.
ومن هنا، فإنّه يخشى أن تورّط الحكومة اللبنانية الجيش في حرب خاسرة مع “حزب الله”، ولمصلحة العدو الصهيوني بالدرجة الأولى، وهي حرب ستضعف لبنان أكثر، وتفاقم أزماته، وتعمِق العداوات بين مختلف مكوّناته العرقية، وقد تقضي على أيّ إمكانية للتعايش وتدفع الحزب إلى السيطرة على الحكم وتكرار أنموذج الحوثيين في لبنان.
لبنان يسير إذن نحو فخّ صهيوني، أمريكي محكم وهو مفتوح العينين، فمفاوضاته المباشرة مع الاحتلال بواشنطن، لن تؤدّي إلا إلى الانضمام إلى معسكر الهرولة والانبطاح للعدوّ، وبالمقابل، سيطالبه الاحتلال بنزع سلاح “حزب الله” كشرط رئيس للانسحاب مما سمّاه “الشريط الأمني” بجنوب لبنان، وبداهة أنّ الجيش اللبناني لن يتمكّن من تحقيق ما عجز عنه العدوّ الصهيوني الذي يمتلك قوة عسكرية هائلة، وقد يورّط في حرب أهلية عبثية تدمّر لبنان، في حين يبقى العدوّ في “الشريط الأمني” بالجنوب متذرّعا بأنّ لبنان لم ينجز من جانبه ما هو مطلوب منه، وهو “مضطرّ” للبقاء هناك للدفاع عن مستوطنات الشمال… وهذا يعني بوضوح أنّ الحكومة اللبنانية ستطبّع مجانا، ثم تتحوّل إلى سلطة وظيفية تشبه سلطة رام الله بالضفة الغربية.
المفارقة أنّ المفاوضات المباشرة للبنان مع الاحتلال ورغبته الشديدة في نزع سلاح “حزب الله”، تأتي بعد أشهر قليلة من تصريح نتنياهو بتطلّعه إلى تحقيق “إسرائيل الكبرى”، وكذا تصريح هاكابي، سفير أمريكا بتل أبيب، منذ شهرين فقط، بأنه “سيكون من الجيّد لإسرائيل التهام أراضي عدد من الدول العربية لإقامة إسرائيل الكبرى”، ومع ذلك، يريد لبنان نزع سلاح “حزب الله” الذي حرّر البلاد في ماي 2000، وهزم الاحتلال في حرب تموز 2006، وكأنه يريد تمهيد الطريق للاحتلال لابتلاعه لاحقا بكل سهولة في خطوة لتحقيق “إسرائيل الكبرى” بدل أن يتحالف مع الحزب لصدّ هذا الخطر الداهم. ونأمل أن تغلّب السلطات اللبنانية صوت الحكمة والعقل وتتراجع عن هذا المسار الانتحاري قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة