الجزائر
أحزاب ستغير ولاءاتها وشخصيات قد يجرفها طوفان التطهير

هل يتمخّض رحيل توفيق عن ميلاد خارطة سياسية جديدة..؟

الشروق أونلاين
  • 15986
  • 0
ح.م

تشكلت غالبية مكونات الطبقة السياسية الجزائرية الحالية في سياق الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد مطلع التسعينات، ما جعل كبريات الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني على علاقة تماسّ بالأجهزة الأمنية ورجالات النفوذ في الحكم، سواء في الجيش أو الرئاسة، ولا زالت الآثار والترسبات العميقة لتلك السوابق تتفاعل في مختلف الاستحقاقات الحاسمة، لتبرز في شكل مواقف واصطفافات للموالاة والمعارضة، مع هذا الفريق أو ضد تلك المجموعة، وفق الارتباطات السياسية لكلّ تشكيلة، وحتى المصالح الضيّقة لأشخاصها.

اليوم وبرحيل الرجل الأول في جهاز الاستخبارات الفريق توفيق، لا شكّ أنّ معالم الخريطة السياسية في الجزائر ستشهد تغييرات مهمّة، ستعدّل من صورتها العامة، وقد ترسم منها مشهدا مغايرا تماما لما عاشته البلاد منذ ربع قرن، وهي المدة الطويلة التي مكثها محمد مدين على رأس المؤسسة الأمنية، حتى صار “شبحًا” تنسب له كلّ  التحوّلات والقرارات و“الأساطير“، وأهم دور مصيري اضطلع به رفقة الصقور العسكرية، هو صناعة الرؤساء في الجزائر، والحسم في الخيارات الوطنية الكبرى، مثلما يتردّد في الكواليس ودوائر التحليل السياسي داخليا وخارجيا، ومثل هذا النفوذ كان يتطلب نسج شبكة أخطبوطية من العلاقات والتدخلات، لبناء جبهات مدنية للنصرة الجماهيرية، وأبواق للترويج السياسي والإعلامي، تحتلّ الواجهة وتخوض “المعارك” نيابة عن “أهل الظلّ“.

وعلى خلفية ذلك، ذهب بعض المراقبين إلى إدراج الحراك السياسي الرافض للعهدة الرابعة للرئيس، أو على الأقل قطاع واسع منه، ضمن مؤشرات الصراع والتوظيف بين أجنحة السلطة، على أساس أن وجوها كثيرة وأحزابا لا تحسب في الأصل على معارضة النظام، بل هي تقف فقط ضد استمرارية عبد العزيز بوتفليقة في قصر المرادية، فماذا سيكون مصير هؤلاء، ومعهم الكثير  من المحسوبين على الفريق توفيق منذ سنوات، بعد إحالة الأخير على التقاعد؟.

لا شكّ أنّ العلاقة بجهاز الأمن في أي دولة من العالم ليس تهمة، بل إنّ الدفاع عن مؤسسات الدولة كيفما كانت صفتها، هو من صميم المسؤولية الوطنية، لكن في العالم الثالث يحدث التداخل والتشابك بين الأفراد والهيئات، وتصبح الارتباطات أحيانا شخصية ومصلحية، أكثر منها  تواصل في إطار الصالح العام، ما يعني مستقبلا، وبعد “سقوط وليّ النعمة“، أنّ الكثير سيترجّل في منتصف الطريق، والبعض الآخر سيلتزم الصمت إلى إشعار آخر، ولن تجد فئة ثالثة، من أصحاب الوجوه الصلفة، الحرج في القفز إلى المركبة الآمنة، فقد اعتادت الأكل مع كلّ العرسان، وفق قاعدة المداهنة “مات الملك.. عاش الملك“.

هذا يعني أيضا وفق متابعين لشؤون السياسة، أنّ الكثير من الشخصيات التي صنعها “توفيق” على عينه، وتلك التي اتكأت في مواقعها التنظيمية ومشاكساتها الحزبية على حماية رجالات “مدين“، قد تعصف بها التحولّات المتسارعة ويجرفها طوفان التطهير الذي سيحمل شعار “التصحيح” في المرحلة الجديدة، وفي المحصّلة، قد تتغيّر موازين القوى الحالية بين رئيس الجمهورية ومناوئيه في صفّ المعارضة، هذه الأخيرة ستجد نفسها، وفق المعطيات الطارئة، مجبرة على تعديل أجنداتها السياسية، والتحوّل في خطابها الذي حمل طابعا راديكاليا في بعض الجولات الأخيرة.

وعليه، فإنّ المرحلة القادمة برأي مراقبين، ستشهد انحسارا ولو مؤقتا في تيّار المعارضة، إلى أن تتّضح مآلات التغييرات الحاسمة التي أقرّها الرئيس في الآونة الأخيرة، بدليل التحفظ الشديد الذي طبع ردود الأفعال حتى الآن، وفي المقابل، ستعرف الساحة المزيد من الاستقرار والتناغم بين مكوّنات الموالاة، وحتّى تلك التنظيمات الحزبية والمجتمعية الموصوفة بعلاقاتها مع “الجهاز الأمني” ستتغير ولاءاتها ومواقعها مع “المدير الجديد” الذي عاد وافدا هذه المرّة من رئاسة الجمهورية.

وتبقى كلّ هذه التوقعات، قائمة على معطى إقالة الفريق توفيق ضمن فرضية “الصراع” مع الرئيس، وفي حال أثبتت الأسابيع القادمة أن مغادرة الرجل لمبنى طاغارا كانت في إطار مشروع انتقالي نحو عهد جديد، فحينها قد تعرف البلاد تغييرات جذرية في تركيبة المسرح السياسي العام. 

مقالات ذات صلة